الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

180 ألف حالة سنويا مضاعفات طبية

خطـــايـــا.. لا أخطــــاء

قد يؤدى الخطأ الطبى إلى إيذاء غير مقصود أو إيذاء مفضى إلى عاهة مستديمة أو حتى قتل غير مقصود، وقد تبلغ الجسامة حد الجريمة المقصودة، ويتمثل فى الانحراف عن الأصول العلمية والمهنية فى علاج  المريض؛ سواء فى صورة إهمال أو قلة اهتمام.. فى السطور التالية نبحث حدود مسئولية الطبيب عن تلك الأخطاء؛ بعد إثباتها بشكل يقينى.



 

مؤخرًا أعلنت منظمة الصحة العالمية أن 5 أشخاص يتوفون كل دقيقة فى العالم، نتيجة أخطاء طبية، وتحتل مصر المركز الأول عربيًا والـ 14 عالميًا فى أخطاء عمليات التجميل تحديدًا، بينما تقدر وزارة الصحة عدد الأخطاء الطبية سنويًا بـ 180 ألف حالة، وحسب نقابة الأطباء فإن نحو 20 طبيبًا يتم شطبهم من النقابة سنويًا بسبب هذه الأخطاء، وتنص المادة رقم 244 من قانون العقوبات، على أن عقوبة الخطأ الطبى الجسيم الحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز 200 أو 300 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 الدكتور محمد رضا الفقى، أستاذ الطب النفسى والأعصاب بالأكاديمية الطبية العسكرية، قال: إن الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأولى وتؤثر على البشر سلبًا أو إيجابًا بحسب درجة النجاح والتوفيق للطبيب، وتعتمد على التعليم والتدريب الجيد واكتساب الخبرات، والإخلاص فى تقديم الخدمة والرعاية الطبية السليمة للمرضى، مع الحرص الشديد على صحتهم؛ والحفاظ على أسرارهم وعدم استغلال كل ما يخص صحتهم بشكل يعرضهم للأذى، ويتم القسم على ذلك فيما يعرف بقسم الأطباء، ومخالفة هذا القسم قد تحدث بسبب إهمال، وقد تكون فى حالات نادرة بقصد الضرر المتعمد.

 وتابع «الفقى»: «قد تظهر أخطاء يرتكبها الأطباء منها  إعطاء دواء من نوعية أو بجرعة غير مناسبة لحالة المريض الصحية أو العمرية أو تداخلات دوائية ضارة بدون إخطاره بذلك؛ مما يؤدى لتدهور حالته أو إصابته بأمراض جديدة، وقد تصل إلى وفاته، أو تعريض المريض لعملية جراحية ليس لها داع أو لها أضرار جسيمة دون توقيعه بالعلم بذلك قبل خضوعه لها وإخضاع مريض لتجربة طبية داخل إطار بحث علمى بدون توقيعه بالعلم أو إدخاله للمستشفى  قصرًا بدون موافقته أو بدون سبب وجيه طبى أو قانونى لذلك، وإفشاء الأسرار الطبية لحالة المريض، مما يعرضه للضرر». 

ويرى الدكتور أحمد محرم، أخصائى الكلى بمستشفى المنصورة الدولى، أن النتيجة السيئة لأى تدخل طبى أو جراحى لها احتمالات المضاعفات أو الخطأ الطبى، أو الإهمال الطبى، والتفريق بين الحالات الثلاثة يحتاج توافر معلومات دقيقة، وفهم علمى لنوع التدخل الطبى الذى تم، والأسس العلمية المفترضة لهذا التدخل، وللتاريخ المرضى لكل مريض.

ويوضح أن المسئولية كاملة تقع على الطبيب فى شرح الإجراء الذى سيقوم به للمريض وذويه، وبيان جميع المخاطر المحتملة الحدوث، فإذا تمت الموافقة يقوم الطبيب بكل مسئولياته أمام الله أولًا وتجاه مريضه ثانيًا ويبذل العناية واليقظة التى تمليها أصول المهنة؛ حتى يتجنب حدوث مضاعفات؛ وإن حدثت فهى غالبًا لا تكون بسبب خطأ إجرائى منه أو إهمال متعمد؛ وبالتالى لا تقع أى مسئولية على عاتقه.

أما الخطأ المتعمد أو نادر الحدوث أو غير الوارد بالكتب والمراجع العلمية فلا ينتج إلا عن طبيب مستهتر؛ وهنا لا بد من محاسبته وتحميله المسئولية كاملة فى هذا الخطأ والتقصير المتعمد. ومن يحدد الخطأ من عدمه هى لجنة طبية متخصصة.

يضيف الدكتور أحمد حجازى، أخصائى طب الأسرة: إن الخطأ الطبى يكون عمدياً عندما يتوافر القصد؛ مثل تعمد الطبيب إزهاق روح إنسان؛ كأن يعطيه دواءً بقصد قتله، وقد يكون الخطأ غير عمدى، مثل إجراء احدى العمليات الجراحية لمريض وقطع أحد الأوردة الدموية والتسبب بموته. ويشترط أن يمتلك الطبيب حرية الاختيار، لذلك يتم استبعاد حالات الإكراه، لافتًا إلى أن هذه القضية يدخل فيها أمور كثيرة يجب توافرها لإثبات الواقعة؛ مثلاً لو طبيب لديه عيادة بدون ترخيص أو غير مجهزة، أو غير مصرح له بإجراء عمليات معينة، أو لم يأخذ موافقة مكتوبة على إجراء طبى، حتى لو أجراه بنجاح، فيحق مقاضاته ومحاسبته.

ويشير «حجازى» إلى أن الطبيب إذا كان متخصصًا وعمل فى مستشفى مجهز وحدث خطأ منه غير مقصود، تكون العقوبات مادية وليس الحبس؛ لأن ذلك سيجعل الأطباء يحجمون عن علاج الحالات الخطرة، والذى سيدفع الثمن هم المرضى وذووهم.

 

 

التأهيل قبل العقاب

الدكتور حازم أبوالنصر، استشارى جراحة المخ والأعصاب قال: إن هناك جوانب كثيرة لهذه القضية؛ أهمها تخرج عدد كبير جدًا من الأطباء، ثم يحصلون على الماجستير والدكتوراه بدون تدريب كافٍ، ويبدأ كل منهم فى إجراء العمليات؛ فنظام التعليم والتدريب الطبى به خلل شنيع، ويتسبب فى وقوع الأطباء فى كوارث، سواء بكتابة أدوية خطأ أو إجراء جراحات فاشلة.

ويوضح استشارى المخ والأعصاب أنه فى الدول المتقدمة لا يلتحق بكليات الطب إلا ذوو الكفاءات فقط، وتشترط عدم تخرج الطبيب إلا بعد خوض اختبارات كافية تدل على أنه تعلم وتدرب جيدًا، وللحصول على الماجستير أو الدكتوراه فى تخصص معين لا بد أن يمر على حالات كثيرة ويتعلم مع الجراح الأساسى فى فترة معينة، ويقوم بإجراء عدد معين من العمليات تحت إشرافه.. لافتًا إلى أنه على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً يتخصص 3 أطباء فقط فى جراحة المخ والأعصاب كل عام، فلا يدخل أى طبيب فى مجال العمل إلا بعد التأكد تمامًا أنه أصبح مؤتمنًا على المرضى؛ فيجب أولاً تأهيل الأطباء جيدًا قبل العقاب. وفى العالم كله إذا حدثت مضاعفات يدفع الطبيب غرامة أو تعويضًا ماديًا يناسب حجم الضرر.

وتقدمت نقابة الأطباء من جانبها منذ 4 سنوات بمشروع قانون لمجلس النواب حول «المسئولية الطبية» أسوة بدول العالم، يضمن محاسبة علمية منصفة للطبيب والحفاظ على حقوق المريض، بالإضافة إلى قانون العقوبات.

ومن أهم بنود مشروع القانون وجود «لجنة تقرير المسئولية الطبية» يشارك فيها ممثل لكل من المجتمع المدنى وللقضاء والرأى العلمى والطب الشرعى، حتى تكون جهة محايدة، لتبحث الموضوع بدقة قبل إطلاق الأحكام عن «إهمال الأطباء» أو «الأخطاء الطبية»، والتعامل القانونى معهما مختلف تمامًا فى أى دولة تتبع أسس علمية لمحاسبة الأطباء.

خطأ أم مضاعفة

وقال الدكتور أسامة عبدالحى، أمين عام نقابة الأطباء: إن هناك طرقًا للحساب فى النقابة والنيابة العامة، والنقابة لديها لجنتا آداب المهنة والشكاوى وهيئة التأديب، للتحقيق فى الشكاوى ويحددون نسبة الخطأ الطبى والإهمال، والعقوبات تبدأ من الإنذار إلى الإيقاف المؤقت عن العمل أو سحب ترخيص مزاولة المهنة لمدد صغيرة وكبيرة، وقد تصل إلى الشطب النهائى من سجلات النقابة إذا كان الخطأ جسيمًا.ونحاسب الطبيب هل اتبع القواعد العلمية المتعارف عليها فى الإجراء الطبى الذى قام به أم لا، هل شخص حدوث مضاعفات مبكرًا أم لا، وهل تعامل معها فورًا وبطريقة علمية أم تخلى عن المريض؛ فإذا ثبت التزامه بها ووفق المعايير الدولية يكون غير مُدان حتى لو حدثت أى مضاعفات طبية، والعالم كله أصبح فيه قوانين حديثة لتحديد المسئولية الطبية.

 وتابع: «اللجنة الطبية هى التى تحكم إن كان ما حدث للمريض خطأ أم مضاعفة طبية. والإقرار الذى يتم توقيعه من أهل المريض قبل إجراء الجراحة لا يعفى الطبيب من المسئولية عند حدوث خطأ، مشددًا على أهمية الاهتمام بتدريب وتعليم الأطباء، وتحمل جهة العمل لمصروفات الدراسات العليا».