الإثنين 24 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
إشراقة خمسينية.. حبـيـبـــة أمـهـــــا "الحلقـــة السابعة"

إشراقة خمسينية.. حبـيـبـــة أمـهـــــا "الحلقـــة السابعة"

«اكتشفت فجأة أنها فى منتصف الخمسينيات من عمرها.. تلتفت حولها بعدما أفاقت من صدمة العمر الذى تسرسب دون أن تدرى..  فإذا بها تبصر ما لم تبصره من قبل..  وتستشعر معانٍ لم تدركها فى حينها..  و تمارس طقوسًا لم تألفها فى نفسها..  و كأن القدر أراد أن يمنحها فرصة جديدة لاكتشاف ذاتها  فكانت تلك اليوميات».



«أنا مش مسمحاكى يا ماما» 

رفعت وجهها نحو ابنتها متعجبة مستنكرة أسلوبًا لم تعهده منها من قبل، فإذا بابنتها والدموع تغرق وجهها البرىء الرقيق تقول فى غضب جامح: «أنت خدعتينى.. فقد كنت أظن عندما أخرج للحياة العملية بعد التخرج أننى سأجد مثيلًا لك.. مسئولًا يتعامل معى بإنسانية مثلما كنت تعاملين تلاميذك وتقولين عنهم باعتزاز «أولادى» لماذا لم تخبرينى بالحقيقة؟! والواقع المؤلم الذى سأعانيه؟!».

فعلى مدى السنوات الأربع التى تلت تخرجى لم أجد مسئولًا وراء كل باب أطرقه إلا بخيلًا فى معلوماته.. عنيفًا فى آرائه، مختالًا بنفسه إلى حد الهوس.. ساخرًا فى قسوة من قدرات من يوقعه حظه العاثر تحت يديه فيحطم معنوياته ويذهب بثقته بنفسه إلى غير رجعة.. المثير فى الأمر أن هؤلاء يفعلون كل ذلك بدم بارد وابتسامة لزجة.. دون أى إحساس بتأنيب الضمير».

« أنا اتعذبت بحلمى يا ماما.. لماذا شجعتنى على ممارسة الحلم.. الخيال كان جميلًا لكن الواقع.. مؤلم ومحبط جدًا. يا ليتنى كنت بلا حلم.. بلا طموح .. ولا رغبة فى إثبات الذات». 

ارتمت فى أحضان أمها تبكى إحباطًا ويأسًا، بينما أمها تبكى كمدًا وعجزًا وتنزف شعورًا بالذنب.

نعم لقد كانت ممزقة يتزاحم داخلها شعور بالذنب وإحساس بالعجز تجاه ابنتها، ولم لا وهى التى أورثتها - بشكل أو بآخر - حب هذه المهنة مع بعض التعديل الذى زاد الأمر صعوبة وتعقيدًا، وهى التى شجعتها على التشبث بالحلم والمعافرة لتحقيقه وعدم الاستسلام أمام أى عقبات.

فهل كانت تظن أن فاتورة المعاناة التى دفعتها من عمرها وطاقتها عن طيب خاطر لسنوات طوال ستمنح ابنتها إعفاء من فواتير باهظة مماثلة.

هل كانت تطمع أن يكون وعدها مع الله بدعم ومساندة كل مبتدئ والذى التزمت به دائمًا أن يكون شفيعًا لابنتها ويختصر معاناتها.

هل كانت تتمنى أن يكون لابنتها حظ أفضل منها وهى التى كان معروفًا عنها أنها تملك فدان شطارة بينما لا تملك أى قيراط حظ!!

ماذا فعلت من أجلها؟! كانت دائمًا تسأل نفسها هذا السؤال وتجيب هل تعاطفك الآن وحده يكفى؟!

هل سهل عليها المهمة؟ اختصر لها طريقًا؟ فتح لها بابًا موصدًا؟.

أبدًا.. اكتفيت بالتعاطف والبكاء والدعاء. لا أنت أبعدتيها شفقةً عليها، ولا يسرتِ لها أمرًا رحمة بها. 

لقد تحملت هى سنوات عجاف طويلة شقيت فيها بحسن ظنها وتعاملت مع الواقع بكل قسوته بأسلوب رومانسى ساذج، فهل تستطيع الآن أن تتعايش وتتحمل نفس المشاهد والمعاناة للمرة الثانية، وتبتلع نفس المرارات بجرعات مضاعفة.

بكل هوانها وضعفها وقله حيلتها ناجت ربها وفوضت أمرها وأمر ابنتها إلى الله، فإذا بالرحمن الرحيم يجعل لهما مخرجًا، ويرزقهما من حيث لا يحتسبا، ويهيئ لهما من الأحداث ما يفوق أحلامهما.. وها هو الله يأذن بالتيسير والتساهيل، وإذ بابنتها تتعرف على نماذج رائعة على المستوى المهنى والإنسانى يتيحون لها الفرصة تلو الأخرى، ثم عندما تمر بشهور عجاف أخرى يهون عليها ربها ويضع فى طريقها أستاذًا آخر يعلمها ويوجهها فى مجال جديد آخر.

فإذا ما واجهت ابنتها عقبة جديدة أو شخصية مختلة نفسيًا وجاءت تشكو لأمها فلا تملك أمها التى استوعبت الرسالة إلا أن تذكرها برحمة ربها التى هيأ لها خط دفاع ثلاثى الأبعاد اسمه «أميمة ومهند.. وحسنى» وأنها دائمًا تدعو لهم بظهر الغيب ليس لكونهم كانوا عونًا ودعمًا لابنتها وأمثالها ولكنهم أيضًا تجسيد لكل القيم النبيلة التى آمنت بها وظنت أنها اندثرت فإذا بها تكتشف أن ما استودعته الله لا يضيع أبدًا.

 

 

 

توليفة ذات نكهة خاصة

علاقتها بابنتها تحتاج إلى صفحات فقد أدركت منذ سنوات أن ابنتها لا يمكن وصفها فى كلمتين أو وضعها فى قالب محدد.. فقد جمعت فى شخصيتها متناقضات منسجمة لا تنافر بينها حتى لو بدت للبعض وكأنها عناصر متعارضة تمامًا.

لكنها استطاعت أن تخلق منهما «كوكتيل ذو مذاق لذيذ» وتوليفة ذات نكهة خاصة جدًا فهى شخصية منطلقة لكن منضبطة جدًا، تملك جموح «مهرة»، ونقاء وبراءة «طفلة»، يُعتمد عليها وتتحمل المسئولية وبنوته جدًا جدًا، صاحبة شعر «كيرلى».. وابتسامه خجولة، لا تفهم كثيرًا من أفعال ونوايا الخبثاء من حولها لكن لديها فطرة نقية تجعل من إحساسها «رادار» فى فهم البشر وتصنيفهم. 

اجتماعية جدًا، وتعشق السفر، لكن راحتها الحقيقية فى غرفتها وبابها المغلق عليها. 

لا تنكر صاحبتنا أنها بصفتها أمها ساهمت إلى حد كبير فى صنع هذه «الخلطة» على مدى سنوات، فقد شجعت ابنتها على «ممارسة السباحة والباليه المائى.. وعزف الموسيقى وتعلم النوتة.. وحفظ القرآن وتلاوته.. المواظبة على الصلاة.. تعلم الأشغال اليدوية.. تمثيل ومسرح.. حب الإذاعة وعمل برامج إذاعية منذ المرحلة الإعدادية.. كورسات لغة.. سفر فى معسكرات.. اشتراك فى مسابقات».

كرست من وقتها ومن ميزانيتها الكثير عن قناعة أن أولادها هم مشروعها الأول والأهم، وأن الاستثمار فيهم هو أفضل استثمار.

وحتى بعد تخرج ابنتها وممارستها لمشروع خاص حقق نجاحًا وصدى إعلاميًا واسع المدى كانت أمها حريصة أن تكون معها خطوة بخطوة فيه، بل اعتبرت أن هذا النجاح يستحق الاحتفاء به سنويًا بصفته «يومًا للتحقق وإثبات الذات».

والحقيقة أن ابنتها كانت دائمًا عند حسن ظنها و لم تخذلها أبدًا.

كانت علاقة الصداقة التى تربطها بأبنائها تضمن مساحة آمنة وهادئة لعبور أى أزمة وتمنح لعلاقتهم خصوصية وحميمية، لكن مع مرور السنوات بدأت ترى وجهًا آخر لهذا النهج.. وجهًا له ثمن باهظ.

فالشخصيات المستقلة التى أرست دعائمها انتقلت بعيدًا عن أحضانها رافضة العيش فى جلاليب آبائهم وأمهاتهم، وبالتالى فإن أى محاولة منها لتقمص الدور التقليدى للأم كانت تُقابل بالتعجب والاستنكار، واكتشفت أيضًا أن رأيها له كل الاحترام منهم ولكن.. هو رأى استشارى غير ملزم للأطراف.

وهكذا أصبح رصيد رؤيتها ومعايشتها لأولادها فى تراجع، واقتصر على بضعة أيام كل عام لابنها المسافر، وعدة دقائق فى اليوم لابنتها المقيمة معها، وإن كان الأمر لا يخلو  كل حين من سحابات تحمل كمًّا من التدليل والإطراء والقبلات والأحضان التى تغمرها بها حبيبة أمها فتنعش روحها العطشة وتزهر حبًا وحنانًا. 

وتتوالى الإشراقات الخمسينية الأسبوع القادم.