الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايــة «جــول» غــــاز المتـــوســـط

مصر تفرض خطوط حمراء عند المقتضى
مصر تفرض خطوط حمراء عند المقتضى

فى دراما رمضان الماضى،  قدم واحد من أهم الأعمال الدرامية الوطنية، مسلسل «هجمة مرتدة» صورة لشكل الصراع الإقليمى الدائر منذ أكثر من عقد من الزمان حول ثروات واحتياطى الغاز بمنطقة المتوسط، وكيف أن الدول الكبرى وبالتعاون مع أخرى إقليمية استهدفوا الدولة المصرية وجوارها ممن يمتلكون ثروات بالمتوسط طوال هذه السنوات لضرب استقرارها، بما يمكنهم من الاستفادة من تلك الثروات.



مخططات واستهداف لإثارة فتن داخلية، صراع استخباراتى وأمنى، استهداف دبلوماسى وسياسى،  كلها وقائع ربما كشف عن بعضها مسلسل «هجمة مرتدة»، لكن الواقع الذى واجهته الدولة المصرية أقسى وأكبر من تجسيده فى أعمال درامية، معارك ومواجهات فى اتجاهات كثيرة ربما بعضها كان واضحا للرأى العام خلال السنوات الأخيرة، كما هو الحال فى منطقة شرق المتوسط والصراع الخاص بالغاز فى هذه المنطقة.

 

 

 

ونستطيع أن نقرأ حجم ما حققته الدولة المصرية من نجاح ومكاسب فى منطقة المتوسط من الموقف الخاص بتركيا، التى تغير موقفها من دولة تظهرا العداء الصريح لمصر فى ملفات ومناطق مختلفة بعد ثورة 30 يونيو، إلى مساعى لفتح قنوات الحوار والتعاون مع مصر مؤخرا.. وما بين الموقفين عشرات النجاحات والمكاسب التى يجب أن توثق وتروى سواء فى قضية الغاز أو أمن منطقة شرق المتوسط ودعما لحقوق قبرص واليونان والمصالح المصرية بتلك المنطقة، أو فى ليبيا وسوريا أو حتى فى الجنوب بالسودان ومنطقة البحر الأحمر.

الواقع بات الآن أكثر وضوحا، فخلال السنوات الأخيرة كانت مصر كلمة السر فى فرض رؤيتها وكلمتها بمنطقة المتوسط، رؤيتها التى تستهدف استقرار تلك المنطقة، والاستفادة واستثمار ثرواتها القانونية بحدودها البحرية، فى مقابل انقلب سحر أوردوغان فى تركيا لتقويض مصالح مصر واستهداف أمنها القومى وأيضا السطو على ثروات المنطقة عليه بعد تحولت تركيا لدولة معزولة إقليميا بحكم تطورات كثيرة على الساحة الدولية والإقليمية.

 

الرئيس خلال افتتاح محطة تسييل الغاز بحقل ظهر
الرئيس خلال افتتاح محطة تسييل الغاز بحقل ظهر

 

منتدى غاز شرق المتوسط

فى ملف الغاز يبقى وصف الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 2018 «إحنا جبنا جول فى ملف الغاز» تجسيدا واقعيا لنجاح الدولة المصرية فى هذا الملف وسط صراع دولى وإقليمى على احتياطى الغاز فى المتوسط، حيث استطاعت تحركات الدولة المصرية وفى إطار «آلية التعاون الثلاثى» الاستراتيجية مع قبرص واليونان فى ترسيم الحدود البحرية، ومن ثم التنقيب على ثرواتها، حتى تحقق أكتشاف أكبر حقل فى المنطقة وهو حقل ظهر وغيرها من الاكتشافات فى هذا الملف.

ليس ذلك فقط، بل قامت الدولة المصرية بعدة إجراءات فى ملف الغاز، ما يحولها لمركز إقليمى لإنتاج وتصدير الغاز لأوروبا، وقادت مصر تحرك إقليمى لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط مقره فى القاهرة، حيث تحول لمنظمة دولية تستهدف توحيد السياسات والتنسيق بين دول المنتدى وتحقيق الاستغلال الاقتصادى الأمثل للثروات الغازية بالمنطقة.

 

إعادة ترسيم الحدود فى شرق المتوسط ضربة لأطماع إقليمية
إعادة ترسيم الحدود فى شرق المتوسط ضربة لأطماع إقليمية

 

وجاء ذلك بعد أن نجحت مصر فى اتخاذ خطوة تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، فى يناير 2019 بمشاركة 7 دول متوسطية، وهي مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، وصدر وقتها «إعلان القاهرة» لتأسيس المنتدى كمنظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدولى.

القضية تحمل كثير من التفاصيل المعقدة فى معركة حقيقية تخوضها الدولة المصرية باستراتجية شاملة من شأنها الحفاظ على حقوقها وثرواتها من الطاقة وفى حدودها البحرية، بجانب العمل على التسويق والإستثمار الجيد لهذه القدرات بما يمكنها من التحول لمركز إقليمى لإنتاج ونقل الغاز فى المنطقة.

وفى نفس الوقت تعمل مصر على زيادة الاستكشاف والإنتاج، حيث قالت وزارة البترول أن اجمالى استثمارات مشروع تنمية حقل ظهر وباقى حقول إنتاج الغاز فى شمال الإسكندرية والدلتا بلغ نحو 10.6 مليار دولار حتى الآن، بجانب البحث عن فرص استكشافية جديدة ، حيث أعلنت وزارة البترول عن إرساء ثلاثة قطاعات للتنقيب عن النفط والغاز فى البحر الأحمر لأول مرة فى المنطقة.

 

حقل ظهر مصر مركز إقليمى أكبر للطاقة
حقل ظهر مصر مركز إقليمى أكبر للطاقة

 

تدخلات أرودغان

فى نفس الوقت كانت الدولة المصرية مع شركائها الاقليميين وتحديدا قبرص واليونان بهدف الحفاظ على ثرواتهم من الغاز فى شرق المتوسط ، والتصدى للتحركات التركية التى كانت تستهدف السطو على ثروات تلك الدول، وفى نفس الوقت تكثف القاهرة اتصالاتها الدبلوماسية رفيعة المستوى مع الدول الكبرى والاتحاد الاوربى للتصدى لهذه الحركات.

ويبقى عام 2019 شاهدا على ما يمكن وصفه «بالجرائم الدولية» التى ارتكبها نظام أردوغان بالمنطقة، فبداية من خرقة لكل قواعد القانون الدولى بالتنقيب غير المشروع عن الغاز فى الحدود اليونانية والقبرصية، ثم قيامه بالعدوان العسكرى على الشمال السورى، وصولا لتوقيع مذكرتى تفاهم بحرى وأمنى مع رئيس حكومة فايز السراج السابقة، بليبيا فى 27 نوفمبر الماضى،  وما تلاها من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، دفعت أرودغان لإعلان نقل ميليشيات عسكرية لطرابلس.

تحركات كثيرة قامت بها تركيا لإفشال أى صور تعاون مصرى مع قبرص واليونان والمستمر  بصورة ثابته على مدى خمس سنوات ، إلى أن اختارت التحرك بشكل غير قانونى وخرق السيادة القبرصية بالتنقيب عن الغاز فى الحدود القبرصية البحرية .

هذا التحرك أثار ردود فعل دولية وكان الرد المصرى حاسما حيث حذرت مصر تركيا من اتخاذ أى إجراء أحادى الجانب فيما يتعلق بأنشطة حفر أعلنتها فى منطقة بحرية غرب قبرص، وقالت وزارة الخارجية المصرية أن إقدام تركيا على أى خطوة دون الاتفاق مع دول الجوار فى منطقة شرق المتوسط، قد يكون له أثر على الأمن والاستقرار فى المنطقة، وعليه جاء التنسيق المصرى مع الاتحاد الأوروبى للتصدى لتحركات تركيا فى هذه المنطقة.

وعلى مدى السنوات السبع الماضية أثبتت آلية التعاون الثلاثى بين مصر وقبرص واليونان نجاحها كنموذجا للتعاون الاقليمى فى مختلف المجالات، حيث حافظت مصر على هذه الألية ومكاسبها ضمانا لاستقرار منطقة شرق المتوسط، وسعت فى نفس الوقت لتكرار هذا النموذج بتعاون ثلاثى مع الجوار كما هو الحال فى آلية التعاون مع الأردن والعراق.

 

منتدى غاز شرق المتوسط آلية جديدة لحفظ والإستفادة من ثرواتنا
منتدى غاز شرق المتوسط آلية جديدة لحفظ والإستفادة من ثرواتنا

 

خطوط مصر الحمراء

وبعد إخفاقات أردوغان الخارجية فى المنطقة، اتجه للتدخل فى الشأن الليبى،  وتحديدا فى منطقة الهلال النفطى بليبيا، وكان التقارب «المريب» بين أردوغان وحكومة السراج فى طرابلس السابقة فى 2019، ما شكل خطوة استفزازية تزيد من حدة التوتر فى شرق المتوسط، حيث سمحت وقتها حكومة السراج لتركيا للتدخل فى الشأن الليبى بل ونقل مقاتلين وميليشيات مسلحة للداخل الليبى.

لكن الدور المصرى كان حاسما فى الملف الليبى وفقا لرؤية تستهدف الحفاظ على استقرار ووحدة الأراضى الليبية ودعم المؤسسات الليبية الوطنية، حيث جاء إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسى فى منتصف العام الماضى حدود الأمن القومى المصرى فى الملف الليبى عندما حدد الخط الأحمر «سرت - الجفرة».

كان هذا الإعلان بمثابة نقطة البداية للحل السياسى فى ليبيا، حيث جاء إعلان القاهرة الذى استهدف تجميع كافة الأطراف والفصائل الليبية، وصولا لرعاية أممية لحوار سياسى انتهى لتشكيل سلطة انتقالية فى ليبيا، على رأسها محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي،  وعبدالحميد الدبيبة رئيس الحكومة، ثم مدت القاهرة يد العون للحكومة الانتقالية لدعمها فى هذه المرحلة والمساهمة فى إعادة إعمار ليبيا، وكانت زيارة رئيس الوزراء المصرى مصطفى مدبولى على رأس حكومى يضم 11 وزيرا لطرابلس وتوقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة خير شاهد على مستوى الدعم والتعاون المصرى فى ليبيا.

وسط هذه التطورات الإقليمية، كانت هناك تطورات أخرى لا تقل أهمية، بداية من تولى إدارة جو بايدن الديمقراطية المسئولية بأمريكا وما  تبعها من تغيرات فى المنطقة،  بداية من التحول فى الموقف العربى وخصوصا موقف قطر التى أرادت أن تخرج من عزلتها العربية للتعاون والتوقف عن ممارساتها العدائية، وأيضا تغير نظام الحكم فى السودان بعد ثورة ديسمبر التى أنهت حكم الإخوان هناك وبالتالى رفض الخرطوم مد يد العون لكل داعم للإخوان دوليا، فضلا عن رفض الرئيس الامريكى بايدن التعاون مع أردوغان ووصفه بأنه «ديكتاتور».

كل هذه التطورات جعلت أردوغان يجد نفسه أمام عزله دولية وإقليمية، على المستوى الأوروبى والعربى والدولى،  وعليه كان التغير فى الموقف التركى الساعى لإصلاح ما أفسدته سياسات أردوغان بالمنطقة طوال السنوات الماضية ودعمه لتيار الإخوان، وبالتالى كان السعى لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الدولة المصرية، وهى فى الإصل شهادة نجاح لسياسات الدولة المصرية بالمنطقة.