الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

إنسِـــى إنـــك بنــــت!

تمر السنوات وهى وحيدة فى منزل طويل عريض، هجرها نوم الليل وأصبحت تغمض عينيها مع شروق الشمس، فالليل ساكن لا تسمع به إلا صوت تراقص غصون الأشجار التى كانت ترعبها خيالاتها على جدران منزلها، فتغلق شبابيك المنزل والستائر، تسمع خطوات الأقدام فى الشارع وكأنها فى صالة المنزل، فتنتفض خائفة وتخرج من غرفتها بحذر فلا تجد أحدًا، تحتل الأوهام عقلها وتتخيل صوت فتح الشباك وكأن أحدًا يقفز لداخل المنزل، يسقط قلبها فى قدميها وتخرج للمطبخ مسرعة وتمسك سكينًا كبيرًا بحثًا عن الحرامى، فتتخيله خلف الستائر فتقترب بخطوات مرتعشة وتفتح الستارة بحركة عصبية، فلا تجد شيئًا.



ترجع لسريرها وفى يدها السكين عله يعطيها قدرًا من الاطمئنان، وتحاول النوم فلا تستطع، فتفتح النور والتليفزيون وتظل ساهرة يجافيها النوم حتى ترى أشعة الشمس من فتحات الشيش بغرفتها، فتغلق النور والتليفزيون وتستسلم للنوم أخيرًا.

تعودت على ذلك حتى بات ضوء الشمس يلهب عينيها إذا اضطرتها الظروف للخروج صباحًا، وأصبح ضجيج الشارع يوترها وأحاديث الناس بصوت عال أو خفيض، لقد تعودت على هدوء الليل وصمته، وأصبح طبعها من طبعه.

كانت تدعو أصدقاءها لمنزلها ليؤنسوا ولو جزءًا من وحدتها؛ فتجد واحدة منهن تخبرها بأنها لن تستطيع المجيء، لأن والدتها رفضت لأنها تعيش بمفردها!!

هى تعرفها جيدًا وتعرف أخلاقها، ولكنها تخاف من حديث الناس، فتقول لابنتها: «الناس هتقول رايحين تقعدوا مع بنت عايشة لوحدها وهيقولوا كلام إحنا فى غنى عنه»!!

ظلت فترة من الزمان لا تصدق أن الناس منتبهين لها ومشغولين بها لهذه الدرجة، فلا بد أن كل أسرة فى الشارع أو فرد لديه من المشاغل والمشاكل ما يغنيه عن الحديث عن فتاة لمجرد أنها تعيش بمفردها.

إلى أن فوجئت فى يوم من الأيام عند الكوافيرة المجاورة بجارة لم ترها من قبل ولا تسكن معها بنفس العمارة، تقول لها:

«أنت مش عارفاني؟»

فردت بابتسامة نافية.

فأكملت المرأة: «أنا جارتك فى آخر الشارع، والله ببقى نفسى أعدى أسأل عليكى بس دايما بتبقى برة» ثم تضحك ضحكة عالية وأكملت: «مقدرش بقى أجيلك بعد نص الليل .. هو إنت لسة ماتجوزتيش ليه؟».

تبتسم الفتاة وترد بهدوء: «نصيب».

«بس نصيحة من طنط، لازم تروحى تقعدى عند أختك ولا خالتك، القاعدة لوحدك دى غلط، ده أنت تتلبسى يا حبيبتي»

وفجأة يصبح الحديث عامًا تدخل فيه الكوافيرة وباقى زبونات المحل وهى جالسة وسطهن، تستمع لنصائح وانتقادات، لا ترد إلا بابتسامة مجاملة وعندما تشرب سيجارة، تجد النظرات لبعضهن البعض تغيرت واعوجت شفاههن  كأنهن فى حالة شلل نصفي!!

تنتهى وتلقى التحية وتخرج وتتركهن، لا تعرف ما هو شعورها تمامًا، ولا تحاول أن تعرف، تركب سيارتها وتذهب لعملها.

فى العمل  تقابل نماذج مختلفة من البشر، فهناك من يعيش فى حاله ولا يتدخل فيما لا يعنيه وهم القلائل، وتقابل من يريد أن يعرف الصغيرة والكبيرة، الرجال بعضهم يظن -عندما يعلم بأنها تعيش بمفردها ولم تتزوج- إنها كنز يمشى على قدمين!!

فيبدأ بعرض صداقته غير البريئة، ظنا منه أنها متفتحة لهذه الدرجة بل وأكثر، فتبتعد بهدوء فيأبى أن يعتبر ذلك رفضًا، فيزيد من عروضه وبجاحته فى نفس الوقت، فيجبرها أن ترد بقوة وعنف، هنا ينقسم رد فعل الرجل لنوعين، نوع يأخذ موقفًا حادًا ولا يتكلم معها، وإذا سأله أحد عن الأسباب يقول بها ما قال مالك فى الخمر، والجزء الثانى يعتبر رفضها إهانة لرجولته فيهين أنوثتها لدرجة اتهامها بالشذوذ!!

تسير فى طريقها وعملها لا تدع هذه العقبات تعيقها عن هدفها وتقول لنفسها كما كانت تقول جدتها دائمًا: «سيب حبيبك على هواه لغاية ما يجيى ديله على قفاه»، وبالفعل الوقت يعالج الكثير من تلك الجروح ليعطى فرصة لجروح جديدة!!

أصبحت ترمى بكلام الناس عرض الحائط، لم تعد تحترم الكبير كما تربت، وأصبحت تعرف بيقين أن الكبير كبير بتصرفاته وليس بسنه!! تمشى ابتسامتها مرسومة على شفتيها، لتغطى الغصات التى تملأ قلبها وتنتظر أن تفتكر هذه المواقف..وتضحك عليها.

عندما تعيشين بمفردك فى مجتمعنا.. بالإضافة إلى أنك فتاة وتلك جريمتك الأولى، ففى هذا المجتمع العربى الجميل المتدين بطبعه، ينظرون لك أنك خطيئة تسير على قدمين، مرصودة، أنفاسك محسوبة عليك، كونك فتاة فهذا يعطيهم الحق بأن يحكموا عليك، فهناك مفاهيم فى مجتمعنا تجعلك كرجل تعتقد أنك الأفضل، كنشر مقولة «ناقصات عقل ودين» دون التطرق للتفسير الصحيح لها.

أما الرجل فمبرره دائمًا أنه «رجل»، فإذا خان، «معلش هو راجل، إذا سب وشتم، «معلش هو رجل»،  إذا رسب فى دراسته «هو رجل»، إذا تحرش «هو رجل»، شرب مخدرات «هو رجل، وكأن كلمة رجل تعنى أنه معوق ذهنيًا مثلا!! أو فاقد للأهلية لا جناح عليه!

المهم.. وبناء عليه قررت أن تبنى حواجز حول نفسها لتحميها، ظنًا منها أنها بذلك تحافظ على نفسها من الناس ومن كلامهم وتفاهتهم، ونسيت قصص جحا الرجل الذى أرضى الناس ونسى أن يرضى نفسه، فلم يسعد نفسه ولا الناس!

بنت كل الحواجز التى ممكن أن تبنيها أى أسرة محافظة حول ابنتهم، كان مبدأها ما أخاف من فى العلن فلن أفعله، كانت الأكثر تزمتا بين صديقاتها اللاتى يعشن مع أهاليهن، كانوا يقولون لها دائما فكى مش كده، لا تضع الميكب، ملابسها أصبحت رجالى حتى لا يتهمها أحد بالمياصة، ثم تعودت، نسيت كيف تصبح امرأة، لم تنجح فى علاقة حب واحدة، فدائمًا تبنى الحاجز دون أن تدرى.

فجأة وجدت نفسها سجينة حواجزها وقوانينها، فجأة استوعبت أن الوحدة كانت قرارها، خافت من الناس رغم ضعفهم، أصبحت تتعامل كالرجال لتأخذ حقها، حتى لا يستضعفها أحد.

ابتعدت عن طبيعتها كامرأة وكأنها سبة، لكن بعد السنوات الطويلة، جلست تتأمل حالها، فصدمت بحقيقة مؤلمة، ظلت تحارب المجتمع بطريقتها التى اختارتها معتقدة أنها انتصرت عليه، فاكتشفت فى النهاية أن الهزيمة هى كل ما حصلت عليه، خسرت كل شىء عمرها، رونقها، أنوثتها، ونفسها .

المجتمع المتدين بطبعه الذى يحرّم ويحلل تبعا لأهوائه.. يمكن أن يجعل حياتك جحيمًا، خاصة أنه يستهدف المبدع، صاحب الأفكار، لأن هذا المجتمع العظيم كسول أيضًا بطبعه! وأنت كمبدع أو صاحب فكرة ستجعله يفكر أو يحاول أن يغير أو يتغير، وهذا مجهود كبير لا يستطيع القيام به، ألا يكفيهم السعى وراء أكل العيش بالفهلوة؟!

فما بالكم لو كان المختلف أو المبدع أو صاحب الفكرة امرأة! «داهية سودا»، سيتم قذفها بأقذر الألقاب واتهامها بأشنع الاتهامات، وتصبح هى من قضت على نفسها وأهلها وكل من يعرفها هذه المنحرفة التى حاولت أن تتنفس!

كل هذا لم تكن تراه واضحًا، كانت الصورة بالنسبة لها مقبولة كما تعودت أن تراها، إلا أن نتيجة سجنها لروحها سنوات طويلة أهدرت أحلى سنوات العمر بسبب إهمالها لنفسها مع سبق الإصرار والترصد وبالتالى لم يهتم بها أحدا آخر، اقتربت أكثر من الصورة لتجدها مقلوبة! وألوانها باهتة، والكل يرى أن العيب فى من يقول: إنها صورة قبيحة.. ومقلوبة. 

السؤال هنا.. هل تبقى من عمرها من الوقت الذى ترسم فيه لوحتها الخاصة، دون قيود، دون حواجز أو هواجس أو أوهام ؟!! والسؤال الأهم: هل ستستطيع؟!

ربما تستطيع وربما لا، ولكن من المؤكد أنها ستقف أمام أى شخص يحاول فرض الصورة المشوهة على أى فرد يراها على حقيقتها، الأكيد أنها ستعيش الباقى من عمرها تحاول أن تسامح نفسها على خضوعها لأحكام مجتمع جاهل غبى مريض بالازدواجية كان من المفترض عليها أن تعامله بضآلة واحتقار بكل أفراده القريب قبل البعيد.