الخميس 9 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
«خط أحمر» فى «المنطقة الحمراء»

«خط أحمر» فى «المنطقة الحمراء»

اختلاف الثقافات لا يفسد للمعرفة قضية. وكونك تعارض أو ترفض فكرة لا يعنى ألا تعرف ما تعنيه الفكرة ولماذا يتمسك بها أصحابها. وفى أمستردام، عاصمة هولندا الجميلة، يعرف الجميع أن من بين أبرز معالمها وملامحها السياحية الكثيرة «المنطقة الحمراء» أو «منطقة الضوء الأحمر» فى وسط المدينة واسمها «دى وولين». وهذا الحى معروف بأنه حى الاتجار الجنسى أو حى البغاء. وهذه تجارة غير ممنوعة بحسب القانون الهولندى، بل مشروعة ولها قوانين تنظمها وتحمى العاملات بأنواعهن فيها. وعلى الرغم من قيود كورونا، وأعداد السياح التى انخفضت كثيراً، ووصلت نسبة الانخفاض فى هولندا إلى 73 %، إلا أن السياح الذين يزورون هولندا هذه الأيام، وبينهم نسبة غير قليلة من العرب، لا بد وأن تقودهم أقدامهم وحب الاستطلاع (على الأقل) إلى هذا الحى الفريد من نوعه. وسبب التفرد ليس فقط فى وجود «منطقة حمراء»، فهى موجودة فى العديد من المدن حول العالم، ولكن فى الهيكل التشريعى والتنظيمى والاجتماعى الفريد من نوعه. آخر زيارة قمت بها إلى هولندا كانت فى أوائل تسعينيات القرن الماضى. واليوم أزورها لأرى الكثير من التغيرات، و«المنطقة الحمراء» ليست استنثاءً. أصبحت أمستردام أكثر ازدحاماً، وعدد الدراجات – وسيلة الانتقال الأولى- تضاعف مرات عدة. و «المنطقة الحمراء» تغيرت أيضًا. فرغم عودة السياح بشكل ما لزيارة المنطقة إلا أن طبيعة «العمل» السائدة فى المنطقة تعانى كثيرًا. ظنت «عاملات الجنس» فى المنطقة أن أكبر مشكلة يواجهنها هى حملة شنتها مجموعات تستقى أفكارها من المسيحية والنظريات النسوية ووصلت أوجها فى عام 2019 مطالبة بإغلاق هذه المنطقة ومقاضاة زوارها. والسبب هو الاعتراض على نوعية العمل «غير الأخلاقى»، بالإضافة إلى اعتباره نتيجة لعدم المساواة بين الجنسين. (ملحوظة: انضمت لقوائم العاملات فى هذه المهنة البعض من متحولى الجنس كذلك) والغريب أن رد فعل العديد من العاملات على هذه الحملة – التى بدت إنها تدافع عنهن- كان الاعتراض الشديد والكتابة للبرلمان بأنهن يملتكن أجسادهن، بل وطالب البعض منهن التوقف فورًا عن هذه الحملة التى تجعل عملهن أكثر خطورة. لكن أتت كورونا بأنواع مستجدة من الخطورة أدت إلى إغلاق لـ«المنطقة الحمراء» عدة أشهر. لكن هولندا التى عُرِفت بين قريناتها الأوروبية باتباع سياسة هى الأكثر ليونة وفى أقوال أخرى «محفوفة بالمخاطر»، لكن الهولنديين يسمونها «سياسة ذكية» عادت وفتحت المنطقة أمام حركة التجارة والسياحة. وعادت العاملات يقفن وراء الواجهات الزجاجية عارضات بضاعتهن فى ظل حماية إجراءات احترازية وكاميرات وقوانين وأعراف سائدة. وضمن هذه الأعراف – والتى يسبب خرقها لا سيما من قبل ثقافات معروفة برفضها الكامل للاتجار بالجنس لكن أصحابها أول الحريصين على زيارة المنطقة- استهجان ورفض تصوير العاملات فوتوغرفيًا. ورغم عدم وجود قانون يمنع ذلك، إلا أن الهولنديين يعتبرون ذلك «قلة ذوق» وجورًا على حق العاملات الراغبات فى عدم التصوير. بالمناسبة العاملات فى «المنطقة الحمراء» (وهى ليست الوحيدة فى هولندا) يسددن ضرائب ويتمتعن بتأمين صحى واجتماعى وحماية الشرطة طالما يمارسن عملهن فى الأماكن المرخصة لذلك ويتبعن القوانين، والتعدى عليهن خط أحمر. هى بالطبع ثقافة مختلفة. ورغم هذا الاختلاف، فإن معرفة ما يدور حولنا فى العالم لا يضر.