الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

من خرج من داره.. قل مقداره!

بدأت  الحكاية عندما كانت فى الثانية عشرة من عمرها، تحلم بالاستقلال، فقد ربتها والدتها على أن تفكر وتقرر وتتحمل مسئولية قراراتها، فاعتقدت أنها مؤهلة لتصبح مستقلة، كلما رأت أو سمعت عن قصص فى أوروبا أو غيرها عن استقلال الشباب فى سن الثامنة عشرة، زادت رغبتها فى تحقيق هذا الحلم . 



فتناقشت مع والدتها، فقالت لها إن الدين الإسلامى قد أقر الاستقلال من سن الواحد والعشرين، فبدأت تحسب كم تبقى لها من سنوات، وتقول لوالدتها «فاضل لى 9 سنين وأتم 21 سنة وأستقل وأعيش لوحدى»

كانت ترى والدتها يرتسم على وجهها ابتسامة يملؤها الفخر والحب ولمسة خوف لم تعرف سببه، عندما أتمت الثامنة عشرة ذهبت لوالدتها تعد لها على أصابع اليد الواحدة، «باقى3 سنين بس يا ماما وأعيش لوحدى»، هذه المرة تغيرت نظرة الأم وأصبحت مملوءة بالخوف يكسوها الكثير من الحب والقلق، فقد اختفت نظرة الفخر من تعبيرات وجهها! 

بل ردت عليها والدتها هذه المرة «ما تطلبيهاش»!، نظرت لها بكل براءة وبحماس الشباب الطفولى «لا يا ماما، أنا متفقة معاكى، هستقل ووالله هاجى أزورك دايما».

ربتت الأم على كتفها ولم تفهم الفتاة تلك النظرة فى وقتها، لم تكن تعى أن أمها مشفقة عليها من تلك البراءة.

قبل أن تتم الواحد والعشرين بعام وشهرين توفت والدتها بشكل مفاجئ، وأصبحت فى يوم وليلة «فتاة تعيش لوحدها» لكن ليس باختيارها، بل رغمًا عنها.

لكن هذه  الخطوة بعد فترة من رفض العائلة وإرغامها فى البداية أن تعيش عند أختها فى البداية، لم تشعر بالراحة، فدائما كانت تحس بأنها ضيفة.. ثقيلة، حتى لو لم يقصد أحد ذلك.

حدثت بعض المواقف التى جعلتها تتذكر المثل القائل يا بخت من زار وخفف، ومن خرج من داره قل مقداره!

عاشت لوحدها لا يتصل بها أحد من كبار العائلة الذين عارضوا فى البداية بشدة هذا الوضع، بل أخذوا يبعثوا لها اللوم على تقصيرها بحقهم! وأنها لا تسأل عليهم! وتلميحاتهم دائما بأنها «عايشة براحتها».

اكتشفت أنه بموت أمها ماتت كل العلاقات، عرفت الآن معنى النظرة التى كانت تنظرها لها أمها كلما ذكرت لها أنها ستعيش لوحدها، لم تكن هى تعرف أنه قرار صعب وتبعاته موجعة، خاصة مع غياب الظهر الذى كانت ستلجأ له وقت الشدة، شعرت فى لحظة أنها فى الهواء دون سند أو حماية.

اعتقدت أن ما تربت عليه هو قانون عام، فالكذب حرام والكبير يجب أن يحترم، والغش خطيئة والنفاق داء، والحكم على الآخرين من شيم صغار النفس! 

خرجت من صندوق حياتها لبحر هائج، رغم قدرتها على السباحة إلا أن الأمواج كانت تلطمها واحدة تلو الأخرى كادت تغرقها، لكن لأن أمها لم تكن مثل باقى الأمهات، لا تطبطب ولا تأخذها فى أحضانها، بل كانت دائما تجبرها على الوقوف بمفردها، بكلمات حاسمة، «هتفضلى تعيطى كتير؟ لسة فى الدنيا حاجات أكبر وأقسى، حوشى دموعك» وكأنها كانت تهيئها لهذا اليوم، كانت تشجعها فقط بنظرة عينيها، فأصبحت تسترجع تلك النظرة وتقف مرة أخرى على قدميها وتكمل الطريق .

لكنها كانت دائما تنظر خلفها تبحث عمن تسأله وتستشيره فلا تجد أحدا، فتتردد، هل تكمل أم ترجع؟

لم يبق لها الآن إلا الخريطة، أو ما تسميه بقانون السلامة الذى وضعته وتركته لها أمها، والحنين، الكثير من الحنين.

مع كل لطمة كانت تزداد قوة وصلابة، وينقص منها شىء ما، علمت أن للحياة قوانين مختلفة، فهمت معنى الكلمة التى لطالما كانت تقولها أمها «خلى عندك ذكاء اجتماعى»

كانت إذا بكت تتذكر كلمات والدتها «لسة بدرى على الدموع، أجمدى وكله هيعدى»

كانت تعتبر هذا منتهى القسوة فى وقتها، لكنها فى معترك الحياة، اكتشفت أنه منتهى الحب.

لم تكن والدتها، كما علمنا، صاحبة اللسان المعسول، أو ممن تظهر الحنية بداعى أو بدون، لكنها تعبر عن حبها وحنيتها بالأفعال وبنظرة عينيها المعبرة، كانت طوال حياتها تتمنى لو كانت أمها مثل نظيراتها من الأمهات اللاتى يعبرن عن حبهن لبناتهن بالأحضان والكلام الرقيق الحنون، لكنها فى وحدتها عرفت أن الحب والحنان  ليس كل ما تمنته يومًا.

إنه كل التفاصيل التى كانت تقوم بها والدتها، عندما كانت تمرض وتقول لوالدتها ذلك كانت تحدد فورًا موعدًا مع الطبيب وتذهب معها، لأنها كانت تعلم أنها لا تشكو إلا إذا كانت حقًا تعانى.

تشعر الآن  بألم ما، تقرر الذهاب للطبيب بنفسها، تذهب بمفردها، فى البداية كانت تشعر بالخجل، ماذا ستفعل، من سيدخل معها، كيف ستكشف ملابسها أمام الطبيب دون وجود أمها واقفة بجوارها تطمئنها بنظرة عينيها.

بعد سنوات طويلة، أصبح الموضوع عاديًا جدًا، لدرجة انزعاجها من أى شخص يصر على الذهاب معها! وكأنها نسيت أن هذا هو الطبيعى،  بل الأكثر من ذلك، أصبحت لا تشعر بأى تعاطف مع أى شخص يقول إنه ذاهب للطبيب بمفرده، ولا ترى أن فى ذلك ما يسوء، وإذا شكى أمامها أحد من صديق أو أخ بأنه مقصر لأنه لم يذهب معه للطبيب، كانت تشعر بإحساس يصل للاشمئزاز!

وصل بها الحال أنها إذا شكى لها أى إنسان من ألم أو مرض، لا تعى ما السبيل من الشكوى وترد ببساطة «روح للدكتور».

ثم اكتشفت أن البشر الطبيعيين يريدون سماع كلمة طيبة، نظرة قلق، أو ربما فتوى بدواء تمت تجربته من قبل، فأصبحت تفعل ذلك إرضاءً لمن حولها.

بعد فترة عندما وجدت أن كتمانها آلامها يجعل الناس معتقدين أنها لا تشكو من شىء، وأنها فى أكمل حال، ينتظرون منها الكثير ويعتبرونها مقصرة و«ندلة»، فأصبحت تعلن مثلهم عما تشكو منه، حتى يتفهموا تقصيرها.

فهى وحيدة، لذا فهى بالنسبة لمن حولها، الأكثر حظًا، والأكثر فراغًا، والأكثر سعادة، والأكثر «روقانًا»!

فأصبحت عندما يقول لها أحد: «يا بختك، رايقة وماوركيش حاجة»، كانت فى البداية تصمت مبتسمة، لكنها بعد ذلك أصبحت ترد: «إلهى يا رب يروق بالكم زى بالى بالضبط»!

بالتدريج أصبحت تحكى بعضًا مما تعانيه ربما يفهم البعض أن كلنا متساوون، فالله عادل، كل منا يملك مميزات وعيوبًا بحياته، لا يوجد شخص تعيس مائة  بالمائة ولا شخص سعيد مائة بالمائة، لكن علينا الاختيار بأى جزء سنظهر أمام الناس، الجزء التعيس، ربما لاستجداء التعاطف والشفقة، وربما لمنع الحسد والعين، أو أنها طبيعتنا الكئيبة بفطرتها، لنوزع طاقتنا السلبية على كل من حولنا! أو نظهر بالجزء السعيد، الشاكر، مبتسمين رغم كل شىء، وننشر طاقة إيجابية ربما تعود علينا يومًا بالخير، المسألة مجرد اختيار.

كمن يختار أن ينظر لنصف الكوب المليان أو الفارغ، نفس النظرية، فى بداية حياتها وحتى مرور أكثر من عشرين سنة على حياتها كانت دائما تختار الجزء السعيد، إلى أن وجدت أن حتى أقرب أصدقائها يحسدونها رغم معرفتهم بنظام حياتها، ويستكثرون حتى ابتسامتها عليها! 

فقررت… أو شاءت الظروف التى جعلتهم يعرفون تفاصيل عن الجزء التعيس، ففتحت الباب ليدخلوا إليه ويروا ما كانت تخفيه.

لكنها وجدت أن البشر مبدعون فى الحكم على الآخرين، دون النظر فى البداية لأنفسهم، فصديقة تقول لها: «أنت أصلا شخصية اكتئابية بس بتظهرى طول الوقت العكس وده مش صح!!!»، هذه الشخصية التى تتحدث لا تنظر لنفسها من الداخل ولا الخارج للحظات بتمعن!

وأخرى تقول لها: «بصى لازم تروحى لدكتور نفسى،  لأن وضعك بقى صعب، على طول عصبية ومكتئبة».  تبتسم وتصمت فهذه الصديقة تقريبًا يلقبونها بـ«السيكو» من تصرفاتها، لكن هى كانت تخلق لها الأعذار دائما.

اكتشفت فى النهاية أنه لا يوجد من يستحق أن تضغط على نفسها من أجله، وعلمت علم اليقين أنه «يا عزيزى كلنا مرضى نفسيون»!

وكالعادة تبتسم وتقول .. كله هيعدى.. كله هيعدى.