الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

من عالم الأزياء إلى شقة هتلر

سمحت المعارك لـ«ميلر» بإظهار إمكاناتها الحقيقية لكنها تعرضت بعدها إلى «اضطراب ما بعد الصدمة»

علمها والدها أساسيات التصوير
علمها والدها أساسيات التصوير

كانت لى ميلر.. قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مصورة أزياء وفنون جميلة. تعيش حياة كل ما فيها ينطق بالمتعة والجمال، لكن بين ليلة وضحاها تم تعيينها مصورة الحرب الرسمية لمجلة Vogue فى لندن، حيث قامت بتغطية الحرب الخاطفة، وعواقب يوم النصر، وتحرير باريس، وحركة اللاجئين عبر أوروبا.



 

ولعل صورة «أقنعة النار» التى التقطتها فى هامبستيد بلندن عام 1941، هى واحدة من أشهر اللقطات الحربية لميلر، حيث كانت جزءًا من مساهمات «فوج» لإظهار كيفية تعامل النساء البريطانيات مع الحرب. 

ميلر ترى أن التصوير الفوتوجرافى مناسب تمامًا للمرأة كمهنة، وتعتقد أن النساء لديهن فرصة أكبر للنجاح فى هذا المجال من الرجال، فهن أسرع وأكثر قدرة على التكيف من الرجال. لذلك كانت تعتقد أن لديهن حدسًا يساعدهن على فهم الشخصيات بشكل أسرع من الرجال.

تعكس تجربة ميلر فى الحرب تجربة العديد من النساء الأخريات. فقد سمحت لها بإظهار إمكاناتها الحقيقية لأول مرة. لكنها عانت أيضًا، بمجرد أن انتهى الأمر، مما يسمى الآن باضطراب ما بعد الصدمة.

لقد تعرضت ميلر للاغتصاب عندما كانت طفلة. هذا جعلها معرضة بشكل خاص للصدمة فى وقت لاحق من حياتها، ووجدت أنه من المستحيل العودة إلى زمن السلم بعد انتهاء الحرب.

 

"لى ميلر" .. مصممة أزياء ومصورة قبل الحرب العالمية الثانية
"لى ميلر" .. مصممة أزياء ومصورة قبل الحرب العالمية الثانية

 

 أصبحت ميلر المصورة العسكرية الوحيدة فى أوروبا، وكانت مساهماتها فى الصحافة العسكرية لا مثيل لها. انضمت إلى فرقة المشاة الأمريكية وكانت على الخط الأمامى لتقدم الحلفاء من نورماندى إلى باريس. لقد أحبها الجنود - رأوها صديقة جيدة. كان بوسعها أن تفعل كما فعلوا، وسرعان ما استسلمت للحياة تحت النار. 

تحت النار

اسمها الأصلى إليزابيث ميلر، من مواليد 23 أبريل 1907، بوجكيبسى فى نيويورك، وتوفيت فى 21 يوليو 1977، بمنطقة فارلى فارم هاوس، شرق ساسكس، فى إنجلترا، وهى مصورة أمريكية، فنانة سوريالية، وعارضة أزياء ربما عُرفت فى المقام الأول بأنها ملهمة وعشيقة الفنان السوريالى مان راى، إلا أن ابنها روج لها كمصورة أزياء وحرب.

أول لقاء لميلر مع التصوير كان مع والدها ثيودور. كمصور هاوٍ، كان يمتلك Kodak Brownie وجهازًا مجسمًا، وكان لديه غرفة مظلمة فى المنزل، وعلّمها أساسيات هذه الحرفة. وكانت ميلر تتمتع بطفولة مميزة وسعيدة. ومع ذلك، فى سن السابعة، أثناء زيارة الأقارب، تعرضت ميلر للاغتصاب من قبل صديق للعائلة، مما تركها مصدومة وسبب لها أيضًا مرض السيلان، وهو مرض عولجت منه فى ذلك الوقت.

فى أعقاب الحادث، بدأ والدها فى التقاط صور لها  واستمر فى القيام بذلك حتى العشرينيات من عمرها، وعلى الرغم من اضطرارها للتعامل مع التداعيات النفسية والجسدية لهذه الحوادث المؤسفة، فإن ميلر كانت جميلة بشكل استثنائى، ومشرقة، ومستقلة، وهى صفات أتاحت لها العديد من الفرص طوال حياتها.

 

عملت مراسلة حربية بعد انضمامها لفرقة المشاة الأمريكية
عملت مراسلة حربية بعد انضمامها لفرقة المشاة الأمريكية

 

تعرفت على نساء غير عاديات تجرأن على إبراز المساواة بين الجنسين وغيرها من القضايا وتغلبن على الاضطهاد، وكسرن القواعد.

كافحت ميلر فى المدرسة وفى إيجاد اتجاه فى دراستها. 

فى البداية كانت مهتمة بالمسرح، درست الإضاءة وتصميم المواقع فى باريس لمدة سبعة أشهر. ثم انضمت لفترة وجيزة إلى المسرح التجريبى فى كلية فاسار وأخذت دروسًا فى الرقص وقدمت عروضًا فى مدينة نيويورك.

فى عام 1926، عندما كانت فى التاسعة عشرة من عمرها، غادرت المنزل إلى الأبد، وبدأت فى عرض الأزياء، وانضمت إلى رابطة طلاب الفنون فى مانهاتن، حيث درست رسم الحياة والرسم. فى ذلك الشتاء التقت بقطب نشر المجلات كوندى ناست عندما أنقذها من حادث تصادم مرورى. أعجب بجمالها، أخذها لتكون نموذجًا لـ Vogue. كانت على غلاف الطبعتين الأمريكية والبريطانية فى مارس 1927. 

تم تصوير ميلر من قبل مصورى الأزياء البارزين أرنولد جينثى ونيكولاس موراى وإدوارد ستيتشن.

لسوء الحظ، تم وضع الصورة التى التقطت لها فى إعلان منتجات أنثوية، وكان ذلك إلى حد ما فاضحًا ومحرجًا لها. بعد فترة وجيزة من عرض الإعلان، غادرت ميلر مدينة نيويورك متوجهة إلى باريس.

فى باريس، سعت ميلر إلى البحث عن مان راى وعاشت معه لمدة ثلاث سنوات كطالب ومتعاون وملهم وعشيق. قامت بتدريس التصوير الفوتوجرافى له، وفى عام 1929 طورا وعملا على التشميس، وهى تقنية تعكس الأجزاء السلبية والإيجابية من الصورة وتنتج خطوطًا تشبه الهالة التى تعزز الأضواء والظلام. ابتكر مان راى بعضًا من أكثر أعماله شهرة أثناء مشاركته مع ميلر والتعاون منها، بما فى ذلك مرصد تايم 1931، والذى يتميز بشفاه ميلر. بينما كانت ميلر فى باريس، التقت بالعديد من الفنانين مثل: بول إيلوار، بابلو بيكاسو، ماكس إرنست، جوان ميرو - وصورتهم جميعًا. كما قابلت جان كوكتو، الفنان السريالى ومنافس مان راى، الذى لعب دور البطولة فى فيلمه الأول The Blood of a Poet.

ستديو تصوير

 انفصلت هى ومان راى، وعادت ميلر إلى مدينة نيويورك فى عام 1932. وأنشأت ميلر استوديو صور مع شقيقها الأصغر إريك. كان تدريبها فى الإضاءة المسرحية مفيدًا عند تركيب المعدات اللازمة والأسلاك الكهربائية فى الاستوديو الخاص بها. بدأت فى تصوير المشاهير والصور السريالية والأعمال الإعلانية. واصلت أيضًا عرض الأزياء وبدأت فى التصوير لمجلة فوج. فى حالة واحدة على الأقل كانت هى الفنانة والموضوع لانتشار موضة فوج، بورتريه ذاتى فى عقال عام (1933). 

فى عام 1934، تخلت ميللر عن الاستوديو الخاص بها لتتزوج رجل الأعمال المصرى والمهندس عزيز علوى بك، الذى جاء إلى مدينة نيويورك لشراء معدات للسكك الحديدية المصرية. على الرغم من أنها لم تعمل كمصورة محترفة خلال هذه الفترة، إلا أن الصور التى التقطتها أثناء إقامتها فى مصر مع علوى، بما فى ذلك Portrait of Space، تعتبر من أكثر صورها السريالية لفتًا للانتباه. فى القاهرة، التقطت ميلر صورة للصحراء بالقرب من سيوة رآها ماجريت واستخدمتها كمصدر إلهام لوحته «Le Baiser» عام 1938. كما ساهمت ميلر فى معرض الصور والقصائد السريالية فى معرض لندن.

بحلول عام 1937، كانت ميلر تشعر بالملل من حياتها فى القاهرة. عادت إلى باريس وخلال زيارة واحدة عام 1937 التقت بالفنان السوريالى البريطانى رولاند بنروز. وقعا فى الحب وسافرا سويًا وزارا مشاهير الفنانين فى جميع أنحاء أوروبا. أمضيا الوقت مع بيكاسو، الذى رسم ميلر ست مرات، وفى عام 1939 غادرت باى وانتقلت إلى لندن لتكون مع بنروز.

 فى العام التالى، صورت ميلر لندن أثناء الهجوم الخاطف وبعده - كما أطلق على الغارات الليلية فى زمن الحرب الألمانية على المراكز الصناعية فى بريطانيا، وأصبحت ميلر أيضًا مساهمًا غزيرًا فى المقالات والتصوير الفوتوجرافى لمجلة فوج البريطانية.

عُرضت أربع من صورها («مصر» (1939)، و«رومانيا» (1938)، و«ليبيا» (1939)، و«سيناء» (1939)) فى معرض «السريالية اليوم» عام 1940، وفى معرض زويمر فى لندن.. وتم تضمين المزيد من أعمالها فى معرض متحف الفن الحديث (MoMA) بعنوان «بريطانيا فى الحرب» بمدينة نيويورك عام 1941. 

بحلول عام 1943، أصبحت ميلر مراسلة حربية معتمدة لـ Vogue، وفى العام التالى تعاونت مع المصور ديفيد شيرمان، وعملا سويًا وتابعا فرقة المشاة 83 التابعة للجيش الأمريكى أثناء تقدمها على الخطوط الأمامية.

صورت ميلر تحرير باريس، ومعركة سان مالو، والمستشفيات الميدانية فى نورماندى، وهى من أولى الأدلة الفوتوجرافية على الهولوكوست، لمحة مروعة عن الفظائع التى ارتكبها النازيون فى المعسكرات.

 

كانت "لى ميلر" جميلة بشكل استثنائى
كانت "لى ميلر" جميلة بشكل استثنائى

 

شقة هتلر

 قامت ميلر، وكانت المصورة الوحيدة فى المخيم، بتوثيق ما وجدته هناك بسرعة، وبدقة كبيرة. على خط سكة حديد قريب، كان هناك قطار مليء بآلاف الجثث، والتى أطلقت عليها الرصاص أخذت لها مجموعة متنوعة من الصور من كل الزوايا. داخل المخيم، تعرضت هى وشيرمان للاعتداء، لكنها مع ذلك، لم تشتت انتباهها.

من داخاو ذهبت هى وشيرمان إلى شقة هتلر الخاصة فى ميونيخ وقامت بتصوير شيرمان وهى تغسل نفسها فى حوض الاستحمام الخاص بهتلر، وحذاؤها الموحل على حصيرة الحمام. ثم سافرت ميلر فى جميع أنحاء أوروبا الشرقية لرؤية وتصوير الآثار المدمرة للحرب.

صورت ميلر أطفالًا يحتضرون فى مستشفى فى فيينا، وحياة الفلاحين فى المجر بعد الحرب، وجثث الضباط النازيين وعائلاتهم، وأخيرًٍا، إعدام رئيس الوزراء لازلو برادوسى. وبعد الحرب، واصلت العمل، حيث غطت الأزياء والمشاهير.

أثناء عمل ميلر مع فوج فى الحرب العالمية الثانية، أصبح هدفها «توثيق الحرب كدليل تاريخي». كان تأثير عملها هو توفير «سياق للأحداث». كان عملها محددًا للغاية، مثل منشوراتها السابقة مع Vogue، Surrealist. أمضت وقتًا فى تكوين صورها، واشتهرت بتصويرها من داخل قطارات الماشية. غالبًا ما كان عمل ميللر مع فوج أثناء الحرب مزيجًا من الصحافة والفن، وغالبًا ما تم التلاعب به لاستحضار المشاعر.

فى نهاية الحرب، استمر عمل ميلر كمصورة صحفية فى زمن الحرب حيث أرسلت برقيات إلى محرر فوج البريطانى، أودرى ويذرز، تحثه على نشر صور فوتوجرافية من المعسكرات.

على الرغم من صراعها مع الاكتئاب، وإدمان الكحول، فإنها عادت إلى لندن واستمرت فى التقاط الصور الفوتوجرافية، لا سيما للفنانين والكتاب، مثل إيف تانجى، وإرنست، ودوروثيا تانينج، ويفريدو. لام وديلان توماس وإيسامو نوجوتشى.

فى نوفمبر 1946 كلفتها مجلة فوج البريطانية بتقديم مقال بعنوان «عندما عاش جيمس جويس فى دبلن» بقلم صديق جويس القديم والمقرب قسطنطين كوران. بعد القائمة التى قدمها لها كوران، صورت ميلر العديد من الأماكن والأشخاص فى دبلن، والعديد منهم على صلة بجويس. ظهرت المقالة والصور فى مجلة فوج الأمريكية فى مايو 1947 وبريتيش فوج فى عام 1950.

تقدم الصور سجلاً رائعًا، ليس فقط عن مسقط رأس جويس، ولكن عن دبلن خلال ذلك الوقت. 

فى عام 1946 سافرت مع بنروز إلى الولايات المتحدة، حيث زارت مان راى فى كاليفورنيا. بعد أن اكتشفت أنها حامل فى ابنها الوحيد، طلقت من زوجها المصرى، وفى 3 مايو 1947، تزوجت بنروز. وولد ابنهما أنتونى بنروز فى سبتمبر 1947.

اشترى ميلر وبنروز «فارلى فارم هاوس» فى شرق ساسكس، حيث استضافا فنانين وكتابًا، صورت العديد منهم فى أماكن غير رسمية وحميمة، ولا سيما بيكاسو، الذى كان على علاقة وثيقة مع كل فرد من أفراد الأسرة. كانت الصور الأخيرة لميلر لمجلة فوج (يوليو 1953) بعنوان «الضيوف العاملون»، وقد أظهرت شخصيات فنية عالمية مثل مدير متحف الفن الحديث فى مدينة نيويورك ألفريد إتش بار، الابن، الذى أطعم الخنازير فى مزرعتهم. ساعدت ميلر بنروز، الذى كان يكتب السير الذاتية للفنانين، من خلال تصوير موضوعاته، بما فى ذلك بيكاسو وأنتونى تابيس.