الإثنين 27 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

وداعـًا ســـاحر اللــون!

فقدت حركة الفنون الجميلة فى مصر فنانًا كبيرًا، الكتابة عن رحيل صديقى الفنان عبدالعال شىء محزن حقاً، فأنا أكتب عن الذكريات الجميلة التى عشتها معه عبر أكثر من ثلاثين عامًا، إنه صداقة العمر وزمالة الفن الجميل فى مجلتنا «صباح الخير».



طوال تلك السنوات كان رقيقًا وعذبًا ومخلصًا لفنه، لم أره يومًا إلا والريشة فى يده يرسم، داهمه مرض ألمّ به وفقد على أثره بصره وسمعه وغيبه عن الإبداع فى السنوات السبع الأخيرة من حياته، وأوقف ريشته التى كانت تشدو بالألوان الجميلة الساحرة.

إنه حالة إبداعية متميزة أعطى نفسه بإخلاص شديد لفنه، ولذلك كانت لوحاته تخطف العيون فهى تدهش من يشاهدها بألوانها المبهرة الدافئة.

ظهرت ريشته فى منتصف السبعينيات، وأحبت الجماهير العريضة أعماله الرائعة على أغلفة مجلة «صباح الخير»، ثم فيما بعد فى معارضه، فهو رسام البورتريه الرائع الذى لا يُبارَى.

وهب الفنان عبدالعال ريشته لتصوير الروح المصرية الأصيلة، ولم تكن لوحاته سوى تعبير عن عشقه لهذه الروح، فقد رسم الأسواق والحقول وكانت المرأة المصرية البسيطة هى بطلة لوحاته، صور وجهها وبشرتها السمراء تحت ضوء الشمس، رسمها عائدة من السوق أو فى الحقل كان مثل الرحالة يصطاد الجمال من حياة الناس اليومية.

وكانت ألوانه المبهرة انعكاسًا لأحاسيسه المتدفقة، فهى تدهشك بدفئها وقدرتها على التوافق مع بعضها البعض لتغنى وتطرب عين المشاهد للوحاته.

تظهر شخوصه التى يصورها بارزة على سطح قماش اللوحات، فهو يهتم ببناء الفورم أو الكتلة، وذلك جعل لأعماله ثقلاً ماديًا يدهش المشاهد.

ولأن اللوحة عنده احتفاء وشغف باللون، فقد أحب خامة ألوان الباستيل ذات النضارة اللونية الفائقة والتى مكنته من إرسال النغم اللونى على لوحته، ولهذا كان لخامة الباستيل النصيب الأكبر فى أعماله فى السنوات الأخيرة، وذلك رغم براعته فى الرسم بالزيت والألوان المائية.

بدأ الفنان عبدالعال حياته الفنية غارقًا فى المدرسة التكعيبية، حيث تحويل الشكل إلى مسطحات لونية هندسية، وجد فى تلك المدرسة متعته وكانت مراكب بحيرة المنزلة موضوعه المفضل، وظهرت ميوله فى الاهتمام بالتلخيص والبناء القوى للوحته، وقد ترك التكعيبية بعد سنوات ليتحول إلى التأثيرية، ولكنه كان يعود من آن لآخر لرسم لوحات المراكب وتظهر فى معارضه من وقت لآخر.

ما يشغله دومًا تحقيق لغته الفنية الخاصة به من خط ولون وفورم وتكوين، وقد يهرب من التفاصيل ويجنح للتلخيص من أجل تحقيق تلك اللغة، وهو يختار الخامة التى تنقل إحساسه بالموضوع الذى يرسمه، كل اهتمامه يكمن فى أن يجعل ألوانه تغنى وتتوافق مع بعضها فى هارمونى جميل لتعزف لأعيننا موسيقى الجمال الفنى.

ولذلك ليس غريبًا أن تنال أعماله كل هذا الإعجاب من الجماهير العريضة، ويقبل عشاق الفن على اقتناء أعماله لتجد مكانها فى بيوتهم، لأن تأمل لوحاته نوع من المتعة، وسيبقى فنه خالدًا بيننا.. وداعًا صديقى.