الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

مـن الذى اختـرع «عـروس النيـل»؟!

عرف المصريون إلى جانب الزراعة التى اعتمدت على مياه النيل صيد الأسماك فابتكروا القوارب كوسيلة للصيد
عرف المصريون إلى جانب الزراعة التى اعتمدت على مياه النيل صيد الأسماك فابتكروا القوارب كوسيلة للصيد

منذ بداية الخليقة، وعلى مر التاريخ ارتبط اسم نهر «النيل» باسم «مصر» رغم مروره بعدة دول أخرى نظرًا للأهمية الكبرى لهذا النهر فى حياة المصريين قديمًا وحديثاً، ونظرًا لخصوصية العلاقة بينهما وهو ما لخصه المؤرخ الإغريقى الشهير هيرودوت بالقول «مصر هبة النيل»، فقد ارتبط الخير والنماء بنهر النيل منذ القدم، لذا قدسه المصريون القدماء، وصوروه على شكل الإله «حابى»، إله النيل والخير والنماء، وأنشأوا الحضارة المصرية القديمة على ضفتيه، ليكون هذا النهر بسخائه سببًا فى استقرار المصرى القديم وعمله بالزراعة، حيث أصبح قادرًا على إنتاج قوته، لينطلق بعدها مبدعًا فى ميادين العلم والمعرفة والتقدم الهائل، ولذلك كان نهر النيل سببًا مهمًا فى نشأة حضارة مصر العظيمة وبناء الأهرامات الشامخة.



ولطبيعة مصر وتكوين تضاريسها تأثيرٌ واضحٌ على عقيدتها الدينية، فقد أخذت المعتقدات المصرية القديمة تصورات ومذاهب متعددة عن خَلق الكون، واعتبر المصريون القدماء دُنيا الآلهة والبَشر عملية خَلق واسعة النطاق على المستوَى الكونى وعلى مستويات متعددة تحدث فى وقت واحد وتحتوى على كثير من المعتقدات المتنافية المتعارضة.

وعندما تأمَّلَ المصرى القديم مظاهر الطبيعة دَلَهُ هذا التأمُّل على أن الحياة فى تَجدد دائم ومستمر ومنها وفيها تعود الحياة، فتأتى الدورة اليومية للشمس والفيضان السنوى لنهر النيل أحد أبرز تلك الظواهر ليؤكد أن قاعدة الاستمرارية الأبدية هذه تَعُمّ الكونَ كلّه، لذا اعتقد المصرى أن موضوع أو فكرة الموت ليست نهاية الحياة ولكنه نقطة ومحطة بداية للدورة الأبدية.

 

حابى إله النيل.. أثناء عرضه بالمتحف البريطانى 2
حابى إله النيل.. أثناء عرضه بالمتحف البريطانى 2

 

«حابى» وفيضان النيل

كانت ظاهرة «فيضان النّيل» من الظواهر التى تتميز بها مصر القديمة كل سَنة، وإغراقه للأرض الزراعية التى تحول الوادى إلى «الهيلولى المائى» تُبعَثُ منه الحياة والدنيا من جديد. فكان موسم فيضان النيل عند المصرى القديم معجزة تتكرر كل سَنة وتُنشأ منه الأرض مرّة أخرى؛ فتحيا بعد موتها وتَخضرّ البلاد وتظهر النباتات. وكان يبدأ عندما يظهر نجم «الشعرى اليمانية» أو «سيريوس»، وهو أسطع نجوم السماء لذا يسمى «بالنجم الأسطع»، ومن هنا نظم المصريون القدماء حياتهم اليومية بالاعتماد على ارتفاع وانخفاض منسوب مياه نهر النيل، وحددوا عليه التقويم المصري بمواسمه الثلاثة: الفيضان، الزراعة، الحصاد، لذا أصبح ظهوره يعنى بداية عام مصرى جديد.

ولأن النيل كان وما زال يعنى الحياة عند المصريين، فقد اعتبره المصريون القدماء (هبة الآلهة) لهم، الذى بفيضانه يجلب الرخاء والخصوبة للتربة والبشر المحيطين به. ولكن مع عدم استقرار منسوب مياهه؛ فإذا ارتفع أكثر من اللازم أفقد الناس منازلهم الطينية، وإذا لم يرتفع بما يكفى تحدث المجاعات، كان من المهم وفق اعتقاد المصرى القديم أن تتدخل الآلهة لتسيطر على عطيتها.

من هنا ارتبط النيل بالعديد من الأساطير المصرية القديمة، فجاء الإله «حابى» وفق العقيدة المصرية القديمة ليسيطرعلى فيضان نهر النيل، وسمى بإله النيل، ولأن نهر النيل يربط بين أقطار مصر المختلفة فلم يكن «حابى» إلهًا إقليميًا خاصًا بمنطقة، بل كان إلهًا عامًا يقدسه جميع المصريين ويعبدونه مثل الإله «رع» والإله «آمون». 

ولأن النيل رمز من رموز مصر ويربط بين مصر العليا والسفلى فكان الإله «حابى» رمزًا لوحدة الدولة عند المصريين القدماء، وكان لهذا انعكاس كبير بالطبع فى قواعد الفن المصرى القديم، فجاء الإله «حابى» فى المشاهد الجدارية والتماثيل وقد صور فى صورة إنسان يظهر جسده معالم الجنس الذكرى والأنثوى فى الوقت نفسه، ملامح الذكورة ممثلة فى عضلات أرجله وذراعيه، والأنوثة فى الصدر والبطن، وهى ترمز إلى الأرض التى تم إخصابها بمياه الفيضان، يحمل فوق رأسه نباتات مائية وممسكًا بحبل يربط بين الوجهين القبلى والبحرى رمزًا لربط الشمال بالجنوب وتوحيد الدولة مع حاكم واحد. 

تماثيل الإله «حابى» منتشرة فى أماكن عديدة، وتنتشر جدارياته فى جميع المعابد المصرية نظرًا لقدسيته عند جميع المصريين، وارتباطه بالنهر المقدس. وأشهر تلك الجداريات هى الموجودة بمعبد الأقصر والتى ترمز إليه كإله للخير ووحدة مصر، ويعد أشهرها التمثال الموجود فى بريطانيا، إضافة إلى تمثال استخرجته بنفسى من معبد رمسيس الثانى فى «أخميم» فى صورة رائعة يجمع فيها بين وجهى مصرالقبلى والبحرى. تضمنت شكلين متشابهين لـ «حابى»، أحدهما يميز بنبات البردى الذى عبر عن «مصر السفلى»، والآخر بزهرة اللوتس التى تعبر عن «مصر العليا». وفى الجدارية يقوم الشكلان بعقد أو ربط زهرة اللوتس ونبات البردى معًا حول العلامة الهيروغليفية التى كانت ترمز لمعنى «الوحدة» بين شطرى البلاد، فى إشارة إلى دوره فى توحيد الشمال والجنوب.

أما أشهر تماثيل إله النيل «حابى» فذلك التمثال الضخم الذى اكتشفه الغواص الفرنسى فرانك غوديو منذ عدة سنوات ضمن بعثة من علماء الآثار بالمعهد الأوروبى للآثار الغارقة فى مدينة مصرية غرقت منذ نحو 1200 عام تسمى «هرقليون»، يبلغ طول التمثال 5.4 متر من الجرانيت الأحمر ويعد أطول تمثال بين الآلهة المصرية القديمة.

حابى إله النيل.. أثناء عرضه بالمتحف البريطانى
حابى إله النيل.. أثناء عرضه بالمتحف البريطانى

 

 

«النقل النهرى»

كما كان لنهر النيل عند المصريين القدماء قيمة اقتصادية مهمة، فقد عرفوا إلى جانب الزراعة التى اعتمدت على مياه النيل، صيد الأسماك، فابتكروا القوارب كوسيلة للصيد والمواصلات، وباعتباره أهم وسائل المواصلات قديمًا بين الوجهين القبلى والبحرى، وكان النيل والترع المتفرعة طرقًا مائية عظيمة الفائدة بل كانت أفضل طرق للمواصلات جميعًا، فقد كان النقل النهرى فى مصر القديمة اقتصاديًا أكثر من النقل البرى، إذ كان فى متناول كل إنسان فى كل وقت، لذا تعددت أنواع السفن التى تسير فى النيل وقنواته وكان المصرى القديم يبنى قواربه البدائية الأولى بطريقة بسيطة. إذ كان يستخدم نهر النيل فى عمليات التجارة ونقل المنتجات والبضائع للصعيد والدلتا، لحمل الإنسان والبضائع ونقل الأشياء الضخمة وفى الرحلات الطويلة وكذلك نقل الحيوان والمحاصيل ومواد البناء والصناعات وكذلك نقل الجرانيت والأحجارالمستخدمة فى بناء الأهرامات التى جاءت من أسوان عبر نهر النيل. كما تصور بردية «وادى الجرف» أقدم بردية فرعونيةعثر عليها حتى الآن، رئيس العمال «مرر» وهو يقطع أحجار الجرانيت من طرة لاستخدامها فى كساء الأهرامات ويستعد لنقلها بمراكب عبر نهر النيل.

كذلك فالمصريون القدماء أول من استعملوا القوات البرية فى الجيش، فكان الأسطول الحربى مجهزًا ببحارة متميزين وذوى مواصفات خاصة عن الأسطول البرى، وكان الجنود ينقلون أحيانًا عبر النيل فى قوارب لمناطق الصراع والأزمات المحلية. 

الاله حابى
الاله حابى

 

 

«عروس النيل»

  قدّس المصريون القدماء نهر النيل، وأقاموا له الاحتفالات، وتغنوا بالأناشيد عرفانًا بقدره ونعمته عليهم واحتفلوا بعيد وفائه، هو ما يقصد به وفاء النيل للمصريين القدماء لما يحمله معه من الخيرات. لذلك أقاموا له احتفالاً كبيرًا خلال الشهر الذى يحل فيه فيضان النيل حاملاً معه الطمى والمياه، وكانوا يلقون فيه عروسًا من الخشب فى موكب عظيم يتقدمه الملك وكبار رجال الدولة، دليلًا منهم على العرفان بالجميل لهذا النيل العظيم. أما الفتاة الجميلة البكر التى تتزين فى هذا الاحتفال ثم يلقى بها المصريون القدماء فى النيل قرباناً له، لتتزوج فى العالم الآخر بإله النيل «حابى»، وهى مجرد أسطورة نسجها الخيال المبدع للمصرى القديم تقديرًا منه لمكانة النيل. إلا أن الثابت تاريخيًا أن ديانة المصريين ما كانت تسمح بتقديم قرابين بشرية، فلم تذكر النصوص المصرية القديمة من قريب أو بعيد تقديم قرابين بشرية إلى معبود مهما علا شأنه.

كذلك فاللوحات والبرديات التى تصف أحوال النيل وفيضانه وأزماته، لم يرد فيها أى ذكر «لعروس النيل» العذراء تلك، ومنها أن عُثر على ثلاث لوحات وتعود إلى عصر (الملك رعمسيس الثانى ومرنبتاح ورعمسيس الثالث) تصف جميعها المراسم الدينية والشعبية التى تحتفل بفيضان النيل، وتشير إلى أن الملك كان يحضر الاحتفال الذى يبدأ بذبح عجل أبيض وأوز وبط ودجاج كقربان، ثم تُلقى فى النيل «رسالة» مكتوبة على ورق بردى تتضمن أناشيد تمدح النيل اعترافًا بفضله.

كما زار كثير من الرحالة اليونان والرومان مصر بين القرنين السادس قبل الميلاد والقرن الأول وجميعهم كتبوا عن عادات مصر ولم يشر أي منهم إلى «عروس النيل»، أيضًا استطاع العالم الفرنسى «جاك فاندييه»، فى دراسته «المجاعة فى مصر القديمة»، أن يجمع ما يزيد على 55 نصًا من مصادر أثرية مختلفة ما بين «معبدى إدفو» و «دندرة»، تحدثت عن المجاعة والفيضان فى مصر، لم يأت ذكر لأى «عروس للنيل» بشرية تلقى فى مياهه. ورغم ذلك؛ فقد عاشت تلك الأسطورة فى خيال ووجدان المصريين وتناقلتها الأجيال كموروث شفهى، وتناولها الأدباء،والكتاب، والسينما، وما زالت تتردد حتى اليوم.

بل إن أشهر احتفالات المصريين القدماء بنهر النيل أن رددوا له العديد من الأناشيد الدينية والترانيم تبجيلًا وتقديسًا له، من بينها نص يعود إلى ( الأسرة 19 ق.م ) فى «بردية تورينو» يقول: «إنه هو الذى يروى المراعي، هو المخلوق من رع (إله الشمس) ليغذى الماشية، وهو الذى يسقى الأرض الصحراوية البعيدة عن الماء. ماؤه هو الذى يسقط من السماء، إنه هو الذى يأتى بالقوت، وهو الذى يكثر الطعام، وهو الذى يخلق كل شىء طيب، ويمدحه الناس».