الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

العباسيـــة منتجـــع الأمـــــراء زمـــــان

قصر الزعفران
قصر الزعفران

«العباسية فى شبابها المنطوى واحة فى قلب صحراء مترامية، فى شرقيها تقوم السرايات وفى غربها تتجاور البيوت الصغيرة وحدائقها، أحاطت بها حقول الخضر والنخيل وغابات التين الشوكى. كانت العباسية الحى شديد الهدوء لولا أزيز الترام الأبيض بين الحين والحين فى مسيرته بين مصر الجديدة والعتبة الخضراء.



 

عند الأصيل يطوف بشوارعها عازف الرباب المتسول بجلباب على اللحم، حافيا جاحظ العينين، يشدو بصوت أجش لا يخلو من تأثير نافذ: «آمنت لك يادهر.. ورجعت خنتنى».

 

المستشفى الايطالى
المستشفى الايطالى

 

هكذا يصف أديب نوبل نجيب محفوظ، أهم معالم خريطة الحى، فى بداية روايته الأخيرة  «قشتمر»، التى رأى فيها كثيرون بعضًا من سيرته الذاتية، فهو أحد سكان الحى الذى جذبت جهته الغربية أسر الطبقة الوسطى، بعد أن استقرت عائلات السرايات فى جهته الشرقية.

ميلاد العباسية

يعود ميلاد حى العباسية  إلى عام 1848، حيث وثقت المصادر التاريخية أن أول ما بدأ التعمير فى المنطقة خلال العصر الفاطمى، فى مساحة 200 فدان، ويحدها من الشمال الظاهر ومن الجنوب الفجالة والغرب غمرة، والشرق شارع بورسعيد.

وتقول  أستاذ الآثار الإسلامية  الدكتورة  سعاد ماهر فى كتابها «القاهرة القديمة وأحياؤها» سميت بأرض الطبالة، وتعود قصتها إلى استنجاد أحد أمراء العراق «أبى الحارث أرسلان» بالدولة الفاطمية، إثر خلاف بينه وبين الخليفة العباسى القائم بأمر الله، فساعده الخليفة الفاطمى المستنصر وأمده بالجيش حتى تمكن من الاستيلاء على بغداد وأزال دولة بنى العباس، ففرح المستنصر وأهل مصر وأقيمت الأفراح ووقفت السيدة «نسب» وكانت طبالة المستنصر لترقص وتغنى، فتمنى عليها أن تطلب منه هدية، فطلبت منه أن يعطيها الأرض المجاورة للمقس «باب الحديد» الآن فأعطاها إياها.

 يؤكد هذه القصة أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة مختار الكسبانى، مستندًا إلى تمثال من البرونز لسيدة تحمل فى يدها «رقًا»  قد عثر عليه فى أرض الطبالة، ويعتقد أنه للسيدة صاحبة الأرض، وهو محفوظ فى المتحف الإسلامى، وذكر التمثال عالم الآثار الدكتور زكى حسن فى كتابه «الكنوز الفاطمية»، لافتًا إلى أن اسم هذه السيدة «الطبالة» هو الأميرة علم الحاكمية.

المستشفى اليونانى
المستشفى اليونانى

 

وبينما عمرت تلك المنطقة خلال العصر الفاطمى، هجرت خلال العصر الأيوبى، ثم سكنها الناس خلال العصر المملوكى، عندما حفر الناصر محمد ابن قلاوون الخليج الناصرى عام 725 هجرية.

وبحلول القرن 18 الميلادى كان الجزء الغربى من أرض الطبالة قد أصبح أرضا زراعية، تزرع فيها الخضراوات وبخاصة الفجل، فسميت بالفجالة، بهذا تكون  أرض الطبالة النواة الأولى.

 

الأمير فؤاد وزوجته شويكار
الأمير فؤاد وزوجته شويكار

 

منطقة جديدة 

وفقا للمصادر التاريخية عرفت المنطقة الواقعة من نهاية جبل المقطم والحسينية والدراسة جنوبًا، إلى منطقة الخليفة المأمون شمالا، ومن الشرق شارع صلاح سالم ومن الغرب منطقة غمرة، باسم «الحصوة» خلال العصر العثمانى فكانت أرضها مملوءة بالحصى والزلط.

ومنطقة «الحصوة» جزء من منطقة أوسع تسمى الريدانية، ويحكى المقريزى فى خططه «أن الريدانية اسم أطلق على بستان كبير أنشأه ريدان الصقلبى واحد من خدم الخليفة الفاطمى العزيز بالله»، وبعد وفاة الخليفة أصبح خادمًا لابنه الخليفة الحاكم بأمر الله إلى أن قتله الخليفة الحاكم عام393 هجرية.

 وأطلق على البستان وما جاوره من الأراضى الرملية الفضاء الممتدة من الحسينية إلى مصر الجديدة اسم «الريدانية»، ولايزال بالعباسية شارع شهير يسمى شارع ريدان.

 

ألمظ - عبده الحامولى
ألمظ - عبده الحامولى

 

و«الريدانية» استمدت شهرتها الكبيرة مما دار عليها من معارك حربية، أشهرها التى دارت بين آخر سلاطين المماليك الجراكسة «طومان باى» والسلطان العثمانى سليم الأول عام 1517م، وانتهت بالاحتلال العثمانى لمصر وشنق طومان باى على باب زويلة.

كما التقت على أرض الريدانية جيوش الحملة الفرنسية، بقيادة كليبر من جيش العثمانيين، وانتهت بالاحتلال الفرنسى لمصر.

ولم تعد هذه المنطقة «العباسية» تذكر حتى النصف الأول من القرن الـ19، فقد ظلت مجرد صحراء بشرق القاهرة، ويعتبر محمد على باشا هو أول من أعاد تعميرها، حيث شيد بها سراى أطلق عليها سراى الحصوة، هذه السرايا بيعت إلى عباس حلمى الأول عام 1847م.

 

القبة الفداوية
القبة الفداوية

 

 فى عهده، أصدر الوالى عباس حلمى الأول قرارًا دعا فيه الأمراء والباشوات والأعيان لبناء قصور لهم فى الحصوة، بعد أن عانى من مشاكل صحية صدرية، وكان الهواء الجاف هو علاجه، فكان ينزل من القلعة - مقر حكمه- ليتنزه، وذات ليلة أعجبه هواء منطقة الحصوة، فبات فيها ليلة وقرر إنشاء الحى الجديد الذى حمل اسمه.

لاقت الحصوة «العباسية» اهتماما من الأمراء والباشوات من أسرة محمد على، وشيد الوالى عباس سراى العباسية  «المعروفة بالخمس سرايات»، وأصدر أمرا عاليا بمعاقبة كل من يتخلف عن البناء فى المنطقة، وأصدر أمرا عاليا عام 1850م بإطلاق اسم العباسية عليها. ولكى يزيد عباس من أهمية العباسية قام بربطها بمنطقة الحسينية، فشق طريقًا يصل بين بوابة الحسينية وقصره فى العباسية.

وبدأ حى العباسية فى بداياته منطقة عسكرية لثكنات الجند، ومستشفى ومساكن للضباط، وقصورًا وسرايات الأمراء والباشوات، لكن بعد وفاة عباس الأول آلت سراى العباسية التى بالغ فى فرشها بأثاث من باريس، إلى ابنه إبراهيم إلهامى باشا، واشتراها فيما بعد الخديو إسماعيل.

 

عبدالرحيم باشا الدمرداش
عبدالرحيم باشا الدمرداش

 

اهم السريات

  من أهم سرايات العباسية سراى الزعفران، والتى تحكى قصصها وما دار فيها من أحداث، تاريخ مصر منذ عهد الخديو إسماعيل، مرورًا بالاحتلال الإنجليزى لمصر وثورة يوليو.

 السراى بناها الخديو إسماعيل لوالدته خوشيار هانم سنة  1864على أنقاض قصر الحصوة الذى بناه محمد على باشا، وبنى قصر الزعفران على طراز قصر فرساى فى فرنسا وأهداه لوالدته عندما اعتلت صحتها.

اشتهر القصر بحدائقه التى بلغت نحو 100 فدان زرع أغلبها بنبات الزعفران، فكانت رائحته تفوح فى المنطقة كلها.

تركت خوشيار هانم القصر، وسكنت فى قصر آخر يطل على النيل، ثم عادت لتسكنه مرة أخرى فى عهد حفيدها الخديو توفيق، طمع فيه الجنود الإنجليز بعد هزيمة عرابى واحتلالهم لمصر، فطلب الخديو توفيق من جدته إخلاء القصر، لإقامة الضباط الإنجليز الذين مكثوا 5 سنوات، واستخدموه أسوأ استخدام، وغادروه عام 1887 بعد أن طلب الأمير حسين كامل من الجنرال استفانسون «قائد جيش الاحتلال»  أن يدفع إيجارًا شهريا مقداره 50 جنيها، وبأثر رجعى خمس سنوات، فاستشار القائد الحكومة البريطانية فى الأمر، وجاءت النتيجة بالرفض.

من القصص فى قصر الزعفران، أنه كانت تقيم فيه إحدى زوجات الخديو إسماعيل، وهى أم الأمير فؤاد، وبعد أن تزوج الأمير فؤاد من الأميرة شويكار حفيدة إبراهيم باشا، كان أن أجبرها على الإقامة فى القصر مع والدته،  وعاشت فيه ثلاث سنوات، وشهد خلافات الأمير فؤاد وزوجته شويكار إلى أن هربت من القصر بمساعدة أخيها.

وفى عهد الملك فؤاد 1917، قررت الحكومة المصرية ترميم القصر، وتأثيثه ليكون دارا رسمية لضيافة الزوار الكبار، لتعود الأنظار إلى القصر عام 1936، بعد أن تحول قبلها بأربع سنوات إلى مدرسة ثانوية تحمل اسم فؤاد الأول. وشهد القصر توقيع معاهدة 1936 التى تعرف للآن فى بعض المراجع الإنجليزية بمعاهدة الزعفران. ومازالت المنضدة التى وقّعت عليها المعاهدة موجودة بصالون القاعة الرئيسية للقصر، الذى أصبح مقرًا لرئاسة جامعة عين شمس «جامعة إبراهيم باشا سابقا» بعد ثورة يوليو.

السراى الصفراء

من أشهر سرايات العباسية «سراى الجبل» التى شيدها الخديو إسماعيل على أطراف العباسية الشرقية وكانت من أفخم القصور التى بناها لسكنه الخاص، وخصص لها 2000 جارية وأغا، وحرّم دخول الرجال إليها، فأطلق عليها الإنجليز «ثكنات الحريم».

 ويروى أن النيران التهمت السرايا عام 1883 واشترك فى إطفائها 10 آلاف جندى، وشوهدت الجوارى يهربن بالمئات، وبقى من السراى المحروقة مبنى من طابقين محاطا بسور ضخم «أصفر اللون»، جعل العامة يطلقون عليها السراى الصفراء، وكانت السراى نواة مستشفى العباسية للصحة النفسية فيما بعد.

وتعددت الآثار الباقية بالحى منها «القبة الفداوية التى أنشأها الأمير يشبك من مهدى، فى عهد السلطان قايتباى، ومدفون فيها أحمد الرفاعى، صاحب الطريقة الرفاعية وأتباعه من الفداوية أو الفدائيين».

و«قبة المحمدى الدمرداش»، وأقيمت فى عصر قايتباى أيضا على بستان أهداه السلطان لأحد أمرائه واسمه المحمدى الدمرداش، الذى سلك طريق التصوف فيما بعد، وكان السلطان يعتقد فى كراماته، وكان من أحفاد المحمدى «عبد الرحيم باشا الدمرداش» الذى بنى المستشفى الخيرى «الدمرداش» 1928، كما بنى تكية بجواره لاستضافة أهالى المرضى، وهو والد الأديبة «قوت القلوب الدمرداشية» التى تبرعت بـ50 ألف جنيه لإنشاء المستشفى.

يبدو أن هواء العباسية النقى كان دافعا للجاليات الأجنبية لأن تبنى العديد من المستشفيات، ومنها المستشفى الإيطالى بشارع السرايات «أمبرتو الأول» الذى أنشأته الجمعية الإيطالية للأعمال الخيرية عام 1903، والمستشفى الفرنساوى «مستشفى القوات الجوية الآن»، فى شارع أحمد سعيد، وأنشأته الجالية الفرنسية عام 1901، والمستشفى اليونانى الذى أنشأته الجمعية اليونانية بالقاهرة عام 1912 فى شارع السرايات.

أمّا مستشفى دار الشفاء بشارع رمسيس، فقد أنشأته جماعة مصرية خيرية، وافتتحته الأميرة فوزية عام 1951، وصممه المعمارى الشهير ألبير زنانيرى، بحسب د. رفيق صلاح مدير منطقة السور الشمالى بوزارة الآثار، إلى جانب مستشفى الصدر والحميات، وعين شمس التخصصى.

ويقع أشهر قصور العباسية أمام جامع النور، قصر طلعت باشا حرب، رائد الاقتصاد المصرى، وهو الآن مقر لكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس، ويحمل القصر رقم 365 شارع رمسيس، بنى قبل عام 1920 ولم يسجل كأثر، وأنشأ طلعت حرب بالقصر مسرحا وقاعة سينما، وغنت أم كلثوم وعبد الوهاب على هذا المسرح، كما شهدت قاعة السينما عرض أول أفلام أم كلثوم «وداد».

يتوقف كثيرون عند مقهى «قشتمر» بالعباسية، التى اختارها نجيب محفوظ لتكون عنوانا لآخر رواياته،  كونها المكان الذى يجمع أبطال الرواية الخمسة، «صادق صفوان النادى، وإسماعيل قدرى سليمان، وحمادة يسرى الحلوانى، وطاهر عبيد الأرملاوى، والراوى الذى لا نعرف اسمه، ويخمن كثيرون أنه نجيب ذاته».

يسكن صادق وإسماعيل بيتين بسيطين من بيوت الطبقة المتوسطة، أما حمادة وطاهر فهما من أبناء السرايات والفلل، وبهذا تتقابل طبقتا مجتمع العباسية على قشتمر؛ لتبدأ الحكايات بين الأصحاب الخمسة، فتخبرنا عن حكاية مصر وتغيراتها منذ عام 1915 وحتى وقت كتابة الرواية، التى نُشرت عام 1988.

 

قصر طلعت حرب
قصر طلعت حرب

 

فى الأفلام

ووصف إحسان عبدالقدوس فى بعض رواياته البيئة الاجتماعية فى حى العباسية، وجسّد فيلم «أنا حرة» الحياة المحافظة وعلاقات الجيران. وأشهر شوارع العباسية رمسيس والعباسية وريدان، وشارع غرب القشلاق وأحمد سعيد، والقبة الفداوية، وشارع السرايات، شارع يشبك، وشارع شكرى الذى سكنه نجيب محفوظ، ومن أهم معالمها أيضا الكاتدرائية المرقسية، والكنيسة البطرسية .

ومن أكثر مدارس الحى شهرة: المدرسة الحسينية الثانوية التى درس فيها نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، ومدرسة القبانى والكلية القبطية، مدرسة راهبات سان جوزيف، مدرسة راهبات القديس يوسف.

وسكن العباسية كل من: جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وعبدالمنعم رياض، وليلى مراد وزكى مراد وعبدالمنعم مدبولى والراقصة نعمت مختار، عائلة ذو الفقار، فؤاد المهندس ووالده، وإحسان عبدالقدوس حيث منزل جده، ومحمد عبدالوهاب، وتوفيق الدقن، الذى سكن فى 6 ميدان مستشفى القوات الجوية.

وأيضا الموسيقار محمد الموجى الذى سكن فى «3 أ شارع البرادى»، فى العمارة التى بنيت على أنقاض قصر المطرب الشهير «عبده الحامولى»  بحسب روايات يتوارثها أهل الشارع الشهير، وذكر أن محفوظ عبدالرحمن ذكر فى مسلسل «بوابة الحلوانى» أن الحامولى كان يسكن العباسية.