السبت 10 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الجينــوم المصــرى.. رحلــة فـى مسيــــــرة 7 آلاف سنـة حضــارة

خريطة جينية للمصريين قريبا
خريطة جينية للمصريين قريبا

مشروع الجينوم المصرى هو أول رحلة بحثية علمية من نوعها للوقوف على خصائص الجينات المصرية.



أول رحلة علمية لكشف خصائص أقدم شعوب العالم حضارة وأول شعوب هذا الكوكب التى نشأت فى الوادى وأقامت أول قرية، ثم أول مدينة ثم أول دولة، عند حوض نهر النيل.

بتوجيهات رئاسية بدأت رحلة البحث فى إطار مشروع الجينوم المصرى لتدخل مصر مجالًا دخلته دول كبرى لمعرفة خصائص شعبها، بمردودات صحية واقتصادية كبرى.

 

د. سامح سرور
د. سامح سرور

 

 

فى ظل ما يمر به العالم من كوارث صحية، بات البحث العلمى ضرورة ملحة، تأتى فى مقدمة أولوياتنا، ليصبح مواكبة الاكتشافات العلمية إلزامًا وليس رفاهية.

التفات الإرادة السياسية لذلك وتشجيعها للبحث العلمى خاصة المجال الصحى كانت دفعة لمستقبل أكثر تقدمًا وتطورًا. 

مشروع الجينوم المصرى واحد من مشروعات القفز للمستقبل، حيث أعطى الرئيس عبد الفتاح السيسى إشارة البدء فى تنفيذه تحت مظلة أكاديمية البحث العلمى بمشاركة عدد من الجهات العلمية والتنفيذية، متمثلة فى وزارات الدفاع والصحة والاتصالات والآثار وأكثر من 15 جامعة ومركزًا بحثيًا ومؤسسة مجتمع مدني، لينتهى المشروع وفقًا للخطة التنفيذية نهاية عام 2025 بميزانية 2 مليار جنيه.

 وعقدت اللجنة العلمية لمشروع الجينوم اجتماعها الأول وسط إصرار من أعضاء اللجنة من العلماء المصريين فى الداخل والخارج على النجاح والمشى بخطى ثابتة فى طريق  التنفيذ الذى وصفوه بالأكبر فى تاريخ البحث العلمى.

فما هو مشروع الجينوم المصرى؟! وما هو علم الجينات عمومًا؟ هنا نقترب من تفاصيل المشروع وأهميته فى حوار مع الأستاذ الدكتور سامح سرور عميد كلية صيدلة جامعة حلوان، وعضو اللجنة العلمية لمشروع الجينوم المصرى.

 لنبدأ أولًا بفهم ما هو علم الچينوم وما هى أهميته ؟ومتى بدأ ؟

- «الچينوم هو كل الـ«دى إن إيه» فى الجسم ..وهو ما يحمل الشفرة الوراثية التى تحدد كل الصفات الوراثية للإنسان، هل هو  قصير أم طويل؟ لون العين.

..وكل كائن له الجينوم الخاص به، ولا يقتصر دوره على الصفات فقط، وإنما يكشف أيضًا الأمراض المعرض لها الإنسان، وهو ما يهمنا دراسته لنتعرف على شفرتنا الوراثية؛ وبالتالى نفهم طبيعة أجسادنا كشعب مصرى، ولأى نوعٍ من الأمراض نحن أكثر عرضة؟! وكيف نتعامل معها؟ وبالتالى كيف نقى أنفسنا من الإصابة بهذه الأمراض.

وأول من بدأ بفك الشفرة الوراثية حول العالم كان مشروع الچينوم البشرى التى كانت تقوده الولايات المتحدة الأمريكية عام 1990 وشارك فيه عدد كبير من الدول وأقيمت مؤتمرات لحل الشفرة البشرية لأول مرة، وللاهتمام بإنجازه تم الإعلان عن فك الشفرة فى 2003، وكان الرئيس كلينتون وقتها هو من أعلن عن ذلك فى الكونجرس.. وكانت أول مرة نستطيع فك الشفرة الوراثية للإنسان عمومًا.

ويجب أن نعلم أن البشر يشتركون فى المحتوى الوراثى بنسبة 99.9 %، ويختلفون فقط فى 0.1 % وهذه النسبة هى المسئولة عن كل الاختلافات فيما بيننا، لماذا لسنا متشابهين؟ لماذا تكون قابلية إنسان لمرض مختلفة عن الآخر، لماذا الآسيويون مختلفون عن الأفارقة وهكذا؟.

عندما قمنا بعمل الچينوم المرجعى للإنسان كان فك الشفرة الوراثية لتحديد التسلسل الوراثى وقراءة الـ DNA لدينا الذى يتكون من أربعة حروف، وجسمنا يتكون من 3 ملايين حرف، والاختلافات تحدد المحددات الجينية لكل عرق وكل مجموعة من البشر.

وبدأت كل دولة تهتم بجينوم مرجعى لمواطنيها فى بلدان كثيرة، ألمانيا ومقدونيا والسعوديةو الإمارات، فتحدد الجينوم الخاص بمن يعيش على أرضها للوقوف على ما يميز شعبها، وما يجعله مختلفاً عن غيره من الشعوب.

• ما هى مميزاته، ما هى قدراته، كذلك ممكن عن طريق الجينوم معرفة ما قد يتعرض له هذا الشعب من أمراض، كما يمكن الإجابة عن السؤال: لماذا لا يتعرض هذا الشعب لما تتعرض له شعوب أخرى من أوبئة؟

- عندما نفهم ذلك نبدأ بمقارنة الذين يعانون من أمراض وراثية كالقلب أو الضغط أو أمراض كالسرطان فنبدأ بتحديد الاختلافات، وما هى الطفرات التى قد تحدث عندنا كشعب وما قد نصبح عرضة له أكثر.

• هل ساعدت مومياوات الفراعنة فى خدمة دراسة الجينوم المصرى؟

-«لا أحد يملك حضارة مثلنا، فلدينا كنز من المومياوات نستطيع أخذ الـDNAلها ومعرفة الجينوم المحدد، ولذلك أهمية عظيمة فى معرفة واكتشاف أسرار جديدة عن وقت لم تكن وجدت فيه دول أخرى من الأساس، ولعل هذا ما يميزنا فى المشروع الجينى الخاص بنا كمصريين، لأنه لا يوجد قدماء فى الدول الأخرى لمعرفة أسرارهم وتحليلهم الجينى».

• وهل لاختلاط الأعراق لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم وجود أصل واحد للمواطنين الأمريكيين أى تأثير على الدراسة؟

- «هناك خلط بين الچينوم لتحديد الأصول والسلالات وبين الاستفادة من دراسة المحتوى الوراثى، ما يهمنا هنا هو تحديد چينوم مرجعى لمن يعيش على أرض البلد، بغض النظر عن أصولهم المختلفة، من اليونان، العرب، الأفارقة، المهم الشعب المنتمى للوطن وكيفية استخدام المعلومات فى المجال الصحى، حيث التوجه المستقبلى لما يسمى «الطب الشخصي».

• ما المقصود «بالطب الشخصى» ؟

- «عندما يأخذ فردان دواءً معينًا، نجد أحدهما يشفى، والآخر قد لا يستجيب بنفس القدر، هذا يرجع لأنه قد يكون له محددات جينية مختلفة؛ تجعل الأسباب مختلفة.

وعندما أعلم الخريطة الجينية لإنسان معين أستطيع بسهولة استنتاج العلاج المخصص له وكأننى «أُفَصّل له علاجًا مناسبًا له فقط» بما يسمى «الطب الشخصى»..  وهو مجال نحن فى الطريق إليه بقوة  لنواكب توجه العالم والبداية بالجينوم المرجعى.

والآن ندرس المحتوى الجينى لنربطه بالحالات المصابة بفيروس كورونا، ويستتبع ذلك التطور فى هذا المجال ما سيجعل لدينا خريطة لكل شخص فى المستقبل.

 

طفرة فى علم الجينات على مستوى العالم
طفرة فى علم الجينات على مستوى العالم

 

• وهل يوجد هذا التخصص فى الكليات المصريه؟ وأبحاث حول الطب الشخصى؟

- «نعم هذا العلم موجود وأنا كنت أُدرس علم الچينوم كمادة فى الجامعة  2007 وتمت مناقشة العديد من الدراسات والأبحاث والرسائل العلمية  فى هذا الصدد، وتوجد أبحاث دراسة الجينوم وبعض الجينات ومدى ارتباطها بالأمراض، واستجابة الأدوية، والآن بعد توجيهات القيادة السياسية اتسع المجال، وأصبح لهذا العلم مردود أوسع وستظهر النتائج سريعًا، خاصةً عندما ننتهى من العينة الممثلة للشعب كله، فسنتأكد من النتائج أكثر وأكثر .

• كيف ستتم آلية التنفيذ خاصة جزئية حصر المصريين لأخذ عينات؟

- أخذ العينات الممثلة للمجموعة هى علم من العلوم، فيه نستطيع حصر عينة ممثلة للمجموعة، وسنحتاج 100 ألف من مصر كلها من الشمال والجنوب، من الشرق والغرب، الصعيد والدلتا ومرسى مطروح، لذا كان من الضرورى أن يكون مشروعًا قوميًا تتضافر فيه كل الجهود، ويتم التنسيق بينها، لإمكانية إنجازه على أكمل وجه كمشروع قومى عظيم».

• وما هى الجهات المشتركة فى هذا المشروع القومي؟

- «المشروع تحت مظلة أكاديمية البحث العلمى، وهى تشترك فى التمويل، بمشاركة وزارة الدفاع ممثلة فى مركز الطب التجديدى، ووزارة الصحة، ووزارة الآثار، وجامعات القاهرة، وعين شمس، والإسكندرية، والنيل، والمنصورة، ومؤسسة مجدى يعقوب، والمعهد القومى للبحوث، ومتحف الحضارة المصرية.

إنه بالفعل مشروع قومى للعقد القادم فى المجال الصحى، وسيُحدث فارقًا كبيرًا سواء فى مجال البحث العلمى، أو فى رفع القدرات المصرية فى مجال دراسة الجينوم، وقد بدأنا نخطو فى هذا المجال وسط توقعات بطفرة علمية، والتوسع فى دراسة أنواع مختلفة جديدة، كالبكتيريا والفيروسات، وهى بلا شك إنجازات علمية مهولة».

• ماذا عن تمويل المشروع؟ يعنى من يتولى تمويله؟

- «التنسيق والتمويل من أكاديمية البحث العلمى فهى المظلة الوطنية، وكان محددًا للمشروع مبلغ مليار جنيه، لكن بعد توجيهات الرئيس أصدر وزير التعليم العالى د. خالد عبدالغفار قرارًا بمليار جنيه إضافية.

• ما المردود الاقتصادى من وراء هذا المشروع ؟

- «عندما بدأ العالم أبحاث فك الشفرة لإنسان واحد كانت التكلفة ملايين الملايين (بلايين)، أما الآن التكلفة وصلت إلى 1000 - 2٠٠٠ دولار للشخص الواحد، ومستقبلاً ستقل أكثر وأكثر، كذلك بعد أن كان فك الشفرة الجينية يستغرق 13 سنة، أصبح 8 أيام فقط، فأصبح الوفر فى التكلفة والوقت.

وكما قلت فى المستقبل سيكون أكثر توفيرًا وستصبح دراسة الخريطة الچينية جزءًا من روتين الصحة، وبالطبع سيصاحب ذلك مزيد من الدراسات، وما سيستتبع ذلك بالطبع من محاذير، وستكون الاستفادة فى صورة استثمار كما حدث فى أمريكا، حيث كان دخل كل فرد 175 دولارًا كمردود فى الدخل القومى فى صورة تطوير تكنولوجيا، وتسويقها وفتح شركات وازدهار فى أسواق العمل، حيث تتواجد دائمًا أسواق العمل القائمة على التكنولوجيا، فممكن بعد دخولنا فى هذا المجال والتوسع فيه أن نصبح خطًا لأفريقيا، وتتواجد مكاتب لبلاد أفريقية هنا فى مصر، فالاستثمار يكون دخله مباشرًا كأموال أو غير مباشر فى التكنولوجيا».