الخميس 9 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

شارك فى العبور الأول وحمى مصر فى العبور الثانى

البطل فى رحاب الله

فى حياة مصر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم المشير محمد حسين طنطاوى.. فارس العسكرية المصرية، الجنرال الأسمر العنيد الذى أنقذ الوطن وحمله على كتفيه وحماه من محاولات إسقاطه ضمن أكبر مخطط  لقوى الشر لهدم الدولة المصرية فى تاريخها القديم والحديث.



حمل المشير طنطاوى الوطن فى مهمة عبور ثانية فى أحلك أوقاته.

هو المحنك ذو النظرة البعيدة الثاقبة، رحل القائد العام للقوات المسلحة الأسبق، ورئيس المجلس العسكرى خلال أحداث 2011؛ لكن أثره سيظل وسيتحاكى التاريخ عن سيرة قائد انتصر لإرادة المصريين بمزيد من الصبر والإصرار.

 قائد متواضع

نشأ المشير محمد حسين طنطاوى عام 1935 فى شارع عبدالعزيز جاويش، بحى عابدين بالقاهرة، لأب موظف بسيط نوبى من الفدكة فى قرية أبوسمبل بأسوان، وأم قاهرية ظلت طوال سنواتها السبعين فى نفس الحى، وظل الراحل على اتصال دائم بأهل الحى الذى شبّ فيه حتى وافاه الأجل.

منذ اليوم الأول لتخرج المشير محمد حسين طنطاوى فى الكلية الحربية عام 1956، يشهد له زملاؤه وقادته بالانضباط والالتزام وقلة الكلام مع كثرة العمل.. يستيقظ فى الخامسة فجرًا ويبدأ عمله الذى لا ينتهى قبل العاشرة مساءً وكثيرًا ما كان ينهى عمله فى وقت متأخر من الليل.

وبفضل ذكائه ودأبه فى مهامه، تقلّد جميع المناصب القيادية فى القوات المسلحة المصرية، وحصل على دورة كلية القيادة والأركان عام 1971. وشارك فى جميع الحروب التى خاضتها مصر منذ العدوان الثلاثى عام 56، وفى 67حينما كان قائدًا لسرية مشاة، وفى حرب الاستنزاف وحرب 1973 التى خاض فيها معارك أبكت قادة جيش العدو. كما شارك فى حرب تحرير الكويت عام 1991أثناء رئاسته لهيئة عمليات القوات المسلحة.

فى مايو عام 1991، اختاره الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، ليكون قائدًا عامًا للقوات المسلحة المصرية؛ وزيرًا للدفاع والإنتاج الحربى، فاستمر بمنصبه حتى عام 2012.

شهدت سنواته الإحدى والعشرون طفرات فى تطوير وتحديث الجيش المصرى، فاهتم بجهاز الخدمات الوطنية، والمشروعات القومية الاستراتيجية، ويحسب له أنه عمل على توسيع آلية التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بين الجيش المصرى ونظائره من جيوش دول العالم، ما ساهم فى رفع كفاءة وقدرات وجاهزية القوات المسلحة المصرية.

 المزرعة الصينية

منذ الساعات الأولى لحرب أكتوبر 1973، كانت كتيبة 16 مشاة التى يقودها المقدم محمد حسين طنطاوى -آنذاك- من أولى الكتائب التى عبرت قناة السويس بأوامر القيادة العامة للدفع بعناصر من الجيش مهمتها اقتناص الدبابات على الجانب الشرقى للقناة، وسطَّر حسين طنطاوى وكتيبته ملاحم من نور فيما  عرف بعد بمعركة «المزرعة الصينية»، التى نشبت بين القوات المصرية والإسرائيلية فى أكتوبر 1973 ونال عنها المشير طنطاوى نوط الشجاعة.

حسب يوميات معركة النصر والفداء فى أكتوبر 73 بالتحديد يوم 16 كانت المعركة مستمرة على الجبهة بضراوة، وسلَّطت المدفعية الإسرائيلية بعيدة المدى نيرانها، واستمر الهجوم حتى الغروب، وعندما استنفد العدو الإسرائيلى جميع محاولاته للقيام بالهجمات والضربات المضادة ضد رؤوس الكبارى المصرية على طول خط قناة السويس بدأ تفكيره يتجه إلى ضرورة تركيز الجهود فى قطاع محدد حتى تنجح القوات الإسرائيلية فى تحقيق اختراق تنفذ منه إلى غرب القناة‏.

اختارت القيادة الإسرائيلية اتجاه الهجوم الرئيسى فى اتجاه الجانب الأيمن للجيش الثانى الميدانى فى قطاع الفرقة ‏16‏ مشاة وبالتحديد فى اتجاه محور الطاسة والدفرسوار.

ورأى المشير طنطاوى عناصر تحاول عبور الألغام، فقام بخدعة فى منتهى الذكاء حين قرر وقف إطلاق النار تمامًا لإغراء قوات العدو على التقدم عبر المنطقة الواقعة بين الجيشين الثانى والثالث الميدانيين على الضفة الشرقية لقناة السويس.

وبالفعل تقدمت القوات الإسرائيلية حتى أصبحت فى مرمى نيران القوات المصرية، وفور تقدمها حاصرها «طنطاوى» بقواته وبوابل لا ينقطع من نيران مستمرة لدرجة أن أرئيل شارون قائد الهجوم الإسرائيلى فقد 60 دبابة، وبكى كثيرًا فى هذا اليوم وكانت إحدى المعارك الكبرى التى أفقدت فيها صلابة الجندى المصرى واستبساله العدو توازنه

تحدى يناير

منذ اليوم الأول لنزول الجيش الشارع بعد اندلاع أحداث يناير 2011 وقد أخذ المشير الراحل على عاتقه مهمة حماية المواطن والانحياز لإرادته، وتفويت أى فرصة على جماعات الإرهاب فى إحداث شقاق بين الشعب وجيشه.

ومنذ قرر الرئيس مبارك التنحى، تسلم المشير طنطاوى مقاليد الحكم باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، ورئيس المجلس العسكرى، فكانت أوامره وتوجيهاته لضباطه وجنوده أقصى درجات الصبر وضبط النفس. 

 وكلّف المشير طنطاوى القوات المسلحة بتأمين المناطق الحيوية. وفتح مستشفيات القوات المسلحة للمدنيين والمصابين، وتأمين معسكرات الأمن المركزى ومديريات الأمن والتجمعات السكنية والمراكز التجارية والمنشآت العامة والخاصة. 

 وامتد دور القوات المسلحة إلى تأمين البنوك ونقل الأموال ومعاونة القطاع المدنى فى نقل السلع الحيوية، وانتظام عمل القطاعات الخدمية (مياه، كهرباء)، فضلًا عن التواصل مع المتظاهرين والاستماع إلى مطالبهم بنفسه. 

 واستمرت توجيهات المشير طنطاوى  وامتدت لإتمام الاستفتاء والانتخابات التشريعية، وتأمين إعادة المصريين من ليبيا والتصدى لمحاولات إحداث الفتنة بين المصريين سواء سياسية أو دينية، واتخذ قرارًا بإعادة بناء وتأهيل كنائس الأقباط المصريين التى أشعلتها نيران الإرهاب وحرضت ضدها جماعة الإخوان الإرهابية.

تصدى المشير طنطاوى لكل محاولات الهدم والتشكيك وحرق البلد بزهده وصدق نواياه.

 حكمة قائد 

نعى اللواء أ.ح سمير عزيز المشير حسين طنطاوى، مؤكدًا أنه واحد من أعظم القادة الذين أنجبتهم القوات المسلحة المصرية، فقد أظهر بطولة منقطعة النظير فى أصعب تحديين مرت بهما مصر، الأول حرب أكتوبر التى كبَّد فيها العدو أكبر الخسائر، إضافة إلى التحدى المصيرى عندما حمى مصر من الوقوع فى الفوضى المدمرة عام 2011، وتسلَّم البلاد فى أصعب ظروف مرت عليها فى العصر الحديث شهد له الجميع بالقوة ورباطة الجأش وعدم الاستئثار برأيه فى أى قرار، استطاع أن يدير الحكم ويحفظ الأمن القومى والأمان الداخلى بمنتهى الحكمة حتى عبر بمصر مرحلة عنق الزجاجة التى سيشهد التاريخ بأنها من أصعب الفترات التى مرت بها البلاد .

يضيف اللواء عزيز: عهدت المشير طنطاوى شديد الالتزام، عسكريًا شديد الانضباط حريصًا على متابعة كل أنشطة وفعاليات القوات المسلحة، يحضر معنا كل التدريبات المشتركة والمناورات، ويقابلنا ويتحدث معنا ويستمع إلينا لم يكن لديه فارق بين ضابط وجندى، ولم يكن غريبًا عن أى فرد فى القوات المسلحة.

 مهمة السودان 

 أما اللواء مهندس محمد مختار – مسئول الهيئة الهندسية الأسبق فى الجيش الثانى الميدانى، فقد تعامل مع المشير طنطاوى عندما كان قائد الجيش الثانى الميدانى، يقول إنه لمس بنفسه كيف كان الراحل يشرف بنفسه على تدريبات الضباط والجنود، ويطمئن على أحوالهم جميعًا، وكان يضع بنفسه الخطة الدفاعية للجيش فى سيناء بعد تحريرها، كان قليل الكلام وكثير العمل، يفكر بدقة شديدة أثناء التخطيط. 

ويحكى اللواء مختار: كُلفت سنة 1981 بمهمة فى السودان وكان هو قائد العمليات برتبة عميد، وقتها كانت هناك مشاحنات بين السودان وتشاد فأرسلت القيادة المصرية مجموعة من الضباط لبحث الوضع، فكان ودودًا مع السودانيين وأحبوه، وركبنا طائرة من هناك إلى تشاد، وفى طريق العودة فوجئنا بعاصفة وأمطار غزيرة، فاضطررنا إلى العودة بالهليكوبتر وقضاء الليلة فى حديقة، وكان معنا المشير طنطاوى -رحمه الله- فعهدته شديد التواضع يقضى لنا ما نحتاجه دون تكلف. 

 يضيف اللواء مختار: 

تقابلت معه أيضًا عندما كنت أشارك فى تطوير مبانى أكاديمية ناصر العسكرية العليا، وقد أصبح وزيرًا للدفاع، فكان رحمه الله شديد الذكاء وملاحظًا قويًا للغاية.

 الحنكة والقدرة 

 ويشير اللواء أ . ح محمد زكى الألفى إلى أن المشير حسين طنطاوى حقق معادلة مهمة بحكمته وقدرته فى الصبر مع دراسة العدو وأهدافه وغاياته، ومصادر تمويله، وإمداده، وهذا تحديدًا ما قام به المشير الراحل. 

 ففى حرب أكتوبر 73 كان أمام عدو واضح صريح، أما فى 25 يناير 2011، فكان العدو خفيا بين الجماهير، له أفكار متطرفة وأسلوب معين فى التنفيذ، مستخدمًا الإرهاب والعنف للإيقاع بالدولة مما صعَّب المهمة على المشير طنطاوى الذى تحمل المسئولية وقاد المجلس العسكرى وحارب العدو الخفى وحافظ على الوحدة الوطنية وأمن واستقرار مصر.   يقول اللواء نبيل أبوالنجا – مؤسس الفرقة 777 صاعقة: كان حسين طنطاوى قائدًا محنكا ذا خبرة واسعة عسكريًا وسياسيًا، أنقذ مصر من خطر الإخوان، فلم تسقط مصر حينما سقطت الدول الأخرى، والأهم من ذلك منع أى فتن طائفية بين الشعب وبين قواته المسلحة، وتلك كانت نقطة خطيرة لعب عليها المدلسون كثيرًا، فحمى طنطاوى مصر بقدرة فائقة من الحروب الأهلية التى كانت مخططة لها.

يضيف اللواء نبيل أن التاريخ سيخلد دوره المؤثر والكبير والرائع فى يناير 2011 بعد أن حاول الإخوان الإرهابيون تفجير البلد، قاد المشير طنطاوى البلد بحكمة وتوازن وعدم انفعال فى أصعب الأوقات التى خرج فيها الإرهابيون من السجون وهددوا البلد ثم سلمها كما وعد بعد انتخابات رئاسية وقبل أن يرحل رشح الرئيس عبدالفتاح السيسى ليخلفه كوزير للدفاع، فكان له بُعد نظر وحنكة عسكرية وسياسية أنقذت مصر من مخططات الشر التى أحيكت لها.