الجمعة 7 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

تفاصيــل 7 سـاعـات للحكومـة فى ليبيــا

الرئيس السيسى: أمن مصر خط أحمر
الرئيس السيسى: أمن مصر خط أحمر

305 أيام فقط هى المدة الفاصلة بين إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسى عن خطوط مصر الحمراء فى الأراضى الليبية، وبتحذيرات من عدم تجاوز خط سرت- الجفرة، واتخاذ العديد من الخطوات الكفيلة بتدخل مصر لحماية الشعب الليبى الشقيق من مصير مظلم كانت تريده له قوى إقليمية ودولية، لم تنظر إلى ليبيا إلا كفريسة من الأيتام على مائدة اللئام !



لكن الخط المصرى الأحمر، المقترن بصدق النوايا وجدية العمل كان كفيلاً بأن يُعلم كل القوى المتربصة بليبيا أن الشعب الليبى ليس قبيلة من الأيتام، وأن أنياب اللئام التى بدت بارزة فى تلك الفترة لن تتمكن من نهش مقدرات أحفاد المجاهد «عمر المختار».

لم يكن أحد يتصور أن ذلك الوطن الليبى الذى وقف على حافة الهاوية فى تلك الأيام يترقب مصيرًا مجهولاً تدفع إليه قوى إقليمية مقامرة، بالتعاون مع نخبة سياسية متآمرة، يمكن أن يشهد كل تلك التحولات فى عشرة شهور فقط، توارت فيها وجوه لم تحمل سوى الخراب لليبيين، وجاءت بدلاً منها أخرى تتحدث عن الاستقرار، ومن بعده الإعمار، ما لم يدركه الليبيون فى عشر سنوات، بدا أقرب ما يكون فى عشرة شهور، فيتشكل مجلس رئاسى جديد، وحكومة تحظى بثقة البرلمان، بل تسابق الزمن من أجل إجراء الانتخابات فى الشتاء المقبل.

كل ذلك لم يكن ليتحقق لولا الوقفة المصرية القوية، والهبّة الحاسمة لإنقاذ ليبيا من أنياب الذئاب، لذلك لم يكن مستغربًا أن تكون أولى خطوات الإعمار، وبشائر الخير التى تطأ صحراء ليبيا الشاسعة بأقدام مصرية.

استراتيجية متكاملة

لم تكن زيارة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء الأخيرة إلى العاصمة الليبية، وبرفقته ثلث وزراء الحكومة المصرية مجرد زيارة بروتوكولية، أو حتى زيارة دعم ومساندة، لكنها كانت إعلانًا لمرحلة جديدة وميلاد فجر مختلف على الأرض الليبية التى ارتوت رمالها بكثير من الدماء على مدى 10 سنوات عجاف.

الزيارة هى بداية أمل حلم الإعمار، تتويجًا لخطوات الاستقرار، ونهاية لمرحلة ذاق فيها الليبيون كل ألوان «المرار»!

الزيارة يمكن النظر إليها من مستويات متعددة، بعضها سياسى وأمنى، وأغلبها اقتصادى وإنسانى، فما تم الاتفاق عليه فى تلك الزيارة، ليس فقط محاولة لرتق ما مزقته سنوات الاضطراب والخراب فى ليبيا، بل إنه ينطلق بأفق أبعد يتجاوز حتى مستوى العلاقات التى كانت قائمة قبل 2011.

فقد قطعت الحكومتان المصرية والليبية خطوة مهمة فى خطة إعادة إعمار ليبيا، إذ وقعتا 11 اتفاقاً للتعاون فى مجالات البنية التحتية والصحة والكهرباء والعمالة المصرية والنقل والمواصلات.

وأعلن مدبولى أن انعقاد اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين فى القاهرة سيكون قريباً، مشيراً إلى تدشين خط ملاحى بحرى بينهما لتشغيله فى وقت قريب، كما أعلن عن إنشاء جامعة مصرية فى إحدى المدن التى ستختارها الحكومة الليبية، وأوضح أن مثل هذه الخطوة ستسهم فى إعادة الروابط التاريخية العميقة بين الشعبين خلال المرحلة المقبلة، وأن مصر ستساعد فى إنشاء مستشفى فى طرابلس، بجانب إرسال قوافل طبية.

كل ذلك بالإضافة إلى إعادة فتح السفارة المصرية والقنصلية لتقديم الخدمات للجميع، عقب إجازة عيد الفطر، وإعادة الطيران المباشر من المطارات الليبية إلى القاهرة، وهو ما يشكل عاملاً مهماً للتعاون فى المجالات الاقتصادية الأخرى.

هذه الخطوات فى جوهرها، ليست مجرد استعادة لعلاقات طالما كانت ولعقود طويلة متميزة بين مصر وليبيا فى مختلف مراحل التاريخ، سواء فى عهد الملكية، أو طوال العقود «الجمهورية» فى البلدين، بل إنها تمثل استراتيجية متكاملة لاستكمال إجراءات حماية ليبيا، حيث تسعى مصر لتوظيف انفتاحها على جميع الأطراف فى ليبيا إلى تعزيز التكامل الاقتصادى بين البلدين والحيلولة دون دخول أطراف إقليمية تسعى لتحقيق أجندتها الخاصة تحت ستار من الدعم الاقتصادى، خاصة فى ظل توافر جميع عناصر الشراكة من القرب الجغرافى والروابط المشتركة وسهولة التحرك بين الجانبين، لكنه يواجه تحديات الاستقرار الأمنى الذى لم تصل إليه ليبيا حتى الآن.

 

مدبولى خلال زيارته لليبيا
مدبولى خلال زيارته لليبيا

 

الإرادة والإدارة

الحقيقة أن مصر لم يكن لها لتقدم على التحرك بكل هذه الثقة والقوة تجاه الملف الليبى، سواء بإعلان الخط «الأحمر» أو بالإقدام على إطلاق النهج «الأخضر» من أجل إعادة إعمار وبناء الشقيقة ليبيا، إلا إذا كانت تمتلك الإرادة السياسية والإدارة الفنية للوفاء بما تعلنه.

وإذا كان القاصى والدانى يعلم القدرات القتالية والتسليحية للجيش المصرى أقوى جيوش المنطقة، فإن ملف الإعمار يتطلب أيضًا العديد من الإمكانيات الفنية التى لا تقل أهمية عن المهارات القتالية.

وقد استطاعت مصر أن تراكم خلال السنوات الست الماضية العديد من القدرات التى هى محل احترام وتقدير قوى المنطقة المختلفة فى المجال التنموى، ولا سيما فى مجال البنية التحتية والبناء والتشييد بكل فروعها، فما يجرى من بناء وتنمية فى كل ربوع مصر ضاعف من القدرات الفنية والخبرات التى تمتلكها الشركات والكوادر المصرية فى مختلف التخصصات، وهو ما يعزز ثقة الحكومة على الإقدام على إعلان رغبتها فى مد يد العون للأشقاء فى ليبيا، بل فى دول عربية وإفريقية أخرى عندما تحين اللحظة المناسبة.

تبدو مصر حاليًا أكثر الدول استعدادًا للمشاركة فى إعادة إعمار ليبيا، والانطلاق غرباً وجنوباً فى عدة دول إفريقية، خاصة بعد نجاح الحكومة المصرية فى مشروعات المدن الجديدة والبنية التحتية. 

ففى بضع سنوات أثبت الاقتصاد المصرى، وفى القلب منه قطاع المقاولات والشركات الخاصة، قدرته على تنفيذ مشروعات تنموية كبرى، أبرزها العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الجديدة، ومشروعات تحديث البنية التحتية فى ريف مصر.

ولا يقتصر الأمر على التحركات الحكومية فحسب، إذ تتأهب الشركات المصرية العاملة فى جميع القطاعات لاقتناص الفرص المرتقبة بمجرد الإعلان عن خطط إعادة إعمار ليبيا، فمصر (الرسمية والشعبية) لديها الإمكانات والقدرات من خلال القطاع الخاص، بما يؤهلها للمشاركة بقوة فى عملية إعادة الإعمار.

ملف العمالة

العامل المصرى سيكون على رأس متطلبات الإعمار فى ليبيا، وبناء على طلب الأشقاء فى ليبيا أنفسهم، وقد وضح ذلك خلال زيارة رئيس الوزراء، وهى مسألة منطقية وطبيعية، فالعامل المصرى ليس غريبًا على السوق الليبية، وقد قُدر عدد العمال المصريين فى ليبيا قبل عام 2011 بما يزيد على مليونى عامل، لكن العدد تقلص مع التوترات السياسية والاضطرابات الأمنية التى مرت بها ليبيا إلى أقل من 300 ألف عامل.

ورغم الكثير من حوادث استهداف العمالة المصرية من جانب عصابات الفوضى على الأراضى الليبية، فإن الليبيين يعتبرون العمالة المصرية هى خيارهم الأول، لأسباب بعضها تاريخى وعاطفى، ومعظمها عملى واقتصادى، فبالإضافة إلى متانة أواصر العلاقة بين الشعبين، وسهولة التفاهم اللغوى والتجانس الإنسانى، فإن معدلات الجودة والإنتاجية التى يقدمها العامل المصرى، مقارنة بمعدلات الأجور تجعله فى مقدمة اختيارات المشغلين على الأراضى الليبية.

تحتاج ليبيا لأكثر من مليونى عامل مصرى لإعمار المدن المتضررة فى كل التخصصات، وقد شهدت الآونة الأخيرة بالفعل ارتفاعًا كبيرًا فى أعداد العمالة المصرية فى مدن الشرق الليبى، التى ساهم الاستقرار الأمنى بها فى انطلاق بعض مشاريع الإعمار.

استفادة متبادلة

الشركات المصرية، وبخاصة ذات الخبرة فى الأسواق الخارجية مثل «المقاولون العرب» الموجودة فى 23 دولة إفريقية عبر حزمة مشروعات إنشائية متنوعة ستكون الفائز الأول فى ملف إعادة إعمار ليبيا، خاصة أن هناك حاجة ليبية ماسة فى قطاعات بناء المستشفيات والمدارس والطرق والبنية التحتية.

وقد عرضت مصر خلال زيارة رئيس الوزراء تنفيذ مشروعات إسكان بمستوى عالٍ من الكفاءة وفى فترة زمنية قصيرة، والمساهمة فى تحديث وتطوير قطاع المياه ومحطات الصرف الصحى، وهو الملف الذى يحظى بأهمية بالغة بالنسبة للحكومة الليبية فى ظل التحذيرات المستمرة للأمم المتحدة من مخاطره الصحية على الليبيين.

وبخلاف قطاع المقاولات، ستكون ليبيا بحاجة إلى الصادرات المصرية من مختلف المنتجات، فالسوق الليبية استهلاكية بالمقام الأول، ويمكنها استيعاب جميع المنتجات بداية من البتروكيماويات والمستلزمات المنزلية والأجهزة المعمرة وغيرها، وهناك بالفعل خبرات للتعاون فى هذه القطاعات.

فوفقًا للتقييم الشامل للصادرات المصرية إلى إفريقيا خلال الفترة من 2011 حتى 2019، تتصدر ليبيا قائمة الدول التى تستحوذ على الصادرات المصرية إلى القارة السمراء،بنسبة 17.43 % من إجمالى الصادرات، وبقيمة بلغت 830 مليون دولار.

كما يمكن فى المقابل أن تستفيد رءوس الأموال الليبية من الحركة النشطة التى يشهدها الاقتصاد المصرى، وتنوع مجالات الاستثمار، وهناك أيضًا خبرات استثمارية ليبية فى السوق المصرية يمكن البناء عليها، حيث يقدر تقرير لوزارة الاستثمار أن الاستثمارات الليبية من أهم الاستثمارات القائمة والنشطة فى مصر من حيث الكم والكيف، فهناك 630 شركة تحمل مساهمات ليبية فى مصر، وجميعها يمثل شراكات كبيرة وناجحة، وكانت ليبيا ضمن قائمة الدول الخمس الأعلى من حيث حجم الاستثمارات فى مصر، غير أن استثماراتها أصبحت تأتى حالياً فى المركز الثامن، نظراً للاضطرابات الداخلية التى شهدتها البلاد عقب 2011.

ورغم كل تلك المؤشرات المبشرة، فإن طريق مصر نحو إعمار ليبيا لن يكون مفروشًا – كما قد يتصور البعض- بالورود، فكعكة إعادة الإعمار فى ليبيا من الضخامة بما يكفى لإثارة لعاب الكثير من القوى الإقليمية والدولية فى توقيت بالغ الأهمية، عقب تضرر كثير من الاقتصاديات الأوروبية والعالمية نتيجة تداعيات فيروس كورونا، وبالتالى فإن تكاليف إعادة الإعمار التى قدرتها الغرفة الاقتصادية الليبية المصرية المشتركة بنحو 100 مليار دولار على أقل تقدير، ستثير بلا شك شهية الكثير من الراغبين فى تعويض خسائرهم فى مرحلة ما بعد «كورونا».

وبالفعل هناك العديد من المؤشرات المهمة على مسارعة تلك القوى لمغازلة الداخل الليبى، فقد شجعت الخطوات السياسية الإيجابية خلال الآونة الأخيرة العديد من الدول لبدء اتصالات وتفاهمات مع القادة الجدد، فزار العاصمة طرابلس مؤخرًا رئيس الوزراء المالطى روبرت بيلا، وسبقه بساعات رئيس المجلس الأوروبى شارل ميشيل، وذلك قبل يوم من وصول رئيسى الوزراء الإيطالى ماريو دراجى واليونانى كيرياكوس ميتسوتاكيس، مع توقع مزيد من الزيارات للوفود الأجنبية فى الفترة المقبلة.

بالتأكيد لن يكون الأتراك بعيدين عن السباق، فما لم ينالوه بالسلاح سيسعون لالتهامه بمزاعم التعاون الاقتصادى، لكن بالتأكيد الشعب الليبى وقياداته باتوا يدركون تمامًا حقيقة نوايا كل الأطراف، ومَن يريد الخير لهم، مقابل مَن يزحف على أرضهم مرتديًا أقنعة الحملان ليخفى أنياب الذئاب.