الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حمدى الكنيسى: رفضت الترقية.. والسادات غيـّر موعـد «الغـدا» علشـانى

مع أسرته وأولاده
مع أسرته وأولاده

فى آخر حوار معه تكلم الإعلامى الراحل حمدى الكنيسى عن النشأة فى قرية شبرا النملة، تلك القرية التى تركت أثرًا كبيرًا فى تكوين شخصيته، وهى إحدى قرى محافظة الغربية وكانت تشتهر بالحدائق والمساحات الخضراء وربما هى السبب فى هدوء ملامحه وصوته، فالبشر عادة يكتسبون الكثير من الخصائص الجغرافية من الأماكن التى يعيشون بها .



وتحدّث الراحل عن الأب المثقف الذى كان له الفضل فى اكتشاف موهبته الأدبية والأم الريفية الحنون المتفانية فى خدمة البيت.

وامتد بنا الحديث عن أولى خطواته فى الطريق للإذاعة وعشق الميكروفون وكيف أنه قضى عامًا ونصف العام فى تدريب مستمر حتى يَسمع صوته المستمعون لتكون أولى كلماته على الهواء «الله أكبر». 

وحكى «الكنيسى» عن تمرده المهنى طيلة حياته وكيف أنه تمرد على كونه مذيعًا تنفيذيًا بعد عام ونصف العام من تعيينه ليقدم البرامج، وحكى أيضًا عن المناصب التى تقلدها والتى عرقلت مسيرته الأدبية على الرغم من توقعات كل من حوله أنه سيكون «برنارد شو» مصر. 

يُعرَف الراحل بأنه أشهَر مُراسل حربى، حيث تولى هذه المسئولية فى أهم فترة من عمر الوطن.

 حتى إن الرئيس محمد أنور السادات غيَّر موعد تناول غدائه ليستمع لبرنامجه (صوت المعركة).

وحمدى الكنيسى هو أبو البنات، فقد رزقه الله بثلاث بنات كان يصفهن بأنهن جنة الله على الأرض، لم يحلم يومًا بالولد فالبنات كن العوض عن رحيل الزوجة ولولاهن لما استطاع أن يكمل حياته، كما قال.. وإلى نص الحوار:

يقولون دائمًا إن الطبيعة الجغرافية تترك أثرًا فى الشخصية ماذا تركت كوم النملة فى تكوينك؟

- كوم النملة لمن لا يعرفها قرية جميلة فى طنطا محافظة الغربية تتميز بالحدائق والمساحات الخضراء، وأنا صغير كنت أذهب للحدائق وأستمتع بالجلوس وسط الأزهار واستنشاق عبيرها ومن المؤكد أن الهدوء والسكينة تركًا أثرًا فى شخصيتى، فنشأت محبًا للثقافة والأدب مقدرًا لقيمة الجمال والهدوء صافى الذهن. 

 ولحسن الحظ نشأت فى أسرة مهتمة بالثقافة، وهذا الاهتمام انعكس علىَّ وأنا فى الحادية عشرة من عمرى، وقد أرسلت مقالًا كتبته لإحدى الجرائد المصرية وفى أحد الأيام بالصدفة تفاجأت أن المقال تم نشره ولم أكن أتوقع، وكان موقعًا باسمى، وكانت أول مرة أرى اسمى على صفحة جرنال لذلك فرحتى كانت كبيرة، أخذت الجرنال لكل أفراد البيت فرد فرد وفرحت أمى وقتها وكانت سيدة ريفية بسيطة تحبنا وتتفانى فى خدمتنا. 

يكمل: «بعد سنتين كتبت قصة قصيرة عرضتها على شقيقى الأكبر خريج دار العلوم لكنه لم يعطنى اهتمامًا تضايقت، وفكرت أن آخذ رأى والدى فالوالد كان محبًا للثقافة، وكان من رجال التربية والتعليم كانت طبيعته صارمة لكنى قررت أن أعرض عليه ما كتبت.

انتظرت فترة العصارى الفترة المقدسة لديه حيث كان يجلس فى حديقة المنزل وبجانبه سبرتاية القهوة والجرائد، ولا أحد يستطيع أن يقتحم هذه العزلة، وقفت على مقربة منه حتى التفت لى وقدمت القصة وقرأها وأعجب بها ونصحنى بالقراءة كثيرًا».

قال الكنيسى: «كان لدى والدى مجلدات يصنعها بنفسه لأشهر المجلات ويحتفظ بها فى مكتبته التى أعطانى فى هذا اليوم تصريحًا باستعارة أى كتاب منها».

هل لدى حمدى الكنيسى هوايات بخلاف القراءة والكتابة لا نعرفها؟

- الرياضة أهم هواياتى وأنا صغير كنت ألعب الملاكمة وكرة القدم، وأستطيع أن أحرك الملعب بمعنى أكون القائد واستمرت هذه الهواية لفترة كبيرة وكنت أشارك فى كثير من المباريات على مستوى المحافظة.

يكمل: «مارست الرياضة خلال دارستى ولم تعطلنى بل كان أهلى يشجعوننى واهتم بالرياضة حتى الآن وأحب جدًا محمد صلاح وأفرح جدًا عندما يحرز الأهداف».

إصرار البدايات

مؤكدًا أن الدخول لعالم الإذاعة لم يكن مفروشًا بالورود كان هناك كفاح وإصرار حدثنا عن البدايات؟

- منذ أن كنت فى المدرسة وأنا أقدم الإذاعة المدرسية لذلك فدخولى للإذاعة لم يكن صدفة، كنت أخطط له، وكان حلمًا وحولته لواقع فقد تخرجت فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وتقدمت لمسابقة الإذاعة.

 خضت امتحانات عديدة واختبارات صعبة وصلت للتصفيات الأخيرة، حيث تم اختيار 6 فقط من 8000، وكنت أول الـ6.

يكمل: «عينت فى الإذاعة وحصلت على فترة تدريب لما يقرب من عام ونصف العام  وتولى تدريبى كل من أحمد فراج أميمة عبدالعزيز بعدها كان موعدى على الهواء، وكان هناك تقليد أن يرافق المذيعين الجدد أول يوم على الهواء، مذيع محترف ورافقنى الأستاذ أحمد فراج تحدث هو وفى البداية وجعلنى أقدم نشيد الله أكبر كان مقصودًا منه أن تكون أولى كلماتى على الهواء الله أكبر.

تقلدت عددًا من المناصب طيلة مشوار حياتك هل كنت تسعى لتلك المناصب أم هى الصدف؟

- كان تمردًا لكنه تمرد محمود. ذلك النوع من التمرد المهنى الذى يجعلنى أبحث عن الأفضل. ففى بداية مشوارى تم تعيينى فى البرنامج العام قسم التنفيذ (قراءة النشرة والأخبار) مذيع التنفيذ وقتها لم يكن مسموحًا له أن يقدم برامج فتمردت على ذلك لأنه كان بداخلى طاقة كبيرة وأفكار لتقديم برامج وبالفعل قدمت برنامجين من أنجح البرامج وقتها (أقلام جديدة) أولهما برنامج ثقافى يستضيف الأدباء الشبان وبرنامج آخر اسمه دنيا الفنون. فى كل خطوة كنت أخطوها كان التمرد للوصول إلى الأفضل هو ما يقودنى. فقد توليت مدير البرامج الثقافية فى إذاعة صوت العرب ثم رئيس إذاعة الشباب والرياضة ورئيس الإذاعة ورئيس مجلس إدارة مجلة الإذاعة والتليفزيون وأمين عام مهرجان الإذاعة والتليفزيون. 

عملت كمراسل حربى للإذاعة المصرية فى فترة مهمة من تاريخ مصر حدثنا عن هذه الفترة الفارقة من عمر الوطن ومن تاريخك؟

 - بدأت عملى كمراسل حربى خلال حرب الاستنزاف بعد صدمة يونيو 67 التى تركت آثارًا سيئة على كل جيلنا. ومع بداية حرب الاستنزاف اصطحبت قلمى وجهاز الكاسيت لإجراء المقابلات مع المقاتلين الأبطال على أرض المعركة وكان يرافقنى الراحل الأديب جمال الغيطانى.

 يضيف: «كنت شاهدًا على كثير من البطولات، وأنا من أطلق لقب صائدو الدبابات خلال الحرب، وكان لدى وقتها برنامجان فى إذاعتين رئيسيتين يتم بثهما فى يوم واحد أولهما برنامج صوت المعركة على البرنامج العام ويوميات مراسل حربى على إذاعة صوت العرب.

قال الراحل: طلبت من بابا شارو أن أنزل لأرض المعركة كمراسل حربى وكاتب صحفى وتحدث مع وزير الإعلام عبدالقادر حاتم ومن 7 أكتوبر صباحًا اتجهت للجبهة. 

عن تلك الفترة أكمل الراحل: «وما رأيته خلال حرب أكتوبر أعطى لى اطمئنانًا كاملًا بأن هذه ستكون آخر الحروب التى ستخوضها مصر وتنتصر فيها، فقد سجلت نفسها فى التاريخ العالمى والعربى بشهادات حية تبرهن معنى القرار والبطولات التى جسدت حقيقة المقاتل المصرى الذى استطاع أن يحطم أسطورة جيش الدفاع الذى لا يقهر فاستعاد الأرض والكرامة».

و«بعد انتصارنا فى أكتوبر التقيت بالرئيس السادات بالإسكندرية وأشاد بالبرنامجين الذين كنت أقدمهما وكيف كان لهما تأثير كبير، وأخبرنى أنه غير موعد تناوله للغذاء كى يستمع لبرنامجى (صوت المعركة) الذى كان يذاع فى الثانية وعشر دقائق... وقد أرسل لى وزير الإعلام جمال العطيفى من أجل ترقيتى بعد أن هاتفه الرئيس السادات وسأله هل تم تكريمى أم لا، لأن إسرائيل بعد الحرب أنشأت لجنة اسمها (أجرانات)، هذه اللجنة كانت تدرس أسباب هزيمة إسرائيل فى الحرب، وكان من بين محاور اللجنة دراسة أسباب انتشار البرنامج المصرى صوت المعركة بين الإسرائيليين الذين يعرفون اللغة العربية والفلسطينيين وهذا الكلام وصل للرئيس السادات وقد اتصل بالدكتور جمال العطيفى وطالب بسرعة تكريمى قائلا له (برنامج حمدى الكنيسى قلب دماغ إسرائيل)».

وأرسل لى الوزير وأخبرنى بنيته ترقتى استثنائيًا من الدرجة السادسة للرابعة لكنى رفضت قائلا له: عندما قررت أن أكون مراسلًا حربيًا كنت أخاطر بحياتى من أجل الوطنية، ولم أكن انتظر مقابلًا فقد تعرضت للموت عدة مرات ورأيت كثيرًا من الجنود وهم يستشهدون ويضحون بأرواحهم ودمائهم لم أكن أريد تكريمًا شخصيًا».

برنارد شو مصر ما حكاية هذا اللقب؟

- أطلقه علىَّ الكاتب الكبير يوسف إدريس وهو من الكتاب الذين كنت أعشقهم، وكان متنبأ لى بأن أكون أديبًا وروائيًا، ولكن الإذاعة والبرامج والمسئوليات المتعددة لم تعط لى الفرصة للتفرغ.

أضاف: قابلنى مرة فى ماسبيرو وقال لى (أنت فرحان بالكلام اللى بيطير فى الهواء فين اللى كنا متوقعين أنه يبقى برنارد شو مصر)، لكن بالطبع المواقع الإدارية أخذت من وقتى وجهدى بينما الكتابة الأدبية تحتاج لصفاء ذهن ووقت وتركيز».

أبو البنات حمدى الكنيسى ألم تتمنى يومًا أن تنجب ولدا؟

- رد بسرعة: «إطلاقا، بناتى جنة الله على الأرض حنان الدنيا كلها لا يمر يوم دون أن يطمئنوا على. لدى ثلاث بنات (مها ولبنى وعبير) عبير تسكن معى ولديها أبناء تعاملنى مثل أبنائها تهتم بى جدًا وأتذكر بعد موت زوجتى ليلى كنت لا أطيق الرجوع للبيت فقامت عبير بتغيير الكثير من أثاث وفرش البيت كى تجعلنى أتغلب على حزنى.

يكمل: «زوجتى كانت مخلصة جدًا محبة لبيتها مثالية ورفضت أن تعمل كى تعطى وقتها كله للبنات ولى كانت عزيزة النفس لأبعد حد».

أعز الولد ولد الولد ما هو شعوك مع الأحفاد؟

- الأحفاد هم فرحتى وسعادتى أحبهم جدًا ولدى ما يشبه القبيلة، وهم ينادونى باسمى (حمدى) دون لقب جدو أنا طلبت منهم ذلك، وجود الأحفاد يجدد حياتى وهو إحساس جميل ومختلف.