الخميس 9 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

وحدتك اختيارك

ريشة: عبدالرحمن أبو بكر
ريشة: عبدالرحمن أبو بكر

الآن أدركت غربتها وغرابتها وسط الجموع، عرفت أن المبدأ الذى يجب أن تسير عليه هو «حب ما تشاء فإنك مفارقه» وإن وجد «فأهلاً وإن لم يكن فأهلاً وسهلاً».



الاستغناء هو سر راحة البال، والحياة يجب أن تعاش بكل ما فيها، بمرها قبل حلوها فما قيمة الحياة لو ظلت راكدة.. لا حركة بها؟!

حلاوة الصعود أنه بعد حالة من الهبوط ونشوة الفرحة تأتى بعد الحزن وطعم اليسر بعد العسر لا مثيل له.. المهم أن نرى.. أن نحس وأن نفهم أن هكذا هى الدنيا.

وهكذا قررت أن تكون.. سعيدة.. تخلق سعادتها بيدها، تعيش الحياة وتموت وهى مبتسمة فخورة بكل ما حققته وكل ما حاولت تحقيقه ولم تستطع، وسعيدة حتى بكل العناء الذى عاشته فى حياتها.. فهذا كله هو من خلق منها الإنسانة التى هى عليه الآن.

أدركت أيضًا أن الوحدة ما هى إلا اختيار.. نعم.. هى اختيارك أنت وحدك، أنت من بإرادتك تصبح وحيدًا غريبًا حتى ولو وسط جموع من البشر، أو أن تكون وحيدًا بالفعل، لكن لا تشعر بالوحدة.. فالوحدة شعور نخلقه بأيدينا، فتجد زوجة وأمًا وتشعر بالوحدة، أو أخًا لخمسة إخوة ويشعر بالوحدة، أو أبًا وزوجًا ويشعر بالوحدة!

هذا لأننا نبحث عن غير الموجود ونغض البصر عما نملك!

فمثلاً.. هذا الشاب متزوج وعنده طفلة، لكنه طوال الوقت يحنّ لما قبل الزواج، وأيامه مع أصدقائه، وسهره حتى الصباح، ولا يرى ابنته التى تتعلق بقدمه مبتسمة تشده لها، ولكنه لا يرى، لا يرى زوجته التى تحبه وتتمنى لحظة صفاء تجلس معه ويتبادلان أطراف الحديث.. لكنه شاحب الوجه، يشعر بالوحدة، لا يرى إلا أنه أصبح مجرد مارد يحقق أمنيات من فى البيت.. ولكن «أنا» من يحقق أمنياتى؟! من يبحث عن راحتى؟! إذن هذا الشاب يختار الوحدة بإرادته، لا يقدّر وجود زوجته ولا ابنته، يرى فقط الناقص من حياته!

وهذه الزوجة التى أنجبت أطفالاً وربتهم تربية جيدة وزوجها يعمل ليل نهار فلا يجد الوقت ليجلس معها، لكنها وسط أولادها وهم سعداء حولها، فخورون بها، لكنها تنتظر الزوج الغائب، وعندما يعود تنتظر أن يهتم ويستمع، فإذا لم يفعل فهى وحيدة! لا تستمتع بأولادها ولا تعذر انشغاله.. تنظر لنصف الكوب الفارغ!

هكذا نعيش وهكذا تتبدد أيامنا هباء ما بين الحزن والألم وانتظار ما لم ولن يأتى!

قررت هى أن تعيش ما تبقى من عمرها فى سعادة تخلقها هى لنفسها بنفسها.

لا تنتظر أحدًا ولا تحزن بسبب ما لا يحدث. قررت أن تفتح عينيها وترى الموجود وتستمتع به. قررت أن تبتعد كل البعد عما يؤذيها حتى لو كان شخصًا قريبًا!

ها هى.. تعمل، وتذهب لتلعب بولينج، وتذهب للجيم لتستعيد لياقتها، تتعرف على أشخاص جدد، وتقدر من حولها وتقدر وجودهم بجانبها.

ما زالت رغم الألم تحلم.. ما زالت تحب الحياة، وتكره من يكره!

فالكره أذى لصاحبه ولمن حوله، وعدت نفسها أن تظل هكذا حتى آخر يوم بعمرها لتقابل أحبابها ممن سبقوها.

قررت النسيان، ليس هروبًا، ولكن محاولة لفهم الحياة بشكل مختلف، يكفى ما راح من العمر فى انتظار التغيير يأتى وحده! لا شىء يأتى وحده! هكذا ببساطة، يجب أن نقوم نحن بالتغيير.

ها هى تودع أحزانها، وتشير لها من بعيد، لكن هل ستنتهى الأحزان؟ بالطبع لا.. ولكن ما دمنا سنظل أحياء على وجه الأرض.. إذن يجب أن نعيش ونقاوم وننتج ويكون لنا أهمية حتى لو فى حياة بعضنا، نحمل أحزان بعضنا سويًا، يساعد أحدنا الآخر.. فلماذا خلق الله الإنسان إلا ليكون إنسانًا؟!

الإنسانية هى الدرس المستفاد فى هذه الدنيا، إذا أصبحت إنسانًا حقيقيًا لن تصبح أبدًا وحيدًا.