الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

ليالى الحـب والخصـام مع بديعة

الريحاني مع فرقته
الريحاني مع فرقته

لعل من أبرز ما اشتهر فى حياة نجيب الريحانى، قصة ارتباطه بالفنانة بديعة مصابنى، تلك المشاعر التى بدأت فى الشام، وعاشت فى مصر، وجسّدتها الصورة الشهيرة لـ «بديعة» وهى تودّع جُثمان رفيقها إلى مثواه الأخير.



فى أوائل عشرينيات القرن الماضى؛ سافر «الريحانى» لـ سوريا ولبنان، فى رحلة عملية فنية لعرض أعماله هناك، ولم يكن فى حسبانه أن تشهد تلك الرحلة اللقاءَ الأول مع حب عمره بديعة مصابنى.

وكما يذكر «الريحانى» فإنه فى إحدى تلك الحفلات ببيروت، لفتت نظره فى المقصورة الأولى- على حد قوله-  سيدة «بتلعلع»، وترتدى أفخم ملبس، وتتحلى بأبهَى زينة.

وتفاجَأ «الريحانى» بـ «بديعة» تحضر إلى حجرته بالمسرح فى فترة الاستراحة لتحيته، وهى تقول له فى دلال:« إلا أنت مش فاكرنى ولا إيه؟!.. أنا بديعة مصابنى إللى قابلتك فى مصر، وكتبت ويّاك كنتراتو، ولا اشتغلتش».

ووضّحت «بديعة» لـ «الريحانى» سببَ عودتها من مصر للشام، وعدم تقديم أعمال مع فرقة «الريحانى»، وكان ذلك لتسوية أمور قضائية عالقة بشأن عملها الفنى، وبسبب شهرتها أيضًا كراقصة فى لبنان وسوريا.

وأخبرته أنها التحقت بفرقة الممثل أمين عطا الله فى الشام، وسألته عن مدى نجاحها فى التمثيل إذا التحقت بفرقته؛ فتنبّأ لها «الريحانى» بمستقبل واعد تصل فيه إلى مراتب النجوم من أقرب طريق، وفى أسرع وقت.

وفى تلك الليلة؛ جَدّد «الريحانى» مع «بديعة» عَقد الالتحاق بفرقته، براتب شهرى بلغ حينها 40 جنيهًا، وكان أول اشتراك فعلى لها أثناء وجود الفرقة ببيروت؛ فظهرت فى أدوار غنائية.

وسافر «الريحانى» إلى سوريا ولبنان فى ذلك الوقت، لإحياء حفلات فنية هناك أمام الجمهور الشامى، ومكث هناك قرابة الـ ثلاثة أشهُر.

وفى بداية تلك العروض؛ قابل الجمهور الشامى شخصية «كشكش بك» بفتور، واتهموا «الريحانى» بانتحال الشخصية من ممثل سورى.

والحقيقة أن الممثل الشامى أمين عطا الله هو الذى انتحل شخصية «كشكش بك» أثناء عمله بفرقة «الريحانى» بمصر، واقتبس عددًا من المسرحيات، وأخذ يعرضها بالشخصية نفسها فى الشام بعد إدخال بعض التعديلات على الشخصية والروايات لتناسب طبيعة الجمهور.

ولمّا عادت فرقة «الريحانى» إلى مصر، بدأ الممثلون تنفيذ بروفات المسرحية الجديدة «الليالى الملاح». وقتها لم تعتد «بديعة» على قسوة وإجهاد البروفات؛ فكانت تصاب فى كثير من الأحيان بضغط عصبى، وإرهاق، وحالة من التوتر تصل إلى حد البكاء.

ويعترف «الريحانى» أنه كان يقسو عليها ليجعل منها عروسًا للمسارح، وكوكبًا يلمع فى أفق الفن، وكان يرى فى جمالها وقوامها ما يساعد على تكوين عقيدته تلك، لذلك لم يكن يولى غضبها أى عناية.

وظهرت «بديعة» فى «الليالى الملاح» آية فنية رائعة، كما يصف «الريحانى»؛ فأخذت لُبَّ الجمهور، واحتلت مكانة كبيرة فى قلبه، وحظيت بـ مكامن إعجابه، وزاد الإقبال، وتحسّنت الأحوال.

وبدأ جمهور المسرح يتحدّث عن الممثلة الاستعراضية الجديدة فى كل مكان. ثم شاركت فى الرواية التالية «الشاطر حسن»، التى لاقت نجاحًا كبيرًا، حتى جاءت الرواية الثالثة «أيام العز»، وفيها ارتكزت «بديعة» على أساس ثابت.

وأدّت «بديعة» دور أحد الضحايا فى مسرحية «ريا وسكينة»، بينما أدّى «الريحانى» دور سفاح يُدعى مرزوق، وقام الممثل حسين إبراهيم بدور «ريّا».

وكانت مسرحية «ريا وسكينة» من النوع التراجيدى، وحققت نجاحًا كبيرًا، إلى حد سماع صوت بكاء الجمهور، وصراخ السيدات من شدة تأثرهن بالمَشاهد الدرامية.

وحدث أنه أثناء عرض المسرحية فى يافا بفلسطين، وفى مشهد حامى بين «الريحانى» و«بديعة»، اشتد الحوار، قبل أن يطبق بأصابع يده على عنقها ليخنقها؛ تأثّر أحد المتفرجين بالمَشهد، وأخرج مسدسه وأطلق منه طلقة صوب «الريحانى» كادت أن تصيبه لولا العناية الإلهية؛ ففر هاربًا إلى الكواليس، تاركًا «بديعة» وحدها على خشبة المسرح.

أعدّ «الريحانى» مع صديقه بديع خيرى رواية «البرنسيس»؛ ليقدمها على خشبة مسرح «برنتانيا» بشارع عماد الدِّين، وخرج «الريحانى» فى هذه الرواية للمرة الأولى عن شخصية كشكش بك.

وأدّى «الريحانى» دور آلاتى بائس يُدعى «المعلم حسنين»، فيما أدّت بديعة مصابنى أمامه دور حبيبته «عيّوشة»، ونجحت الرواية، وتوطدت أقدام بديعة فى عالم التمثيل، وباتت ملكة متوّجة فى شارع عماد الدين.

واستمرَّ نجاح بديعة مع «الريحانى»؛ فشاركت فى روايات «الفلوس»، «لو كنت ملك»، ثم «مجلس الأنس»؛ وقتها عادت الدراما فى المقدمة وطغت على الكوميدى؛ فاشتهر مسرح رمسيس بقيادة يوسف وهبى، ومخرجه عزيز عيد.

الريحانى مع بديعة مصابني ليلة زواجهما
الريحانى مع بديعة مصابني ليلة زواجهما

 

 

قصة الزواج 

فى قمة تدهور أحواله المادية والمعنوية؛ قرر «الريحانى» عقد قرانه من بديعة مصابنى، باحثًا عن أى تعزية فى زواجه.

وذات يوم؛ خرج الزوجان فى نزهة بروض الفرج، وهناك سمعا شخصًا يصيح بصوت عالٍ « الحق يا جدع، تعال شوف كشكش الأصلى، ملك الكوموكودو، الحق قبل ما يلعب».

واستدعت بديعة هذا الشخص، ودار بينهما الحوار التالى:

بديعة: لكن يا أخينا كشكش الأصلى فى عماد الدين مش هنا.

الإعلانجى: لا يا ست هانم، دُكهه تقليد، لكن الأصلى هنا.

بديعة: طيب إزاى الأصلى يهزّأ نفسه فى روض الفرج، ويسيب التقليد يتمتع فى عماد الدين؟!

الإعلانجى: وإيه يعنى عماد الدين يا ست؟. فيه فى الدنيا أحسن من روض الفرج؟!.. دول العُشّاق يا هانم!.

وأنهى «الريحانى» هذا الجدل، وجذب بديعة ليشاهدا «الكوموكودو» و«كشكش التقليد». ورُفع الستار، وظهر كشكش وهو يرقص ويغنى و«يتمرمغ» فى الأرض؛ فخرج «الريحانى» وهو لا يتردد فى قرار السفر للخارج.

وسافر «الريحانى» بصحبة زوجته بديعة، ومعهما الممثلون فريد صبرى، ومحمود التونى، وجوجو ابنة بديعة، صوب أمريكا الجنوبية عن طريق باخرة صغيرة متهالكة تُدعى «غريبالدى»، فى رحلة بحرية استغرقت 25 يومًا. وألّف «الريحانى» فرقة من 8 أفراد، قوامها من أتوا معه من مصر، والباقى من هواة التمثيل بالجالية السورية بأمريكا الجنوبية، وامتلك المهاجرون السوريون وقتها نفوذًا كبيرًا لتحكّمهم فى مقاليد الأمور الاقتصادية هناك.

والمهم الإشارة إلى أن بديعة مصابنى ولدت بدمشق، قبل أن تهاجر مع والدتها إلى أمريكا الجنوبية، وتعيش هناك لفترة، لذلك فمن المرجح أنها  اقترحت على «الريحانى»الاتجاه صوب تلك القارة؛ لارتباطها بصلة قوية مع أبناء جاليتها هناك.

وقدّمت فرقة «الريحانى» الجديدة هناك العديد من العروض، سواء فى البرازيل أو الأرجنتين، والتى حظيت بإقبال كبير من أبناء الجالية السورية، ومواطنى تلك البلدان. وبعد عام من المكوث فى أمريكا الجنوبية، كانت بديعة فيها الظهر والسَّنَد لزوجها؛ انتقل «الريحانى» إلى باريس لمدة 15 يومًا، قبل العودة مرة أخرى إلى أرض الوطن مصر؛ ليبدأ صفحة جديدة مع شريكة حياته.

وألّف «الريحانى» بعد العودة، فرقة جديدة بدار التمثيل العربى، وكان لواء البطولة النسائية فيها معقودًا على مهمة بديعة مصابنى، والمطربة فتحية أحمد؛ فقدمت الفرقة روايات «قنصل الوز»، «مراتى فى الجهادية».

 

بديعة مصابني تعزف
بديعة مصابني تعزف

 

خلاف وصلح

فى تلك الفترة دبَّ الشقاق بين «الريحانى» و«بديعة»، بسبب شكواها المتكررة من إهماله لها، وتدخينه السجائر. وبعد المسرحية الأخيرة؛ ترك «الريحانى» الفرقة تعمل لحساب أمين صدقى، وانسحب منها.

ويقول «الريحانى»:« فى أثناء رحلتنا إلى أمريكا كنت أنتهز فرصة الخلو من العمل ساعة الظهيرة، وألعب برتيتة بلياردو، ولم يكن ذلك يرضى بديعة؛ فكانت تغضب وترمينى بالإهمال، وتكثر الشكوى منّى».

وكانت القطيعة بين «الريحانى» و«بديعة» فى عام 1925، بعدها تنقّلت بين الفرق المسرحية، قبل أن تؤسّس صالة «بديعة مصابنى» بعماد الدين، وتعمل لحسابها الخاص فى الرقص والطرب.

وفى أحد الأيام؛ دعت عائلة سورية تعيش بالإسكندرية «الريحانى» على وليمة عشاء، واندهش حينما رأى من بين المدعوين زوجته بديعة مصابنى- وكان الخلاف بينهما وقتها بلغ أشده-، وحضر أيضًا الحفل جورج أبيض وزوجته «دولت».

وجرى الحديث حينها بين الجميع بضرورة عودة المياه إلى مجاريها بين «الريحانى» و«بديعة»، وانتهت الليلة بعَقد الصلح بينهما، وعادت «بديعة» إلى حضن فرقة «الريحانى».

وبعد رجوعها؛ أدّت بديعة بطولة رواية «ياسمينة»، التى وضع ألحانها زكريا أحمد، ثم «أنا وأنت»، و«عشان سواد عينها»، وحالف النجاح الروايات الثلاث.

وأثناء تقديم الرواية الاستعراضية «مصر فى سنة 1929»؛ دبَّ الخلاف مرة أخرى بين «الريحانى» و«بديعة»، وتجددت أسباب النزاع، وأصبح الصفاء القديم فى خبر كان؛ فاتفقا على الانفصال مرة أخرى.

وبعد ما يقرب من عامَين؛ وقع «الريحانى» فى ورطة، إذ اعتذرت بطلة الفرقة حينها المطربة حياة صبرى عن السفر معهم إلى بلدان المغرب العربى فى رحلة فنية.

وقتها فوجئ «الريحانى» بـ بديعة مصابنى تعرض مرافقة الفرقة فى رحلتها، ورحب «الريحانى» بعودتها.

ومثّلت بديعة مع الفرقة بعض العروض فى تونس، ولكن فوجئ «الريحانى» بهروبها قبل أحد العروض فى الجزائر؛ فأسند أدوارها إلى فتحية شريف، وبهية أمير.

وصارت العلاقة بين «الريحانى» و«بديعة» على هذا المنوال، ما بين صفاء وجفاء، إلى انفصالهما تمامًا قبل وفاته بأشهر قليلة، ورُغم ذلك بقى الودُّ فى فؤاد «بديعة»، وبدا ذلك أثناء تشييع جثمان «الريحانى» إلى مثواه الأخير.