الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
إشراقة خمسينية.. الدايــت.. ولياليــه "الحلقـة الرابعة"

إشراقة خمسينية.. الدايــت.. ولياليــه "الحلقـة الرابعة"

«اكتشفت فجأة أنها فى منتصف الخمسينيات من عمرها.. تلتفت حولها بعدما أفاقت من صدمة العمر الذى تسرسب دون أن تدرى..  فإذا بها تبصر ما لم تبصره من قبل..  و تستشعر معانٍ لم تدركها فى حينها..  و تمارس طقوسًا لم تألفها فى نفسها..  و كأن القدر أراد أن يمنحها فرصة جديدة لاكتشاف ذاتها  فكانت تلك اليوميات»



لم تعش أبدًا تجربة عمل دايت من قبل ولم يكن هذا الموضوع يشغلها مطلقًا.. فهل كانت راضية عن شكلها؟!  الحقيقة لم يكن رضا بقدر ما كان تَكَيّفًا مع الأمر الواقع، بل كانت تعتبر أن موضوع الدايت نوعًا من الرفاهية التى لا مجال لممارستها.. لماذا؟! لا تدرى.. كل ما تعرفه أنها لم تقف لتسأل نفسها هذا السؤال طوال عمرها إلى أن بدأت فى السنوات الخمس الأخيرة تكره أن تشترى ملابس جديدة.. استشعارًا للحرج من مقاسها الذى زاد 4 درجات عن مقاسها التقليدى.. وكانت كلما نظرت للمرآة تغضب من شكلها وحجمها وتكيل الاتهامات لنفسها وتهاجمها بضراوة وتقسم بأنها ستبدأ وبعد يوم أو يومين تنسى الموضوع تمامًا. استمرأت هذا الوضع طويلًا إلى أن وصلت لمرحلة أنها كرهت صورتها وكرهت الإحساس بالحمولة المتزايـدة التى تحملها وتجثم على صدرها حتى باتت تتنفس بصعوبة.. وبدت حركتها ثقيلة والوقوف لبعض الوقت عقوبة ولم تعد تقوى على السجود والركوع وأصبحت تصلى وهى جالسة. قبل نهاية العام بـ 15 يومًا قررت أن تكون نقطة البداية لتجعل من العام الجديد بداية لانطلاقة جديدة. لم تسقط هذه المرة فى دوامة الاتهامات أو الأمنيات، بل حسمت أمرها فى صمت تام ودون إعلان، ولأنها تدرك بأن الدايت علم وإرادة فلم تحاول أن تمارس التجربة من منازلهم وتوكلت على الله وقررت أن تبدأ ولم تخبر سوى ابنتها التى أصرت أن تصحبها فى الزيارة الأولى تشجيعًا لها. فى العيادة منحتها الموظفة أوراقًا وطلبت منها أن تجيب على التساؤلات المطروحة فيها قبل الدخول للطبيب، وهى فى مواجهة الورق والقلم لم تكن تملك إلا الاعتراف، وبصدق توقفت طويلًا أمام ثلاثة أسئلة. السؤال الأول كان عن عدد المرات السابقة لعمل الدايت وتحديدًا المحاولة الأخيرة وظروفها، والحقيقة أنها فتشت فى ذاكرتها طويلًا لتكتشف أنها بالفعل لم تمارس هذه التجربة أبدًا من قبل فتكتب: (الدايت كان مجرد فكرة خيالية لم تترجم إلى الواقع أبدًا وكان دائمًا مشروعًا مؤجلًا إلى ما لا نهاية!!). السؤال الثانى كان عن السبب الذى دعاها هذه المرة للجوء إلى الطبيب فكتبت: (تأقلمت طويلاً على شكلى منذ صغرى لكننى الآن قررت التمرد ليس على الشكل فحسب ولكن على كل ما يمثله هذا الشكل من إجهاد ومرض وثقل فى الروح قبل أن يكون ثقلًا فى الحركة). أما السؤال الثالث فكان عن السبب – فى رأيك- لزيادة وزنك؟ و هنا توقفت طويلًا قبل أن تكتب: (بصراحة.. الاستخسار)!! فقد راجعت عاداتها الغذائية لتكتشف أنها لم تكن أبدًا مغرمة بالطعام فى حد ذاته، فقد كانت تأكل كل شىء، وفى أى وقت، وكانت غالبًا تأكل البواقى من باب الاستخسار. استخسار المجهود.. فقد كانت تستحرم إلقاء نعمة ربنا، وتستخسر التكاليف والمجهود فأضرت بنفسها وأساءت لها. قبلة الحياة بدأت مشروعها فى صمت دون أى إعلان أو.. صخب، كانت خائفة من الفشل، وكانت تدرك أنها ليست فى حاجة إلا إلى إرادتها وهى وحدها التى تملك مفاتيحها، فلتأخذ بالأسباب فى صمت ولتتحفظ على كل نواياها إلى حين أن تختبرها بالتجربة الفعلية. الزيارة الأولى للطبيب كانت تقليدية جدًا، بل استشعرت أنه لم يتحمس لها، بموضوعية شديدة عذرته، (سيدة فى الثالثة والخمسين من عمرها لم تمارس الدايت أبدًا وعاداتها الغذائية كلها خاطئة وقدرة جسمها على حرق الدهون متراجعة بحكم السن) فماذا ينتظر منها؟! منحها كتيب التعليمات وورقة بها النظام الغذائى الذى من المفترض أن تلتزم به لمدة أسبوعين.. لم تجرؤ على سؤاله عن الوزن المثالى الذى يجب أن تكون عليه ولم تحاول أن تستدرجه لحماس مصطنع لها أو تستجدى منه تشجيعًا قد لا تستحقه، بدأت على استحياء، وعلى مهل، عرفت العيش السن واللبن خالى الدسم ذا اللون الأزرق والزبادى اللايت ذا اللون الوردى وقطعة الجبن القريش والـ5 ملاعق فول بملعقة زيت واحدة.. والبيضة المسلوقة.. والفراخ المسلوقة.. والخضار السوتيه.. و5 ملاعق الأرز المسلوق والمكرونة البنى. هجرت المقليات وعرفت المشويات والمسلوق وأعلنت المطبخ منطقة محرمة، ممنوع التجول فيها أو الاقتراب منها بعد السابعة مساء.. عرفت الليل الطويل وأوجاع الجوع الشديدة وروائح المخبوزات الساخنة التى تهاجمها بلا رحمة من الفرن القريب من بيتها. اعتبرتها قضية مصيرية، استنفرت كل طاقات التحدى بداخلها وواظبت على المشى ساعة يوميًا. اشتركت فى الجيم لأول مرة فى حياتها.. تدربت على الأجهزة ومارست الأيروبكس والزومبا. كانت تجارب جديدة تمامًا عليها. استشعرت حرجًا كثيرًا فى البداية ثم ما لبثت أن انطلقت بعدما شعرت بالحيوية. وبدأت جبال الدهون تزلزل، وتتساقط كيلو وراء كيلو. بدأ الجميع يلحظ التغيير ويشيدون بها وبإرادتها، وبدأ الطبيب أيضًا يتحمس لها ويشجعها.  و بدأت تدرك أن الدايت لا يعنى الحرمان.. وأنك يمكن أن تستمتع بوجبات متوازنة مشبعة دون أن تؤذى نفسك. ولأول مرة تشترى ملابس جديدة بألوان فاتحة دون أن ينتابها الحرج والخجل من نفسها وشكلها ومقاسها.. تشترى وهى تشعر بأن للتسوق متعة ويحقق حالة من البهجة. بعد 365 يومًا تمامًا كانت قد خسرت 30 كيلو كاملة، نظرت يومها فى المرآة التى كانت تخاف منها وتتهرب من مواجهتها. فإذا بها ترى روحًا منطلقة فى جسد شابة. ألقت بحمولتها التى كانت تجثم على جسدها وروحها جانبًا وانطلقت. إنها تشعر الآن بأن الـ30 كيلو قد خصموا من عمرها 30 سنة هى الآن فى عمر ابنتها الصغرى (23 سنة بالتمام) لم تكن أبدًا متصابية ولكن خفة الجسد طالت الروح ومنحته قبلة الحياة. وتتوالى الإشراقات الخمسينية الأسبوع القادم