الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

نادية لطفى.. يهودية؟!

اسرار وقصص وراء جريمة فى الحى الهادى
اسرار وقصص وراء جريمة فى الحى الهادى

كنت قد توقفت حول سؤال الراحلة نادية لطفى عن المقارنة بين فيلمها «أيام الحب» مع أحمد مظهر، وسهير البابلى، ومحمد رضا، وزوز ماضى، وفكرة الفيلم التى هى مزيج من ترويض النمرة أو الشرسة، والتى عولجت فى فيلم للبنى عبدالعزيز ورشدى أباظة باسم «آه من حواء»، وبين فكرة مسرحية «سيدتى الجميلة» التى قدمتها شويكار، وفؤاد المهندس، فى عز مجد مسرحهما، مع تقديم آخرين لتلك الفكرة فى أفلام سبقت فيلم «أيام الحب»، مثل هدى سلطان، وفريد شوقى، أو بعد فيلم «النشالة» لمحمود يس، ونيللى، وبعد ذلك فيلم «استاكوزا» لأحمد زكى، ورغدة، ولكن فى تسعينيات القرن الماضى.



 

ردت نادية لطفى أن فكرة الفيلم حلوة، ولا أستطيع أن أقول إنها مستوحاة من القصة العالمية الأصلية «سيدتى الجميلة»، عن قصة «بجماليون» لـ«جورج برنارد شو»، أو قصة «ترويض النمرة»، للكاتب الأصلى «وليم شكسبير»، لأنها مزيج من الاثنتين، فعلًا روحها نعم، لكن الأجواء مختلفة عن فنان يبحث عن تحدٍ بينه وبين المنتج والبطلة لأفلامه بعدما عايرته أنها سبب نجاحه، لذا قرر أن يثبت لها أن أى امرأة مكانها لو أخذت فرصتها أمامه سيصنع منها بطلة. ووقع الاختيار من خلال سياق الأحداث على فتاة شعبية لا تجيد القراءة ولا الكتابة وشعبية، وهى أنا بالفيلم، لتسير مراحل تعليمها، والحقيقة يمكن القول أنها أقرب لفكرة القصة الأصلية «سيدتى الجميلة»، لكن أيضًا فيها من ترويض النمرة.. بُصّى مش عارفة.

لأن البطلة كانت عنيفة. ومن المستحيل تغيير طباعها، وهذه التيمة صعوبة تغيير طباع البطلة لتصبح سيدة مجتمع  راقية، وفى ذات الوقت يسهل التعامل معها تغرى أى مؤلف بالاقتباس، وأى ممثلة لتقديمها، لأنها شخصيات متعددة شعبية وعنيفة وراقية وفيها تطور.

وأعتقد أن تمصير القصة أو القصتين وجد نجاحًا مع كل نسخة تم تقديمها سواء من خلالى أو من خلال شويكار أو لبنى عبدالعزير أو هدى سلطان.

وأعتقد أن السبب الرئيسى لذلك كان نجاح فيلم «سيدتى الجميلة» عالميًا، وحصوله على جائزة الأوسكار فى الستينيات، رددت عليها نعم فى 1964 والذى يعد واحدًا من أهم 100 فيلم أمريكى على الإطلاق حسب تقييم معهد الفيلم الأمريكى والبطلة كانت أودرى هيبورن مع ريكس هاريسون. 

الحقيقة.. كانت التيمة دى موضة جدًا فى أفلام الستينيات، وكل واحدة قدمتها بطريقتها وأسلوبها المختلف، وستظل تلك التيمة مغرية لأى كاتب سيناريو أن يأخذ روحها ويقتبسها ويشكل حولها سيناريو ببيئات مختلفة، وهذا لا يعد فلسًا فنيًا، بل لعب على فكرة ناجحة.

وحتى لو شاهدت نيللى مع محمود يس فى فيلم «النشالة»، سيُغريك الفيلم وستظلين حتى النهاية لمشاهدته رغم أنك تعرفين نهاية القصة كاملة، ونفس الأمر مع «استاكوزا» أحمد زكى ورغدة، فقد نجح الفيلم في أن يخرجك من دائرة الملل، وأحداثه طازجة معاصرة، لكن الفكرة تم تناولها، فهى قماشة مغرية، ولو أى ممثلة كان قد عرض عليها فيلم «أيام الحب» وقتها لما ترددت دقيقة فى قبوله لأنه مكتوب حلو. ويخرج طاقات الممثلة التى تريد أن تغير جلدها.

لاحظى أن الجمهور حتى الآن لا ينسى هذا الفيلم، ولا فيلم «آه من حواء» ولا «النشالة»، وهذا دليل على النجاح، حتى أن مسرحية شويكار وفؤاد «سيدتى الجميلة» لو تم عرضها يوميًا لن يمل أحد من المشاهدة.. شىء بديع.

أنا شخصيًا -وما زال الكلام لنادية لطفى- قدمت تلك الفكرة فى أكثر من فيلم، لا أتذكر أسماءها للآن، ففكرة التحول الاجتماعى والسلوكى فى شخصية المرأة من أسفل لأعلى تيمة لن تموت، ما دام فى الحياة تمثيل وكتابة وهنروح بعيد ليه؟ فمسلسلات كثيرة استوحت تلك التيمة فى الثمانينيات، والتسعينيات، وكانت أنجح مسلسلات، رغم أن المتفرج شاهد التيمة دى قبل كدا.. سيظل وحى «سيدتى الجميلة»، و«ترويض النمرة»، أيقونات أعلى الأعمال بالعالم، وليس عند العرب. 

وقد ظلت السينما المصرية وقبلها المسرح تُمَصِّر وتستوحى الأعمال العالمية، فمسرح يوسف وهبى اعتمد على الأعمال العالمية، ومسرح نجيب الريحانى كان يمصر الأعمال الكبيرة. ولما ظهرت السينما كان التمصير سيد الموقف حتى فى أفلام لمحمد عبدالوهاب كانت ممصرة ومقتبسة.

دا حتى أنا وشويكار لما كنا نتقابل أو يجمعنا مكان كنا ننسى أنفسنا وندخل فى مباراة فى المشاهدة بطريقة عفوية، وأتذكر ذات صيف كنا معزومين عند حد من حبايبنا وكانت شويكار وهدى سلطان لكن بعد ما انفصلت عن فريد شوقى وظللنا نمثل ونتبارى مع بعضنا البعض لدرجة أن صديقًا لنا من خارج الوسط قال: ناقص لبنى عبدالعزيز وتكمل، فضحكت هدى سلطان وقالت له: رشدى أباظة هنا.

وأعود فأقول إن السينما المصرية قدمت روائع الأدب العالمى بنكهات مختلفة وكلها ناجحة، محدش كان بيقلد حد لا فى التمثيل ولا الأسلوب ولا المفردات للكلمات ولا الجو العام الدائر فيه تيمة العمل.

ويمكن نجاح فيلم «سيدتى الجميلة» وحصوله على الأوسكار. دفع كثيرًا من المؤلفين وكتاب السيناريو حول العالم للاقتباس، لكن لا يمنع أن السينما المصرية رغم الإمكانات وقت الستينيات كانت موفقة أيضًا.

أسالها عن واحد من أهم أفلام حقبة الستينيات لها وهو «جريمة فى الحى الهادى»، بطولة رشدى أباظة، وزوزو نبيل، وسهير المرشدى، وأتوقف عند أشياء كثيرة جدًا حول الفيلم الذى أنتج فى 1967 وهو كيف قبلت أن تقدم دور يهودية مقيمة بمصر، وكارهة للبلد، وتجند مصريين للتجسس، وتستخدم من جسدها أداة للإغراء، وراقصة فى ملهى ليلى؟ أعتقد أن ذلك الدور كان بالنسبة لك نقلة من أدوار البراءة والنعومة إلى الأدوار المفتوحة حبتين، والتى كانت لها ممثلات يقدمنها بكل أريحية، فنادية لطفى ليست تلك التى ترتدى ملابس إغراء لتقدم دور راقصة، ونادية لطفى وقتها كان لها شكل معين فى أدوارها.

قالت نادية لطفى إن هذا الفيلم واحد من الأفلام المهمة فى تاريخ السينما، وهو مقتبس عن قصة أصلية حقيقية عالجها وقتها وأنتجها المرحوم حسن رمزى والد المنتج محمد حسن رمزى، وهدى رمزى، وجد شريف رمزى حبيبى، والفيلم كان يقدم دور المخابرات المصرية فى رصد الشبكات التى كانت تزرعها إسرائيل داخل مصر وقت الحرب، وكنا وقتها فى عز حربنا مع اليهود، والحقيقة كان الإنتاج فى تلك السنة واللى بعدها يبدأ فى النضوب، لكن الحقيقة أنا واحدة من الفنانات اللائى كانت لهن أعمال كثيرة فى الحقبة دى، وفى هذه السنة واللى بعدها، لأنى قررت ألا أرفض أي عمل يقدمني في شكل مختلف، ودور اليهودية مغرٍ لى ولغيرى، وأعتقد نجحت فى تقديمه بشكل أنتِ الآن تسأليننى عنه ولا إيه؟ 

قلت لها طبعًا، حتى أى ممثل قدم بهذا الفيلم دورًا يُعد من ألمع أدواره للآن، وكلامى عن الأستاذة سهير المرشدى، وزين العشماوى، وحبيبنا رشوان توفيق، الذى يعتز بهذا الدور جدًا، دور اليهودى، وذات مرة قال لى إن هذا الدور صاحبه الأصلى تم شنقه.

قالت صحيح الفيلم حلو.. 

عدت لأقول لها: لو قارنت بين موقفك فى قبول الفيلم وتقديم دور اليهودية الجاسوسة لمصر وبين رفض صديقة عمرك الراحلة سعاد حسنى لقبول تقديم فيلم «الصعود للهاوية»، الذى يجسد دور مصرية خانت بلدها يجعلنى أقول هل رفضها مستوحى من رد فعل الجمهور تجاه دورك فى «جريمة فى الحى الهادى»؟ أم من ماذا؟ ردت بانفعال: ومن قال إن الجمهور كرهنى فى «جريمة بالحى الهادى»؟ بالعكس، أشاد به النقاد.. قلت لها: إشادة النقاد شىء وتقبل الجمهور شىء آخر، خاصة أننا وقت حرب مع العدو، وفى ذات الوقت الجمهور لم يتعود منك على هذا النوع من الأدوار الصادمة بالنسبة له، والأكثر أنه لم يكن ذلك الجمهور بتاع النهاردة اللى يقدر يفرق بين الممثل والدور، وإن دا تمثيل وحلو أو وحش؟ الثقافة دى للجمهور لم تكن جامدة كدة. فقط فى شرايح بسيطة ومعها النقاد الذين كان يتم توجيه الاتهام لهم بأن أدوارهم فى أفلام تلك الحقبة أنهم موجهون، أو حسب المعاملة من المنتج والمخرج والممثل لهم.