السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أزمة الهوس الجنسى

لماذا كانت «مومس» سارتر فاضلة؟!

كتب الفيلسوف الوجودى جان بول سارتر مسرحيته «المومس الفاضلة» فى أربعينيات القرن العشرين، أى فى الفترة التى اهتم فيها سارتر بتوضيح فلسفته الأخلاقية الوجودية، وفى بدايات مرحلة سبقت وضوح كذلك أفكاره السياسية التى تمثلت فى رفض العنصرية والنظام الطبقى فى أمريكا تحديدًا.



قلبت أفكار سارتر العالم، وكانت نموذجًا على مقاومة الحضارة الأوروبية للمادية فى أقصى الغرب بزعامة الولايات المتحدة.

«المومس الفاضلة» مسرحية من فصل واحد ولوحتين وبطلتها الرئيسة ليزى المومس وفريد والسيناتور وتوماس الجانى ورجال الشرطة.

 

جان بول سارتر
جان بول سارتر

 

المسرحية انتقدت بشدة العنصرية ضد الملونين فى الولايات المتحدة، وبنى سارتر تصاعدها الدرامى بجملة أمريكية شديدة العنصرية تقول: «حين يبدأ اثنان من البيض الكلام فلابد أن يموت زنجى»، خلال الأحداث كانت المومس تستقل القطار من نيويورك لتبدأ حياة جديدة، فقادتها الظروف إلى أن تكون شاهدة على مقتل زنجى وهروب الآخر من نافذة القطار حين اغتصب مجموعة من البيض فتاة بجوارهم وألصقوا التهمة بهما.

تحاول ليزى على مر الأحداث أن تشهد بالحق من أجل الحفاظ على حياة البرىء كما وعدته، لكنها تتراجع بسبب الضغط العاطفى عليها من أقارب القاتل الحقيقى.

أراد بول سارتر أن يخلق من اسم مسرحيته مفارقة تخطف الأذهان، فالصورة الذهنية المتعلقة بالمومس فى المجتمعات الأوروبية لم يكن يمكن أن تربط بينها وبين الفضيلة بأى شكل، لكنه أراد التعبير عن النزعة الإنسانية المجردة.

 

سميحة أيوب
سميحة أيوب

 

وربما ما لا تعرفه الفنانة «إلهام شاهين» أن عنصر الصدمة فى مسرحية سارتر كان أن ترى «المومس» تأبى شهادة الزور وتأبى إلحاق الضرر برغم كونها العكس تمامًا من بعض أصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة فى المجتع الذين ساوموها عاطفيًا كى يجنبوا المجرم الحقيقى العقاب.

«المومس الفاضلة» مسرحية أخلاقية بحتة تتعرض لمناقشة القيم الإنسانية المجردة وتنتقد دعاوى الديمقراطية الأمريكية وقتها، بمعنى واضح أنها لم تكن من قريب أو بعيد أدبًا إباحيًا، لكن ربما يأتى سخط الجماهير من نغمة استفزازية استعراضية لمن أعلن عن المسرحية بصيغة أسىء فهمها فى ظل سطوة عدم وعى برسالة المسرحية الفنية.

لكن لماذا أثار لفظ «مومس» السخط الجماهيرى على سوشيال ميديا بالذات؟

فى العالم العربى يشتهر ثالوث محرم التناول وهو على الترتيب «الدين - الجنس - السياسة» فكل المحاولات الأدبية وغير الأدبية فى هذا الثالوث تعرض صاحبه دائمًا لحرب.

ففى «المومس الفاضلة» نجد المحرم الثانى فى الثالوث وهو «الجنس» تابوهًا محكم الغلق صنع منه العقل العربى حرامًا وعيبًا لا يمكنك أبدًا الخوض فيه.

إلهام شاهين
إلهام شاهين

 

 

ربما فى مجتمعاتنا فإن قلة الوعى والجهل بالأمور الخاصة بالحياة الجنسية، هى التى صنعت فزاعة عاطفية تجاه أى مصطلح يخصه، وبالتالى خلقت أزمة ضيق أفق تجاه الإبداع الحر سواء كان هذا الإبداع بشكل صريح «كالأدب الإيروتيكى» أو بشكل لفظى كما حدث مع «المومس الفاضلة»، قياسًا على ذلك كل أنواع الفنون التى تتناول هذا الجانب بشكل مباشر أو غير مباشر حاليًا، وقصدت كلمة حاليًا لبيان المفارقة الغريبة فى اختلاف استقبال العقلية العربية للمصطلحات الجنسية حاليًا عن قديم، أى فى التراث العربى.

فى تراثنا العربى مجموعة كتب كثيرة تناولت بشرح مفصل كثيرًا من الأمور الجنسية وبعضها لعلماء معروفين ولم يلاقوا الحرب الشرسة التى لاقتها حكاية «المومس» الفترة الأخيرة.

يحدث فى مجتمعاتنا خلط واضح أيضًا بين اللفظ والمفهوم.. الدين والأدب.

فالدين يمثل العلاقة أو الحياة الروحية للإنسان أو ما يجب أن يكون عليه، بينما يعكس الأدب الواقع القائم بالفعل.

لا أحد يمكن أن ينفى وجود الانحرافات الأخلاقية حتى فى أكثر المجتمعات تدينًا ولا تستطيع نفى الجرائم الأخلاقية الموجودة كالتحرش والاغتصاب والاتجار بالجسد.

كثيرًا ما يكون الرفض الاجتماعى لمصطلح ما لا يعنى أبدًا صحة فرضية مثالية المجتمع.

أضف إلى ما سبق أن مجتمعاتنا ما زالت تعانى مما يسمى «الوصاية» الأخلاقية التى يمارسها كل فرد على الآخر بشكل أبوى سلطوى فيقوم بدور الرقيب على المسموع والمرئى والمقروء ويرفض بشكل عاطفى قاطع حتى الحوار أو المناقشة للوصول إلى رؤية علمية صحيحة.

المبرر عادة أو الحجة غالبًا ما تكون «احترام القواعد والعادات والتقاليد التى هى أصلًا لن تتضرر بمجرد توسيع أفق الفرد تجاه نفسه وتجاه العالم المحيط».

فى أحيان كثيرة ينبع الرفض الاجتماعى فى مجتمعاتنا من سيادة نظرية «الحرية الخفية» فهناك العلاقات السرية، والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ومشاهدة الأفلام الإباحية، والتفكير الخفى فى الجنس، ويظل فى الخفاء وكأن الأزمة تكمن فى الإعلان فقط أو محاولة المبدعين مواجهة بعض الناس بالواقع المعاش.

سيادة الأفكار التى ترهب من المناقشات الجدلية وتستطيع أن تخلق فزاعة لتقييد حرية الإبداع التى ينص عليها القانون ويحميها.