الإثنين 24 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
إشراقة خمسينية.. فــــرق توقيـــت

إشراقة خمسينية.. فــــرق توقيـــت

«اكتشفت فجأة أنها فى منتصف الخمسينيات من عمرها.. تلتفت حولها بعدما أفاقت من صدمة العمر الذى تسرسب دون أن تدرى..  فإذا بها تبصر ما لم تبصره من قبل..  وتستشعر معانى لم تدركها فى حينها..  وتمارس طقوسًا لم تألفها فى نفسها..  وكأن القدر أراد أن يمنحها فرصة جديدة لاكتشاف ذاتها  فكانت تلك اليوميات».



 (لف وارجع تانى)

(نقطة و... من أول السطر)

مفاهيم وثقافة مجتمعية جديدة لم تسمع بها إلا على (كبر) وبالتالى لم تمارسها على مدى سنوات عمرها التى تجاوزت الخامسة والخمسين ربما لأنها- وغالبا مثيلاتها من مواليد الستينيات- ممن عاشوا مقتنعين بكلمات الأغنية الشهيرة (ماشى.. ماشى.. ماشى ولا بيدى على حسب الريح ما يودى)

إنها الآن وهى تتأمل رحلتها وقد بدت ملامح الصورة فى الوضوح جليا وكأن لوحة الـ (Puzzle) قد بدت مكتملة وأدركت أبعاد الصورة من جميع جوانبها فهى رغم كل ما صادفها من عقبات وأزمات على مستوى حياتها المهنية والشخصية لم تفكر يوما – بشكل جدى- أن تضع نقطة وتبدأ سطرا جديدا فى ظروف مختلفة ولم تحاول عند أى منحنى أن تتخذ طريقا جديدا بل اعتبرت أن عندم انسحابها من الطريق الذى اختارته بوعى وحماس شابة لم تبلغ العشرين من عمرها هو قمة الـ (انتماء) والتوحد مع الـ (حلم) والثبات على الـ(مبدأ) وعدم (بيع القضية).

لقد تعاطت الصبر وأحلام اليقظة بانتظام حتى لا تتراجع ولا تستسلم وكانت تعتقد أن تشبثها بالحلم هو الضمانة الوحيدة لعدم ضياعه وبالتالى ضياعها هى شخصيا.

ولأنها لا تقبل بالهزيمة ولا تعرف الاستسلام فقد تحايلت على الأزمات تارة بالـ (تكيف) وتارة (ببعض من التعديلات) التى تجعل الأمور أقل وطأة. لكنها لم تعرف الـ (تمرد) ولم تحاول أن تعمل (shift career) لحياتها ولم تشغل بالها بالإجابة على التساؤل الحائر الذى يشغلها الآن. هل مشوارها قادها إلى واحة (الاتساق مع الذات) أم ألقى بها فى غياهب جب (التقليدية والنمطية) إلى أن قادتها الظروف للمواجهة من خلال اقرب الشخصيات إلى نفسها (شقيقتها.. وابنتها)

ابنتها.. رغم التشابه فى الخطوط الرئيسية لشخصيتها مع أمها إلا أنها كانت تملك ملمحين أساسيين لا تملكهما الأم.

أولهما جرأة أن تضع نقطة.. وتبدأ سطرا جديدا فقد كانت تتخذ قراراتها بكل ثبات انفعالى وتنفذه بالفعل فإذا ما ثبت لها خطأه كانت تتوقف فورا وتتراجع لتبدأ من جديد.

فبعد تخرج الابنة فى الجامعة سعت وراء حلمها طويلا فوجدت الأبواب موصدة وعندما عرضت عليها وظيفة تقليدية براتب مغر ومزايا عينية كثيرة قبلت الابنة قائلة (ستكون تجربة لمدة عام واحد بعدها سأنظر فى الأمر وأرجو أن تحترموا قرارى).

بعد 365 يوما بالتمام والكمال تقدمت الابنة باستقالتها رغم كل المزايا والترقية الجديدة التى كانت فى انتظارها قائلة (لو استمررت يوما واحدا فى هذا المكان سأكرهه وسأكره نفسى وأنا أريد أن يظل للمكان ذكرى طيبة وأظل أنا أحترم نفسى وحلمى. سأترك الوظيفة وأخسر آلاف الجنيهات وسأذهب أبحث عن حلمى) وبالفعل بدأت فى تنفيذ حلمها واستمرت تعيشه دون أى عائد مادى.

الملمح الثانى الذى كانت تملكه الابنة وتفتقده الأم هو (حب الذات) لقد كانت الابنة تبحث بدأب عما يسعدها حتى تستطيع أن تسعدد الآخرين وكان ما يسعدها ( سفر.. نزهه مع صديقاتها.. أكلة جديدة فى مكان جديد..shopping.. حفل غنائى.. نشاط رياضى جديد و.. و..). كانت هى المسئولة عن الترفيه والسعادة فى البيت.

الأم كثيرا ما اتهمت ابنتها (بالتمرد والافتراء) تارة و(الأنانية) تارة أخرى لكن بالحوار المتواصل بينهما وسعى ابنتها الجاد واعتمادها على نفسها وتعلمها لمهارات جديدة جعل الأم فى مواجهة مع نفسها أولا قبل أن تكون فى مواجهة مع ابنتها.

لم تعد تتساءل من منهما على حق، بل أصبح ما يشغلها كيف تحترم مساحة الاختلاف بينهما وكيف تعينها نفسيا وفعليا على إنجاز حلمها حتى لو كان مختلفا تماما عما ما تتمناه لابنتها.

بكل رصيد الحب والاحترام بينهما تعاملا ووضعت الأم كل خبرتها الانسانية والمهنية تحت أمر ابنتها وحاولت تدعيم حلمها بالمساندة والدعم المعنوى.

سعدت الأبنة كثيرا بهذا التقارب الذى تحقق بعد شد وجذب وصراع لكن سعادة الأم كانت أكبر فقد تحررت الأم من أسر النمطية والتقليدية وانطلقت تحلق نحو سماوات مفتوحة بتشجيع من ابنتها.

أما شقيقتها فهى تصغرها بنحو أربع سنوات

ورغم نشأتهما فى بيت واحد لنفس الأب والأم إلا أن كل منهما كانت لها ملامح شكلية وشخصية ونفسية مختلفة وكانت علاقتهما كأختين تتعرضان لحالات من المد والجزر على مدار عمرهما.

ولكن قبيل وفاة الأم وبعدها بدأت مساحات التقارب بينهما تزيد بشكل واضح.. وكأن كل منهما كانت تتلمس فى الأخرى قبسا من فيض روح الأم بحكمتها وحنانها.

كانت أختها تتولى مسئولية أولادها بمفردها بعد انفصالها عن زوجها ورغبته فى الانسحاب طواعية من حياة الابناء تهربا من أى مسئوليات مادية وأدبية.

ومنذ سنوات بعيدة تحملت مسئوليتهم كاملة تحت رعاية والديها حتى توفيا إلى رحمة الله وهما يوصيان الأبناء برعاية أختهما.

لذا حرص الأخ والأخت على نقل شقيقتهما الوسطى بالقرب من سكنهما لتكون هى وأولادها تحت رعايتهما.

كانت الأخت محامية مجتهدة.. مارست المهنة بشرف على مدى عشرين عاما ولا تزال تمارسها بمهارة حتى الآن ولكن بمنطق الهواة وليس المحترفين مما أدى إلى دخل متذبذب وغير مجز غالبا.

لذا فقد فكرت بجانب المحاماة.. ودورها كأم وأب لأولادها أن تستثمر موهبتها فى الطهى وتعمل صفحة خاصة لعمل جميع أنواع الأكل البيتى.

شجعتها صاحبتنا كثيرا بل شاركتها بشراء جميع مستلزمات الأكل البيتى الذى تصنعه أختها ومتابعة حركة البيع والشراء من خلال الصفحة ومن خلال الاشتراك فى «الاوبن داى» فى الأندية.. وعندما تعرضت كل منهما لوعكة صحية مختلفة لم تلبثا وقد تعافيت وبدأنا مشروعا جديدا تجاريا برأس مال صغير لكن بتوفيق من الله أصبح يدر دخلا لا بأس به.

عندما تشجعها صاحبتنا وتشيد بقدرتها على المقاومة والاجتهاد ومواصلة الجهد لتحقيق تلك الإنجازات الصغيرة غالبا ما تبتسم أختها فى تواضع ممزوج بالأسى قائلة «الظروف هى التى قادتنى لأن أكون (كوكتيل) أو (3XL(أنا بطلة رغم أنفى»

فترد أختها قائلة بل أنت بطلة باختيارك.. أنت لم تتخلى عن أولادك باختيارك.. وحافظت على شرفك المهنى بإرادتك فلم تلجأى للأبواب الخلفية لمهنتك وما أكثرها .. لقد سعيت بكل كبرياء لتوفير حياة كريمة لك ولأولادك.

إنك تجاهدين وتعافرين بكل شرف وكرامة واحترام وفوق ذلك علمتينى أنا أيضا أن أخرج من شرنقتى وأمارس طقوسا جديدة منحت أيامى شغفا وأملا ونظرة أكثر تأملا للحياة والبشر. وتمر الأيام وما زالت كاتبة هذه السطور رغم فرق التوقيت تتعلم وتعلم.

تعيش.. وتتأمل ذاتها وما حولها.

بالـتأكيد الحياة ستمر والأحداث ستتوالى لكن:

الإشراقات الخمسينية ستتوقف عند هذا الحد مؤقتا لنتلقى قريبا إن شاء الله فى إشراقات أخرى تعيشها وتكتبها مها عمران.