الجمعة 1 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

صحفية على خط النار

المـــوت لقصـــة وصــورة !

آخر صورها قبل مقتلها
آخر صورها قبل مقتلها

نحن على موعد مع صحفية من نوع خاص.. مارى كاثرين كولفين، العاشقة للحياة وسط الخطر، كانت دومًا فى قلب الحدث؛ لتنقل لنا بكل شفافية قصص الضحايا فى قلب صراعات العالم. ولكونها تدرك قوة وسائل الإعلام فى إظهار أهوال الحرب الأساسية؛ استخدمت تلك القوة للمساعدة فى حماية أولئك الأكثر ضعفًا.



 

مارى كاثرين كولفين الصحفية الأمريكية التى عملت كمُراسلة للشئون الخارجية فى الصحيفة البريطانية صنداى تايمز من 1985 حتى وفاتها فى عام 2012 أثناء تغطيتها لحصار مدينة حمص فى سوريا.

 

مع الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات
مع الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات

 

كانت كولفين، قد فقدت إحدى عينيها بسبب شظية فى سريلانكا، وغطت الصراعات فى الشيشان وكوسوفو وسيراليون وزيمبابوى وليبيا وتيمور الشرقية وسوريا. نُشرت رسالتها النهائية فى صحيفة الصنداى تايمز قبل وفاتها بثلاثة أيام. قُتلت بعد ساعات من بثها آخر رسالة، وكانت تبلغ من العمر 56 عامًا.

وُلدت مارى كاثرين كولفين فى 12 يناير 1956 فى أويستر باى، نيويورك، لوالدين هما: ويليام وروزمارى كولفين، وكلاهما مدرسان. كان والدها جنديًا سابقًا فى مشاة البحرية الأمريكية خدم فى كوريا، وفى النهاية تخلى عن التدريس ليصبح ناشطًا سياسيًا للديمقراطيين فى عهد كيندى، مما أثار استياء العديد من السكان المحليين المحافظين، نظمت مظاهرة مناهضة لحرب فيتنام فى شوارع خليج أويستر، ثم أحدثت فوضى طفيفة من خلال تخصيص الفناء الأمامى لمنزل عائلتها كمنطقة إعادة تدوير بيئية.

 

مارى كلوفين
مارى كلوفين

 

لها شقيقان هُما ويليام ومايكل، وشقيقتان هما إيلين وكاترين. تخرجت مارى فى مدرسة أويستر باى الثانوية فى عام 1974، وأمضت سنتها الثانوية فى الخارج ضمن برنامج التبادل مع دولة البرازيل ثم التحقت بجامعة ييل فى وقت لاحق.

كانت مارى كولفين رائدة فى علم الأنثروبولوجيا كما درست مع الكاتب الحائز على جائزة بوليتزر «جون هيرسى». بدأت الكتابة لصحيفة ييل ديلى نيوز المحليّة ثمّ قررت فى وقتٍ لاحق أن تصير صحافية. تخرجت مع درجة البكالوريوس فى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) فى عام 1978. خلال دراستها فى جامعة ييل؛ كانت كولفين معروفة بشخصيتها القوية وسرعان ما أصبحت مشهورة فى وسط الحرم الجامعى.عملت كولفين لفترة قصيرة فى نقابة عمالية فى مدينة نيويورك قبل أن تبدأ حياتها المهنية فى مجال الصحافة مع يونايتد برس إنترناشيونال وذلك بعد عامٍ من التخرج من جامعة ييل.

عندما درست الأدب ذاقت طعم الصحافة لأول مرة من خلال عملها فى صحيفة جامعية. بعد التخرج، بدأت حياتها المهنية بطريقة غير تقليدية من خلال العمل فى المجلة الداخلية لاتحاد Teamsters. سُمّيت «المحرر بالنيابة».. تم تعيينها فى مكتبها فى ترينتون، نيو جيرسى. وجدت الأمر رديئًا للغاية، واستقرت فى ويست فيليدج فى مانهاتن وتوجهت إلى العمل.

 

تتناول الشاى مع أحد القادة العسكريين فى مهمة عمل
تتناول الشاى مع أحد القادة العسكريين فى مهمة عمل

 

مارى تلك الفتاة التى من أصول إيرلندية، المتخصصة فى الأدب الإنجليزى.. كانت مدمنة صحافة. عندما عملت فى وكالة الأنباء الدولية UPI، فى نيويورك وواشنطن قبل أن يتم نقلها إلى فرنسا لتصبح مديرة مكتب باريس. تتذكر لاحقًا: «لقد كان اسمًا كبيرًا لفرقة موسيقية واحدة»، لكنها أتاحت لها الفرصة لتغطية الشرق الأوسط، وسرعان ما أصبحت مفتونة بثقافة المنطقة وسياستها وصراعاتها. وأثناء وجودها هناك، عملت كمُحَكّمة فى صحيفة صنداى تايمز، وفى عام 1986، عندما فقدت الصحيفة مراسلها الشهير فى الشرق الأوسط ديفيد بلوندى لصحيفة صنداى تلغراف، تولت مارى وظيفته. 

فى عام 1987، قدمت تقريرًا من برج البراجنة، مخيم اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان، الذى تعرَّض لإطلاق نار من إحدى الميليشيات، وهناك التقت بولين كاتينج، الجراح البريطانى الذى كان بطلاً طبيًا وحيدًا وسط المعارك.

كانت القصة نموذجية لمارى كولفين- توضح صراعًا معقدًا بشكل مخيف من خلال إيجاد القصة الأكثر دراماتيكية وشخصية فى جوهرها.

فى لبنان تحدت قناصة ميليشيا أمل لزيارة مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين المحاصَر. ظهرت مع ما أصبح قصة على الصفحة الأولى؛ حيث وصفت الموت الوحشى لامرأة تبلغ من العمر 22 عامًا، حاجى أحمد على، التى أصيبت برصاص قناص، والتى ماتت ببطء بينما كانت مارى تراقب. بعد ذلك، اعتقدت مارى أن الحصار الدموى، الذى أودى وقت زيارتها لحياة ست عشرة امرأة على الأقل واستمر مائة وثلاثة وستين يومًا، قد تم إلغاؤه بسبب قصتها.

قصة مع الزعيم

كولفين كانت على معرفة جيدة بياسر عرفات، الزعيم الفلسطينى الأسطورى، لدرجة أنها كانت تسافر معه أحيانًا على متن طائرته، وسرعان ما قررت كتابة سيرته الذاتية. الحقيقة هى أنها ربما أصبحت قريبة جدًا منه. وكما قالت زوجة عرفات، سهى: «كان عرفات يثق بمارى أكثر من أى صحفى آخر. كانت لديها ثقته. إذا أراد أن يقول شيئًا ما، فسيخبرها حصريًا. شعرنا أنها كانت واحدة منا وليست دخيلة». ذات مرة، بينما كانت كولفين تقيم فى فندق هيلتون فى تونس عندما كان عرفات هناك، تعرضت لموقف محرج من أحد كبار المسئولين فى منظمة التحرير الفلسطينية. وبحسب سهى؛ فقد أخبرت كولفين عرفات بالحادثة عند عودته، وعندها أخذ عرفات الرجل جانبًا وحذره: «مارى تحت حمايتى».

وانضمت كولفين إلى عرفات فى زيارة لليبيا لرؤية القذافى فى عرين حصنه عندما كانت فى العاصمة الليبية طرابلس؛ حيث شنت أمريكا أكبر هجوم جوى لها منذ فيتنام. قدمت مقالتها بينما كانت تتدافع لتتجنب الانفجارات، ووضعت نمطًا من شأنه أن يدوم بقية حياتها المهنية.

وأثناء وجودها هناك، تم استدعاؤها للقاء معمر القذافى، وعلى مدار ربع القرن التالى، التقت به مرارًا وتكرارًا، بالإضافة إلى العديد من القادة السياسيين.

نشرت تقريرًا عن لقاءاتها مع الرئيس الليبى الراحل على مدى 25 عامًا. كان عنوانها «Mad Dog and Me». 

وتُعَد مارى هى أول صحفيّة قابلت الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى بعد عملية الدورادو كانيون. فى تلك المُقابلة؛ قال القذافى إنه كان فى المنزل عندما قصفت الطائرات الأمريكية منزله فى طرابلس وأنّه عمل على إنقاذ زوجته وأطفاله بينما كان المنزل يتهاوى، كما قال القذافى فى ذات المقابلة إن المصالحة بين ليبيا والولايات المتحدة مستحيلة فى ظلّ وجود الرئيس ريجان فى البيت الأبيض. واسترسل: «ليس لدى ما أقوله له لأنه مجنون. إنه أحمق؛ إنه مُجرّد كلب إسرائيلى».

 

مع أختها الصغيرة كات كلوفين
مع أختها الصغيرة كات كلوفين

 

الكتابة بالشفرة

كانت إحدى مهامها الأولى عندما انضمت إلى صحيفة صنداى تايمز فى عام 1987 هى استخدام آلة التلكس؛ لأنه لم يكن هناك هاتف يعمل. تمكنت بمهارة من كتابة قطعة مشفرة تجنبت قلم الرقيب. كانت هذه أول لمحة عن التفانى والتصميم اللذين كانا السمة المميزة لعملها. كانت هذه سمات اعتبرها أقرانها فى السنوات التالية مراسلة الحرب الأولى لبريطانيا.

خلال الحرب «العراقية- الإيرانية» قامت بتهريب نفسها متخفية إلى البصرة، وفى بغداد. أزعجت أعصاب المحررين ليس فقط بسبب جرأتها؛ ولكن من خلال تسجيل قصصها حتى الموعد النهائى وما بعده. كانت نسختها تستحق الانتظار، لكن الثمَن الذى يجب دفعه قد يكون باهظًا. فى إحدى المناسبات فى العراق، لم يتم إغلاق خط هاتفها عبر الأقمار الصناعية بشكل صحيح وظل مفتوحًا طوال الليل. ووصلت الفاتورة إلى أكثر من 20000 دولار».

عندما ذهبت إلى بغداد كانت تبلغ من العمر 34 عامًا ومراسلة صحيفة صنداى تايمز الشرق الأوسط. كانت أيضًا فى صدارة حياتها المهنية؛ حيث كانت ستبقى متقطعة لبقية حياتها. لم يتفوق عليها الآخرون أبدًا.

فى بغداد عام 1991، فى الأيام التى سبقت حرب العراق الأولى، كان هناك إجلاء معتاد للصحفيين حثتهم سفاراتهم على المغادرة، ذعر متحكم فيه حيث تم تكديس الصناديق الفضية لمعدات الكاميرا فى الردهة استعدادًا لتلك الرحلة الأخيرة، حرب نفسية شديدة؛ حيث حاول الصحفيون تخويف بعضهم البعض.

لكن مارى بدت وكأنها فوق كل شىء، صاخبة ذهابًا وإيابًا، تجمع المياه المعبأة فى زجاجات، والبسكويت المجفف، وعلب الفاكهة، وعلب سجائر مارلبورو ودائمًا بعض الويسكى الجيد. عادت ومعها كنارى لغرفتها فى الفندق شبه الخالى. كان هناك بعض الحديث عن استخدام أسلحة بيولوجية، لكن كنارى مارى كان مزحتها وطريقتها فى التأقلم.

كثيرًا ما خاطرت كولفين بحياتها. أثناء تغطيتها للحرب فى تيمور الشرقية، كافحت للبقاء فى مجمّع اللاجئين التابع للأمم المتحدة المحاصَر بعد أن طُلب من الصحفيين المغادرة أو المخاطرة بالقتل. وأصرت على أن الوجود الإعلامى ضرورى لضمان حماية اللاجئين.

ففى تيمور الشرقية فى عام 1999، عندما اقتربت القوات الإندونيسية من مجمع للأمم المتحدة فى ديلى حيث لجأ 1500 شخص إلى مأوى، أرادت الأمم المتحدة الانسحاب وترك اللاجئين لمصيرهم. رفضت تركهم، ملوّحة وداعًا لـ 22 زميلًا صحفيًا بينما بقيت مع قوة غير مسلحة تابعة للأمم المتحدة من أجل المساعدة فى تسليط الضوء على محنتهم من خلال تقديم التقارير إلى العالم، فى صحيفتها وعلى التليفزيون العالمى. تمت مكافأة الدعاية عندما تم إجلاؤهم إلى بر الأمان بعد أربعة أيام متوترة. كان هذا هو جوهر نهج مارى فى إعداد التقارير. لم تكن مهتمة بالسياسة أو الاستراتيجية أو السلاح؛ فقط الآثار على الناس الذين تعتبرهم أبرياء.

قالت: «هؤلاء أناس ليس لهم صوت». «أشعر أننى أتحمل مسئولية أخلاقية تجاههم، وأنه سيكون من الجبن تجاهلهم. إذا كان لدى الصحفيين فرصة لإنقاذ حياتهم؛ فعليهم فعل ذلك». ظلت مارى كولفين وصحفيتان أخريان فى مكانهن، متحديات الأمم المتحدة.

فى نهاية المطاف، سمحت القوات الإندونيسية للاجئين، بعد أن شعروا بالعار بسبب شجاعة المراسلين، بالمغادرة وتدخل المجتمع الدولى. وساعد وجود مارى كولفين بلا شك فى إنقاذ عدة مئات من الأرواح».

ظلت المقاومة ضد الحُكم الإندونيسى قوية، وفى عام 2002 أصبحت تيمور الشرقية دولة مستقلة.