الخميس 9 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

قهاوى الستينيات وشجن الذكريات

قهـوة مضبوطة فى حب الوطن

غيرت جائحة كورونا كثيرًا من مَظاهر الحياة التى عرفتها شعوب العالم، وفى مصر، تغيرت عادات رواد المقاهى، واختفت سحب الدخان بعد منع الشيشة خوفًا من الوباء. 



ولم تعد مُشاهدة الزحام المعتادة داخل المقاهى مثلما كانت قبل الجائحة، كل ذلك يعد دافعًا لاسترجاع تاريخ المقاهى الشهيرة فى مصر وحكاويها. 

المقاهى فى مصر تاريخ وسياسة.. خرجت من المقهى حركات التحرُّر الوطنى.. وتحولت بالزمن إلى نوادى مثقفين, وحكايات ونوادر «ريش» كانت خير شاهد على 100 سنة ثقافة وظهرت إستامبينوس بوصفها نموذجًا للقاهرة الكوزموبوليتانية, أما مقهى عبدالله الشهيرة  بالجيزة، فكانت قبل أن تتلاشى معالمها ملفًا كاملاً لمرحلة ثقافية سياسية من تاريخ مصر زمان. 

هذه قصص من المقاهى المصرية وتفاصيل مستعادة تُروَى.

 

 

 

شهدت فترة الستينيات ظهور عدد من المقاهى فى جيل جديد حاول استعادة سمعة قهاوى القاهرة الخديوية، بدايات القرن الماضى، صحيح لم تصل تلك المقاهى للسمعة والصيت، لكنها حققت شهرة سريعة لعوامل مختلفة أهمها موقع معظم تلك المقاهى المتميز فى وسط القاهرة فتحولت إلى نوادٍ لمشاهير الأدباء والمثقفين والفنانين. أكثر هذه المقاهى شهرة وادى النيل، الندوة الثقافية وسوق الحميدية.

 

 

 

تسلم مقهى «وادى النيل» الراية، زمنيا، من مقاه أخرى مثل «إيزافيتش» الذى كان يطل أيضا على ميدان التحرير، وتأسس وادى النيل 1960 لصاحبه محمد عثمان شريف مع شريكين وتحمل عثمان مسئولية إدارته، حيث أسهم موقعه المطل على ميدان التحرير كى يكون مقصدا للسائحين فى تحقيقه شهرة سريعة جذبت مشاهير الثقافة والسياسة والفن. فترة الستينيات والسبعينيات كانت فترة ازدهار «وادى النيل» وأصبح لاسمه جاذبية وشهد تردد نجيب محفوظ وكتاب وفنانين نوبيين فى بداية مسيرتهم الإبداعية أبرزهم على كوبانة وحسن جزولى وحسن السيسى ونصر شلالى والفنان السودانى محمد وردى.

كان للحادث الإرهابى الذى تعرض له مقهى «وادى النيل» عام 1993، أثر فى شهرة إضافية، وأعيد افتتاح المقهى فى حفل حضره وشارك فيه عدد من الفنانين منهم سمير الإسكندرانى ومحمد نوح والريس متقال وآخرون، وعادل إمام حيث ألقى كلمة ندد فيها بالإرهاب، إلى جانب فرج فودة وحسين فهمى، وتم توثيق الحفل فى فيلم تسجيلى بعنوان «قهوة مضبوط للوطن».

ومنذ ذلك الحادث، يحرص مدير المقهى بين فترة وأخرى على تجديده بحرص ظاهر ولافت على هويته وتاريخه وشكله بثوبه الأصلى وروحه النوبية بعيدا عن شكل المقاهى الحديثة التى انتشرت فى شوارع القاهرة.

الندوة و«هاللو شلبى»

على بعد خطوات من «وادى النيل» فى الاتجاه لشارع باب اللوق، يقع مقهى «الندوة الثقافية»، الذى أنشئ أيضا خلال ستينيات القرن الماضى، محققا شهرة من نوع خاص، اكتسبها من ندواته الأسبوعية لكبار الكتاب والمثقفين وحلقات النقاش فى أركانه. ويمتاز المقهى بسمت خاص يعرفه رواده، وسيلفت نظرك أنك لن تجد تليفزيونا كما هو معتاد، كما لن تجد الطاولة أو الدومينو، فقط راديو صغير يعمل صباحا على إذاعة القرآن الكريم، وبقية اليوم يتحكم فى دفته رواد المقهى.

شهدت طاولات «الندوة الثقافية» ندوات المثقفين فترة الستينيات والسبعينيات حتى الثمانينيات، فكان يشهد أسبوعيًا مواظبة نجيب محفوظ وجمال الغيطانى ويوسف القعيد والفنان أحمد زكى والفنان يحيى الفخرانى.

وحكى صاحب الندوة عم سعيد بعضا من حكايات رواد المقهى، أبرزهم النمر الأسود قائلا: الإمبراطور أحمد زكى كان أهم المترددين 1970، وقت عرض مسرحية «هاللو شلبى»، حصيلة أعماله الفنية وقتها قبل «هاللو شلبى» دوران فقط، أحدهما فى «القاهرة فى ألف عام» والثانى فى مسرحية «النار والزيتون».

أضاف: جاء أحمد زكى شابا بملابس فى منتهى التواضع لمقابلة الصحفى محمد تبارك، محرر الفن بـ «أخبار اليوم»، للحديث عن دوره فى مسرحية «هاللو شلبى»، والإشادة بإجادته تقليد الفنان الكبير محمود المليجى فى اسكتش «عودة الندل».

متابعا: زكى لم يكن معروفا، فهو شخص عادى سأل عن محمد تبارك الذى كان صحفيا لامعا وقتها وأحمد زكى وقتها كان مثل كثيرين يسألون عن الصحفى المحبوب، فطلب أحمد زكى كوباية شاى.

وتابع عم سعيد: ذهبت لإحضار الشاى وأتى الراحل تبارك قبل أن ينتهى زكى من شرب الشاى، فأخبرته أن هناك من ينتظره، فسأله: مين؟ فأشار سعيد إلى الفنان أحمد زكى، لم يستغرق الحوار بينهما أكثر من ساعة حسب قول عم سعيد، تحدث خلالها أحمد زكى عن الأدوار التى قدمها وأمله أن تكبر أدواره الصغيرة فى المراحل المقبلة، شاكيا من الظروف فهو شاب مغترب، تغلبه أجرة السكن والطعام والملبس لمجاراة الحياة فى العاصمة.

جاء أحمد زكى لمقهى «الندوة الثقافية» بحثا عن إشادة بدوره فى «هاللو شلبى»، لكن بعد دوره فى «مدرسة المشاغبين» اختلف الوضع، ودخل الراحل أحمد زكى مراحل نجومية بدأت فى التصاعد، لم يكف وقتها عن ارتياد «الندوة الثقافية»، لا هو ولا الراحل محمد تبارك ثم نور الشريف ثم محمود ياسين.

 

 

 

«سوق الحميدية»

اكتسب مقهى «سوق الحميدية» شعبيته أولا من موقعه المميز فى باب اللوق ثم من اسمه نسبة لأكثر أسواق سوريا شهرة، وأخيرا لتزامن افتتاحه بعد الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958.

قصة افتتاح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر للمقهى هى الأكثر تداولا رغم أنها غير مؤكدة ولم تثبت حتى اللحظة.

حقق «سوق الحميدية» شهرة واسعة فترة الستينيات تعد العصر الذهبى له، رغم صغر مساحته إلا أنه ظل مقرا مفضلا للكتاب والفنانين والصحفيين، أبرزهم عباس الأسوانى، فنان الكاريكاتير عبدالمنعم رخا، والصحفيان محمد نجيب وعبدالوهاب مطاوع، ومحمد نوح، وعبدالله غيث، وحمدى غيث، زكريا سليمان، سعد أردش، محمد الدفراوى، عبدالرحمن عرنوس، نبيل الحلفاوى، وزوجته السابقة الفنانة فردوس عبدالحميد ومحمد كامل القليوبى. «جمعية منتظرى سعد زغلول» من القصص الطريفة التى ترد فى الحكايات الشهيرة عن تاريخ «سوق الحميدية»، والجمعية أطلقها الشاعر أمل دنقل، على تجمع صغير يلتف حول مائدة واحدة تضم شاعر العامية عبدالسلام شهاب هم عبدالوهاب مطاوع ومحمد نوح وعبدالمنعم رخا، حيث كانوا أعضاء بحزب «الوفد الجديد»، وكان محمد نوح يستعرض إمكاناته فى التلحين ويجذب الصحف من رواد المقهى ويجلس لتلحين عناوينها، وهو ما كان يستفز الفنان عبدالرحمن عرنوس الذى ينافسه فى الصدارة الفنية بالمقهى، فيسخر منه «أصل عنده فرقة اسمها النهار ومبتغنيش إلا بالليل»!

وكان نوح يرد: «وإيه يعنى.. ما انت عندك فرقة اسمها أولاد البحر وعمرهم ما عاموا حتى فى البر»!

على «سوق الحميدية» كان الناقد الراحل فاروق عبدالقادر يعقد ندواته، التى استمرت حتى رحيله 2010.