الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الحقيقة العاهرة

أخذتها دوامة الحياة، وجرفتها داخل أعماقها بكل انسيابية.. وظلت «تمطوح» فيها يمينًا ويسارًا.. تنقلها من واحدة لأخرى دون أن تشعر حتى أنهكتها تمامًا.. وأفقدتها عزيمتها على المقاومة، التى كانت دومًا سبب بقائها وسعيها لإثبات ذاتها داخل هذه الحياة، المليئة بالصراعات النفسية والوجوه المزيفة.. لم تكن على علم من البداية بأن تلك الحياة لها قوانين وشروط، يجب قراءتها جيدًا قبل الخوض فيها، فالداخل فيها مفقود والخارج منها مولود.. لكنها تغاضت عن قراءة هذه التعليمات، وتعاملت ببراءتها المعهودة دون تخوين.. معتقدة أنها سترى الحياة فى أزهى صورها.. لكن للأسف تلك الحياة الوردية المصورة فى مخيلتها، لم تكن سوى بورتريه يجمله عقلها الباطن، حتى لا يصيبها بالإحباط الواقعى والحقيقة المؤلمة التى ستراها بعد ذلك..فكان فضولها لاكتشاف تلك الحياة هو همها الشاغل فى ذلك الوقت.



انزلقت قدماها بالفعل وبدأت تبحر أكثر فى هذه الحياة، دون أن تحسب خطواتها جيدًا، بأن هناك ضريبة ستدفع من عمرها مقابل تبحرها هذا، بل وستجبرها أحيانا على خوض الكثير من المعارك بمفردها مع الزمن.. فتلك الحياة التى لا تعلم عنها شيئًا ستغير الكثير من شخصيتها إذ لم تكن من البداية قد أبرمت عهدًا مع نفسها، بأنها ستتمسك بمبادئها مهما قدمت لها الحياة من مغريات.. فكلما كانت تنخرط وتذوب فى مشاكلها وأعبائها، كانت تسترجع حياتها الهادئة التى كانت تنعم فيها بالسلام النفسى وراحة البال، وكأنها تطبطب عليها وتطمئنها بأنها مازالت محتفظة بنقائها الداخلى حتى لا يصاب بعدوى التشوهات النفسية المتناثرة حولها فى كل مكان.. لكنها للأسف فقدت ذلك الجزء المرح من شخصيتها.. فتلك الشخصية التافهة التى تعودت على وجودها فى حياتها، تاهت وتلاشت، بل وانطفأت بداخلها وسط دوامة الحياة، التى سحبتها إليها بسرعة البرق.. واستغلت طاقتها حتى ضمنت استحالة الخروج منها، خاصة بعد أن كشفت وجهها الحقيقى الغادر لها. 

سحبتها الدوامة تدريجيًا وأوقعتها فى أحضانها بكل غرور وتكبر كالعاهرة، التى تصطاد الشباب لتوقعهم فى شباكها بثقل هدوئها وغرورها المصطنع.. حتى تأخذ منهم ما تريد، لترمم به ما أفسده الزمن بداخلها.. فذلك المظهر الجميل للخداع الذى تظهر به أمامهم ما هو إلا ستار، تخفى وراءه بحرًا من العقد والمشاكل النفسية وخيبات الأمل التى تسبب الزمن فى إيذائها وخذلتها الأيام بارتكابها.. فكلما اقتربت من جمالها المغشوش، أذاقتك من مرارة حرقتها..لتتركك بعدها كالغريق بلا منقذ فى بحورها، وتذهب لغيرك. 

اشتدت الرياح وهاجت عليها الأمواج وحملتها عاليا من شدة قوتها، لتريها القبح المجمل لتلك الدوامة التى أسقطت نفسها بها، بشكل واضح وصريح.. وكأنها تريد أن تخبرها بحقيقة الحياة حولها، لتنفد بجلدها.. لكنها أغمضت عينيها عن تلك الحقيقة، وعاندت الاستسلام، وأصرت على السعى واستكمال تجربتها للنهاية.. لكن للأسف تلك الأمواج المتلاحقة لم تكن رحيمة عليها بالمرة، وكأن هناك ثأر تريد أن تأخذه منها.. فقد دغدغت عظامها وقطعت أنفسها، كلما حاولت الوقوف أمامها والتصدى لها.. فعلى الرغم من تناسق قوامها ورشاقتها، إلا أنها لم تتحمل صفعاتها القوية التى كانت تطرحها أرضًا.

شعرت فجأة بشىء ثقيل سقط بداخلها..كانت طاقتها، قد أوشكت على النفاذ.. نظرت بسرعة حولها تستنجد بأحد ينقذها ويمدها بالطاقة الإيجابية ويوقظ بداخلها شعلة الحماس من جديد لتتخطى به صعوبات تلك الدوامة قبل أن تغرق أكثر فيها.. لكن للأسف انفض الجميع من حولها حتى الذين كانت تعتقد أنهم مثال لصحبة الخير، أسقطت الأقنعة من على وجوههم وكانوا أول من أداروا لها ظهورهم وعاشوا حياتهم ولم يعيروا اهتمامًا لإغاثتها، بعد أن استغلوا طاقتها واستنفذوا حيوياتها، ليتركوها بمفردها تصارع، كمريض على فراش الموت يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل الرحيل.

حاولت أن «تضبش» أكثر بيدها كى ينتبه لها أحد، لكنهم للأسف كانوا يسيرون حولها كالنيام على وتيرة واحدة.. حتى رأت على مرمى بصرها طفلة صغيرة تقف على شاطئ الحياة وتنظر لها بحزن شديد وهى غارقة فى مسئولياتها وأعبائها.. أخذت تلوح لها لتساعدها.. فكانت بمثابة طوق النجاة الذى سيعيدها لحياتها بعد الخروج من دوامتها.. لكن للأسف تركتها تلك الطفلة ورحلت،  مثلما فعلت هى أيضًا معها من البداية، عندما أهملتها وتخلت عنها وانجرفت وراء هذه الحياة التى ساعدتها على نسيانها ونسيان نفسها معها.. علمت أن هذه الطفلة هى الجزء الجميل الذى كان يجعلها تنطلق وتجرى، تسعد وتضحك، ترقص وتغنى دون أى سبب.. حاولت أن تتوسل رجوعها، لكن للأسف حرمتهم المسافة من التلاقى.. فقد ندمت كثيرًا على تلك الصورة الزائفة التى صدقتها وزغللت الحياة بها عيونها.

وقفت ساكنة مكانها والدموع تغرق قلبها من الداخل على هذه الحياة..  وبدأ الحزن يأكلها، ويغير ملامحها الجميلة حتى حولها لفتاة باهتة اللون شاحبة الوجه..  تائهة فى عالم بلا معالم.. تحاول أن تداوى الحماقات التى ارتكبها الآخرون فيها وتضمد جروحها.. رفضت أن ترى نفسها فى تلك الحالة المزرية أو أن يتسلل بداخلها شعور بأنها مسلوبة الإرادة.. فقد حاولت أن تخرج من هذه الحالة التى كادت أن تقضى عليها تمامًا، خاصة بعد أن أصبحت بمفردها فى هذه الدوامة، التى من المستحيل الخروج منها.

استسلمت لتلك الحياة المؤلمة وبدأت تتأقلم مع واقعها الذى أصبح كل يوم بحال مختلف، بل وتحاول العيش مع صراعاتها.. فقد أنهكتها حقائقها المزيفة التى كانت تفاجئها أكثر بخداعها.. تجاهلت كل هذا، وشعرت فجأة باشتياق وحنين لنفسها ولتلك الحياة التى كانت مليئة بالمرح والسعادة من قبل.. الحياة التى كانت لا تبالى فيها بشيء، فقد حاولت أن تشد من أزرها وتعيد لنفسها بهجتها وتحيى بداخلها من جديد تلك الطفلة الشقية الدلوعة التى ضاعت فى زحمة الحياة وإيقاعها القاتل لكل ما هو مبهج.