الإثنين 23 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
لغتنا الجميلة 3 - 4

لغتنا الجميلة 3 - 4

قبل البدء فى تصنيع سيارة «النصر – فيات»، كانت الحكومة المصرية تسمح باستيراد السيارات من الخارج. فعَزَمتُ على شراء واحدة من النمسا، حيث مجدى مسعود، برد الله ثراه، وهو صديق لي، ودود،  يدرس هندسة البترول فى «غراتس» Graz وهى ثانى أكبر المدن  بعد العاصمة «فيينا». ولأن «تحويشة» العمر لا تسمح بالسفر جوًا إلى أوروبا، فلجأت إلى السفر إلى سوريا، ومنها بحافلة إلى اسطنبول لأستقل «قطار الشرق» إلى أوروبا.



استقبلنى مجدى فى محطة القطار النمساوية، أطلعته على سبب زيارتي،  ورغبتى فى شراء سيارة مستعملة، وشحنها إلى مصر. فنصحنى بشراء السيارة التى أرغب فيها من ألمانيا، حيث السيارات المستعملة أرخص ثمنًا. 

الوسيلة  الوحيدة،  كانت شراء إحدى الصحف الألمانية التى تصدر فى عطلة الأسبوع، وتضم ملاحق عدد صفحاتها تصل إلى مئة صفحة ويزيد، وأهمها Berliner

Morgenpost وFrankfurter Allgemeine، فبدأت فى إجراء اتصالاتى الهاتفية بالإنجليزية التى أتقنها، فيأتى الرد على الطرف الآخر من الخط باللغة الألمانية، وعندما أتلعثم، تُقطع المكالمة. 

وفشلت، فلجأت إلى مسعود، أشكى له همي، أطلق ضحكة من القلب، هوّن عليّ، وشرح لي  بأن الألمانى يعتز بلغته ولا يقبل التحدث بغيرها إلا فيما ندر. وما كان منه، إلا أن كتب لى جملة بالألمانية بحروف لاتينية أستطيع النطق بها تقول: «أنا باتصل بخصوص إعلان السيارة «Ich rufe wegen der Autoankündigung an.

أدرت قرص الهاتف، رسمت الرقم نفسه، رد عليّ، سمع الجملة، تجاوب، وانقضى الأمر. وإذا أنت استوقفت فى الطريق من يمكن الاستعانة به لمعرفة دربك فى تلك المدينة الكبيرة،  يشرح لك بالألمانية، فعلى الرغم من إتقانه الإنجليزية والفرنسية، فإنه يصر على لغته، ولا يهمه إن ضربت رأسك بالحائط! 

واعتداد الألمانى بهويته ولغته، أدى بالحكومة إلى إرغام  أبناء المهاجرين على تعلم الألمانية، مجانًا، وخصوصًا فى الأحياء التى تغص بالمهاجرين من الجيل الأول، على الرغم من أنهم من كبار السن، فالألمان يشعرون بأن من واجبهم تعليم اللغة لكل من يقيم على أرضهم. ولا يمكن أن تجد مسئولًا يتحدث فى مؤتمر أو لقاء عام، بغير اللغة الألمانية،  فى الوقت الذى يجيدون فيه لغات أخرى.  ولم تكن اللغة الألمانية يومًا عائقًا فى عالم المال والأعمال والاستثمار، بل تفوقت على لغات أكثر تداولاً، وباتت اليوم من بين أكثر اللغات استخدامًا على مستوى العالم. 

ونجد أن الاتحاد الأوروبى، فى دستوره، لم يقض على هوية ولغة الدول المنضوية تحت لوائه، فلكل دولة لغتها وثقافتها، تتفاعل مع لغات وثقافات الدول المشتركة معها  فى وحدة المصير السياسى  والاقتصادى.

أين نحن من ذلك كله، وماذا فعلنا نحن بلغتنا العربية الجميلة؟!