الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
وثيقة الأزهر الجديدة

وثيقة الأزهر الجديدة

أتمنى من كل قلبى ألا تمر تصريحات فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف مرور الكرام، الدكتور أحمد الطيب  بتصريحاته التى أدلى بها لجريدة «صوت الأزهر» أرسى مبادئ قد تدعم بناء دولة جديدة إن تم تبنّى ما جاء فيها وترجمته إلى فعل واعتباره الفصل الأول فى موسوعة ضخمة تتواتر فصولها سريعاً وقريباً. ملخص ما جاء فى تصريحات الإمام الأكبر عن أن المسيحيين ليسوا أهل ذمة وليسوا أقلية؛ بل هم مواطنون مصريون، وأن التضييق على غير الصائمين فى نهار رمضان «سخف»، وأنه لا يوجد فى الإسلام ما يشير من قريب أو بعيد إلى تحريم تهنئة المسيحى أو غيره وأن مسألة الإسراع ببناء مسجد أمام كنيسة تضييق غير مقبول، وأنه شخصياً لا يرى أى غضاضة فى أن يتم بناء كنيسة، بالإضافة إلى أنه لا يرى ما يدعو لوجود نصوص قانونية لبناء دور العبادة، والمقصود بها بالطبع الكنائس لا المساجد. 



كل كلمة قالها فضيلة الإمام الأكبر وثيقة. وهى وثيقة لا توضح فقط ما كان يفترض أن يكون واضحاً وضوح الشمس لكن غرابيب الظلام وأدعياء الدين طمسوه وخرّبوه، لكنها توضح أننا - وبالطبع مازلنا- واقعين أسرى لفكر خرب تمكن من عقول وقلوب الملايين. عقول وقلوب الملايين تم تخريبها بفعل الخطاب الدينى الذى انفجر فى وجوهنا فى سبعينيات القرن الماضى، وتركه نظامان سياسيان متعاقبان يتمكن من مفاصلنا حتى بات مناهج تدرس فى المدارس وخطباً تلقى على المنابر وورثاً يورثه الأب لأبنائه. هذه الملايين تزوجت وأنجبت ملايين أخرى ورثتها ما نشأت عليه. ولذلك فإن ما قاله فضيلة الإمام الأكبر أحدث صدمة بينهم، وجعل البعض يفقد توازنه وكأنه فوجئ بدين جديد. 

المصيبة التى أغرقنا فيها خطاب السبعينيات الدينى والذى ترعرع بفعل رياح ثقافية مستوردة وأزكاه ورعاه مشايخ وداعة مازالت شاشاتنا تنضح بأحاديثهم وتفسيراتهم حتى اللحظة كبيرة. والأكبر من المصيبة هى أن تركها تتحول إلى أمر واقع وكأن هذا هو الدين، وهؤلاء هم المتدينون، على اعتبار أن هذا الله وهذه حكمته. 

حكمة الله سبحانه وتعالى من تزويد الإنسان بعقل هو استخدامه لا تخزينه أو إلغاؤه. ولم يكن لخطاب السبعينيات الدينى والمستمر إلى هذه اللحظة أن ينتشر وينتصر لولا أنه قضى على ألد أعدائه بضربة قاضية. نجح هذا الخطاب وخطباؤه وأدعياؤه ودعاته من إلغاء العقل وتشويه سمعته حتى بات قطاع عريض من المصريين يخشى استخدام عقله؛ بل وينعت من يدعوه إلى التفكر أو التدبر دون اللجوء لوسيط «دينى» بالكافر أو ضعيف الإيمان.  ما فعله فضيلة الإمام الأكبر عبر تصريحاته الأجرأ على الإطلاق هو أنه خدش العقول فأعاد بعضها إلى الحياة. نعم عقولنا ماتت مع غزوة السبعينيات الكبرى التى تُرِكت ترتع فى ربوع بلدنا. 

تحية كبيرة لفضيلة الإمام الأكبر، ومعها مناشدة حقيقية له ولمؤسسة الأزهر فى المضى قدماً فى طريق التصحيح والتجديد والإنقاذ الذى طال انتظاره جداً. ودعوة للتوقف الفورى عن الاستمرار فى «تقديس» بشر منهم من رحل عن دنيانا ومنهم من مازال على قيد الحياة لكنهم ساهموا بقدر غير قليل فى هدم فكر وثقافة هذا الوطن وهيمنة الرجعية والكراهية. الانتقاد لا يعنى الانتقاص، فالبشر يخطئ ويصيب حتى لو كان رجل دين. 

وثيقة شيخ الأزهر الثورية تخبرنا أن الأمل فى إنقاذ مصر من براثن الرجعية والتخلف باسم الدين موجود، ونأمل فى المزيد.