الخميس 17 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«الثـقـافـة السـوداء» سـبـب الإدمـان.. معلومات مغلوطة عن المخدرات بين الشباب !

حاورتـه: أسـرة صبـاح الخيـر



حضر من أسرة مركز علاج الإدمان د. إبراهيم عسكر ود. هوانم الفقى وعمرو حسن

أعد الندوة للنشر: مصطفى عرام

قبل أربع سنوات، كانت مصر من الدول المرتفعة فى نسب الإدمان، وخلال فترة قصيرة انخفضت النسب بشكل ملحوظ وفقًا للإحصائيات الدولية، من خلال مجهودات مباشرة لـ «صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى». ركز الصندوق على حملات إعلامية ساهمت فى تراجع ملحوظ للإدمان أكثرها شهرة «أنت أقوى من المخدرات» التى شارك فيها اللاعب الدولى محمد صلاح، فكان من ثمار هذه الحملات أن تضاعفت أعداد طالبى خدمة العلاج بالاتصال على الخط الساخن 16023 أربعة أضعاف حتى أصبح متوسط الحالات فى العام 100 ألف، كما ارتفعت نسبة طالبى العلاج من الإناث من 1.5 %إلى 8 %، وإحصاءات أخرى كثيرة كشف عنها الدكتور عمرو عثمان رئيس صندوق مكافحة الإدمان فى ندوة بصالون صباح الخير.

 

تحدث دكتور عمرو عثمان خلال لقائه بأسرة المجلة عن محاور عمل الصندوق وأهمها الوقاية المبكرة من خلال تكوين روابط من الشباب المتطوعين الذين بلغ عددهم قرابة الـ 30 ألف متطوع، من أجل تدريبهم على تنفيذ حملات طرق الأبواب للتعريف بالصندوق والإسهام فى توجيه طالبى خدمة العلاج إلى الخط الساخن.

 وذكر الخدمات التى يقدمها الصندوق للمتعافين بعد إتمام شفائهم طبيا ونفسيا واجتماعيا، عبر إعادة دمجهم فى المجتمع، وإمكانية حصول المتعافى على قرض من خلال الصندوق ليبدأ حياة جديدة تضمن عدم حدوث انتكاسة مستقبلا، مع التأكيد أن جميع خدمات الصندوق تقدم مجانا لطالبى العلاج.

وفى إطار خطته أسس مركزًا لرصد مشاهد الترويج للمخدرات من خلال الدراما، وصياغة آلياتمواجهة الأمر بصورة إيجابية.

حضر الندوة الدكتورة هوانم الفقى أحد المسئولين عن العلاج بالصندوق، والدكتور إبراهيم عسكر، الذى سرد لنا تجربة الصندوق فى حى الأسمرات وفقا للتوجيه الرئاسى، وثلاثة نماذج من «الشباب الأبطال المتعافين» الذين سردوا لنا الكثير من الأسباب والمفاهيم المغلوطة التى أدت بهم إلى الإدمان.

وتفاصيل أخرى فى صالون صباح الخير.

صباح الخير: كيف كانت نسب الإدمان، وما أصبحت عليه من تراجع ؟

د. عمرو عثمان : نسبة التعاطى كانت نحو 10 % والإدمان كان 1.8 %، وفقا لآخر بحث علمى أجريناه فى 2014، حاليا النسب مبشرة بشكل كبير، ويوجد انخفاض ملحوظ وفقا لحملاتنا فى الكشف على التعاطى، فمثلا حملاتنا للكشف عن التعاطى فى الجهاز الإدارى للدولة فى مارس 2019، كانت نسبة التعاطى 8 % وبتوجيهات من الرئيس عبدالفتاح السيسى بدأنا فى تكثيف هذه الحملات بشكل كبير، ومن مارس 2019 حتى الآن، أجرينا كشفا على ربع مليون موظف وهو رقم ضخـــم، واســـتطعنا تخفيض نسـب التعاطــى من 8 % إلى ما يقـــرب مــــن 2 %، أى معدل انخفاض قدره 60 %.

وبدأنا الحملات الخاصة بالكشف على سائقى أتوبيسات المدارس عام 2015، وكانت نســـبة تعاطــــى مـــــواد مخـــــــدرة بينهـــم نحو 12 %حاليـــــا، وأصبحــــت تتـــــــــراوح بين 1٫5 و2 %، وفى المرحلة الحالية جاءنا نحو 30 ألف موظف يطلبون خدمات علاج الإدمان، خوفا من وقوع الكشف عليه فتقدموا طواعية للعلاج.

أحيانا يأتينا شباب ويخبروننا أنهم يريدون التدريب على التوعية فى المدارس، البعض الآخر يتدرب على العمل على الـ«سوشال ميديا»، وبالمناسبة، فإن صفحتنا على الـ«سوشال ميديا» وصل متابعوها لـ 2 مليون وهى من أكبر الصفحات الحكومية كـ «ترافيك»، ونسبة 86 % فى المتابعين من الشباب.

وأضاف د. عمرو: أن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى معنى بأكثر من محور ضمن سياسته أولها «الوقاية» بالتعاون مع 11 وزارة معنية وتستهدف ما يسمى بالرقابة الأولية لتوعية من لم يسقطوا فى مشكلة الإدمان بعد، وثانيا نعمل على الاكتشاف المبكر والإنقاذ المبكر لمن هم فى مرحلة التعاطى قبل الوصول لمرحلة الإدمان، ثالثا وأخيرا العلاج والتأهيل والدمج المجتمعى. وللأسف كثيرون جدا غير مقتنعين بوجود ما يسمى التعافى من الإدمان، ويرون أن من بدأ هذا الطريق لا عودة منه وأنه انتهى وهذا خطأ كبير نحرص دوما على نفيه وإثبات عدم صحته، من خلال محور الوقاية، فإننا نعتمد فيه على الشباب بشكل كبير، ونشرف بأننا لدينا رابطة من المتطوعين يبلغ تعدادها 29 ألفا و500 متطوع، أى 30 ألف شاب متطوع تقريبا نسبة 70 % منهم من طلبة الجامعة، ودائما نقول إن التوعية من شاب إلى شاب، يكون لها أثر أكثر من رائع. 

ونعمل بقوة على ضم كثير من المتطوعين لمشاركتنا فى سياق توجهات الدولة بتمكين الشباب.

صباح الخير: هل يشترط فى المتطوعين أن يكونوا من المتعافين ؟ 

د. عمرو عثمان: إطلاقا، فنحن لدينا فى الصندوق نوعان من المتطوعين، الأول هم المتطوعون فى مجال الوقاية، وهم بالأساس لم يدخلوا فى دائرة الإدمان، وهؤلاء من يقارب عددهم الثلاثين ألفا، والثانى هم المتطوعون من «المدمنين المتعافين»، وهؤلاء دورهم معنا الوصول للفئات المستهدفة بشكل كبير، من خلال التواصل معهم لإقناع المدمنين بوجود تعافى حقيقى، وتشجيعهم على اتخاذ الخطوة نحو التعافى، من خلال إبلاغهم بوجود خط ساخن للتعافى من الإدمان، سيجدون منه المساندة بمجرد الاتصال بالرقم الخاص بـ «صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى» وهو «16023».

 صباح الخير: كم عدد الاتصالات التى تصلكم على الخط الساخن؟

د. عمرو عثمان: حوالى 100 ألف مريض إدمان يتصلون سنويا، وكانت المعدلات أقل بكثير فيما قبل، كنا ندور فى فلك 25 ألف مريض إدمان فى السنة، وهذا قبل 2014 فى العام الماضى وصلنا إلى 162 ألفا. 

صباح الخير :بعض الشباب يخشى من أن يتسبب الاتصال فى رصد رقم هاتفه – حسب تصورهم ؟

 د. عمرو عثمان : الخط الساخن «16023»، يقدم الخدمة فى سرية كاملة، فنحن لا نسأل المتصل أبدا عن أى بيانات، كذلك فإن الخط الساخن ليس مقصورا على إحالة طالب الخدمة إلى المستشفيات العلاجية، بل يوجد أكثر من خدمة تقدم من خلاله، منها «خدمة المشورة» كما نتلقى استفسارات أى «أب أو أم» لإفادتهم فى كيفية الاكتشاف المبكر لتعافى أولادهم كما يختص الخط بتلقى البلاغات عن مراكز علاج من الإدمان غير المرخصة أو التى بها ممارسات غير آدمية تنتهك حقوق مريض الإدمان.. ونحن بدورنا ننسق مع الجهات المعنية، أو اشتباه إحدى الأسر فى تعاطى قائد إحدى الحفلات المدرسية، وتتم الاستجابة خلال ساعات.

 لدينا خدمات متكاملة من خلال الخط الساخن حول كل ما يتعلق بالمخدرات، بل بدأت تأتينا بلاغات عن «بؤر الإتجار» فى الشارع ولدينا عشرات المكالمات فى هذا الإطار بالتنسيق مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، خصوصاً أن مساعد وزير الداخلية لمكافحة المخدرات «عضو مجلس إدارة» فى الصندوق، وكذلك المستشار النائب العام ونتحرك بالتنسيق معهما فى هذا الصدد.

حملة «محمد صلاح» التى نفذها الصندوق شاهدها نحو 30 مليونا على الـ «سوشيال ميديا»، واعتبرتها «وزارة الأمن العام» فى الصين من الحملات النموذجية على مستوى العالم وترجموها للغة الصينية، أيضا هذه الحملات ترجمت لـ 5 لغات، واعتبرتها الأمم المتحدة نموذجًا فى مجال الوقاية من المخدرات. 

والحملة الأخيرة التى أعددناها بالتعاون مع «الشئون المعنوية» وبمشاركة البطل «أحمد عبداللطيف» «الذى حدث له بتر فى قدمه نتيجة مداهمة فى شمال سيناء» وحققت أثرًا رائعًا، وشاهدها على الـ «سوشال ميديا» 21 مليونًا، وكان التفاعل معها كبيرًا جدًا.

وبدأنا نفكر فى شىء جديد بالتعاون مع صناع الدراما، خصوصا أننا فى مرحلة سابقة كان لدينا قلق بالغ من ارتفاع مشاهد التدخين والمخدرات فى الدراما، وأنشأنا مرصدا إعلاميا لرصد عدد الدقائق التى تحوى مشاهد بها «تدخين ومخدرات» مع تحليل مضمون لهذه النتائج. 

ففى 2014 على سبيل المثال، وجدنا 108 ساعات بها مشاهد تدخين ومخدرات خلال شهر رمضان، وكانت نسبة 80 % منها مروجة للمخدرات، لربطها المخدرات بالقدرة الجنسية أو القدرة البدنية أو السعادة أو «الدم الخفيف» والقبول الاجتماعى وما إلى ذلك، لكننا خضنا رحلة طويلة مع صناع الدراما ونظمنا ورش عمل بشكل مستمر ودراسات، وبروتوكول تعاون مع «نقابة المهن التمثيلية»، والعام الماضى – بعد رحلة كفاح طويلة – استطعنا تخفيض النسب بشكل كبير، بل بدأنا التنسيق مع صناع الدراما فى أثناء الورش من أجل تناول هذه القضية بشكل كبير. 

يكمل: الآن حدثت نقلة نوعية فى تناول الدراما بعد أن كانت مغذية لثقافة المخدرات، ولاحظنا جميعا منذ نحو العام أنه أصبح هناك تناول رشيد من الدراما لقضية المخدرات.

 صباح الخير: ما الفرق بين المدمن والمتعاطى؟

 د. عمرو عثمان: مبدئيا رحلة المخدرات تبدأ بأكثر من مرحلة، الأولى «التجربة»، بمعنى أننى أرغب فى تجربة المخدرات ومعرفة ماهيتها، المرحلة الثانية يطلق عليها «شهر العسل مع المادة المخدرة»، والمقصود هو تعاطى المخدرات على فترات بلا انتظام وصولا إلى «مرحلة التعاطى» أى تعاطى المخدرات على فترات متباعدة.

وطالما يتم تناول المخدرات على فترات، فإنه يطلق عليها «التعاطى»، أما إذا بدأت مرحلة الاعتماد النفسى والجسدى على المخدرات بمعنى «مش هعرف أصحى إلا بالاصطباحة» أو مش عارف اشتغل دون المخدرات وهنا تكون بداية الإدمان، وبالوصول إلى مرحلة الإدمان، فإن المدمن لا يركز فى أى شىء فى حياته إلا فى تعاطى المادة المخدرة وقد يضطر المدمن للسرقة أو الإقدام على أى فعل مهما كان للحصول على المخدرات.

فى مرحلة الإدمان يخسر كل شىء فى حياته صحته، أصدقاءه، أمواله، أسرته وهنا لابد من اتخاذ «قرار العلاج والتعافى»، ولو لم يتخذ القرار فأمامه طريقان، إما الموت وإما السجن.

 صباح الخير: بعض الشباب يقولون «أنا باشرب حشيش بس ما أدمنتش» أو أى مادة مشابهة، لكن الهيروين والكوكايين هو الإدمان.. فما تفسيرك؟

د. عمرو عثمان : «الحشيش يسبب اعتمادا نفسيا بشكل قطعى، أى «إدمان»، هو اعتمادية نفسية على المادة المخدرة بشكل كبير، بمعنى آخر، فإن نسبة 27 % ممن يتصلون على الخط الساخن «16023» يطلبون العلاج من مخدر الحشيش. 

وبمناسبة المواد المخدرة الأكثر انتشارا، فهى بالترتيب : الترامادول، يليه الحشيش، ثم الهيروين والترامادول متصدر لأنه مرتبط فى الثقافة العامة لدى المدمنين والمتعاطين بالقدرة البدنية والقدرة الجنسية وما إلى ذلك، وتأثيرات الترامادول غاية فى الخطورة، ورصدنا فى الفترة الأخيرة «حالات صرع» كثيرة جدا بسبب تعاطى الترامادول.

وقد أضفنا تجربة جديدة لما بعد العلاج هى مرحلة «التمكين الاقتصادى» التى تشمل التدريب لمن يرغب فى التدرب على حرفة يحتاجها سوق العمل، ومن يرغب فى إقامة مشروع فإننا نعد له دراسة جدوى ننسق مع بنك ناصر لتقديم قروض لدعم المشروعات الصغيرة.

صباح الخير: لماذا يتجه ذوو الأعمار الصغيرة للإدمان فى ظاهرة جديدة تواجه مجتمعنا, وخصوصا أننا اعتدنا أن من ينزلقون فى هذا الاتجاه يكونون من أعمار كبيرة نسبيا؟

د. عمرو عثمان: السبب الرئيسى تراجع دور الأسرة، فمن خلال رقم مختصر يمكننا أن ندرك موضع دور الأسرة، إذ لدينا 58 % من مرضى الإدمان يعيشون بالفعل مع الأب والأم، وهذا يدل على أن الوجود هو وجود جسدى يفتقر إلى الاحتواء، ولا يعى معنى الوقاية الأولية، ولا يعرف ما المقصود بالاكتشاف المبكر، بل تأتينا حالات إدمان لمدة 10 سنوات والأب لا يعلم تماما وكذلك الأم، فالتراجع فى دور الأسرة أثّر بشكل كبير فى تدنى أعمار التعاطى بصورة واضحة، وأكثر الفئات التى تأتينا الآن هى الفئات العمرية من 15 إلى 25 عامًا.

ولدينا أيضا نسبة غير قليلة ممن يتقدمن للعلاج من الإناث، فسابقا كانت نسبة من يتقدم للعلاج من الإناث 1.5 % حاليا وصلت النسبة إلى 8 %.

 صباح الخير: ما الذى يدفع الشاب للإدمان؟

د.عمرو عثمان : لدينا أسباب كثيرة، منها افتقار بعض الشباب لمهارة قول «لا للمخدرات» ثم يأتى ضغط أصدقاء السوء أساسيًا فى الانزلاق إلى مشكلة المخدرات وإضافة انتشار المفاهيم المغلوطة المتعلقة بمشكلة المخدرات، فكثير من السائقين يتعاطون المخدرات بوهم أن المخدرات تساعده فى العمل لفترات طويلة، أيضا يتعاطاها الكثيرون اعتقادا منهم أنها تزيد القدرية الجنسية، وكل ذلك أوهام نسميها «الثقافة السوداء للمخدرات»، وهى تساعد بشكل كبير فى انتشار مشكلة المخدرات. 

المشكلة الجديدة والأزمة أن هناك كثيرًا من الشباب يتعاطون المخدرات بزعم أنها تجعلهم «كول»، وهذا من ضمن المفاهيم المغلوطة الشائعة. 

صباح الخير: هل الأنواع الجديدة من المخدرات مثل الـ «استروكس» تأثيرها فعلاً كما نرى على الـ«سوشال ميديا»؟.. وإذا كان تأثيرها هكذا.. فلماذا يستمرون فى تعاطيها؟ 

د. عمرو عثمان : مخدر مثل الـ «استروكس» تأثيراته «رهيبة»، وفى إحدى الفترات السابقة كانت نسبة 22 % من مرضى الإدمان يتعاطون الـ «استروكس»، لكن هذه التأثيرات الخرافية دفعت المواطنين إلى الانتباه بعض الشىء، وبدأت نسبة إدمانه من طالبى العلاج فى التراجع إلى 7 %، لأنه يهلك ويدمر الجهاز العصبى بشكل واضح، وتأثيراته فوق الخيال. 

يكمل: مهم التأكيد على وجود عناصر نسائية ضمن فريق العلاج خصوصا فى ظل ازدياد نسب مرضى الإدمان من الإناث.

 صباح الخير: كيف نحذر الشاب الذى قد يقبل على الإدمان من الآثار والمعاناة فى ظل غياب الحوار داخل الأسرة؟ 

د. عمرو عثمان: على الأسرة أولاً أن تفهم طبيعة كل مرحلة عمرية بشكل واضح، فدائما نقول للأسرة «الصداقة والتواصل والحوار» مع الابن والبنت يشكل فارقا قويا جدا، وعلى الأسرة أن تعى جيدا معنى كلمة مخدرات، لكن للأسف بعض الأسر غير ملمة بمحددات الاكتشاف المبكر للتعاطى والإدمان، ولا تملك أساليب الوقاية الأولية.

صباح الخير: وما هى أساليب الوقاية الأولية؟ 

د. عمرو عثمان: أن تتعرف الأسرة إلى أصدقائه وأن تشجعه على مهارات اجتماعية وأنشطة رياضية.

وأقوى حائط صد ومانع من الانزلاق فى الإدمان هو «أن يشعر الشاب بنفسه وقيمته وحياته» وقتها لن يبحث عن عالم افتراضى وهمى ليشعر من خلاله بنفسه وقيمته وأرى أن ممارسة جميع أنواع الأنشطة الرياضية والفنية تسهم فى الحماية و«تنمية مهارات التماسك الداخلى»، وخلق القدرة على «رفض المخدرات».

المشكلة أن بعض الأسر تربى أولادها على الانصياع بمعنى «ما تقولش كلمة لا.. ما تفكرش.. أنا لما أقول حاجة يبقى تقول حاضر»، هذا الأسلوب يؤثر فى انزلاق الكثيرين إلى الإدمان.

كثيرون عندما يتواصلون معنا يقولون «أنا متربى على كلمة نعم.. أيوا.. حاضر»، فإذا عرض علىَّ شخص ما شيئًا لن أستطيع أن أرفض وأقول له «لا».

 

أثناء الندوة
أثناء الندوة

 

صباح الخير: إيه أهم المؤشرات التى تجعل الأسرة تدرك وجود مشكلة تحتاج إلى التصدى لها ؟ 

د. عمر عثمان: توجد تغيرات سلوكية كثيرة، منها تغير الأصدقاء، العصبية فى السلوك وردود الأفعال، أيضًا ما نسميه «التحوير» أو المراوغة، والكذب بشكل مستمر، وجود اضطرابات فى النوم لوجود حالة تعاطى. 

صباح الخير : وما رد الفعل المطلوب من الأسرة سواء الأب أو الأم ؟ 

د. عمرو عثمان : أولا لابد من المواجهة والمصارحة، أى تقول له «أنت يا ابنى وقعت فى مشكلة وأنا هساعدك.. أنا فى ضهرك لكن مش هسمح أن الكلام ده يستمر.. وابتدى مساعدته»، الآن لدينا خدمة «مشورة»، ولابد أن نعلم أن كل حالة تعاطى أو إدمان تختلف عن الأخرى، يمكن للأسرة أن تتواصل مع الخط الساخن لتتلقى المشورة والمساعدة. 

صباح الخير: هل هناك عمر محدد يجب عنده ملاحظة التغيرات السلوكية؟ 

د. عمرو عثمان : أكثر فئة عمرية معرضة لبداية تجربة المخدرات من 12 إلى 18 واعتقاد بعض الآباء أن الابن صغير وأنه بعيد عن التعاطى أو الإدمان غير سليم فنحن نستقبل حالات 12 و13 سنة، وافتتحنا مستشفى لعلاج المراهقين فى هذه السن، لأن سن التعاطى تدنى بصورة ملحوظة، وبالمناسبة سن بداية التدخين تدنى إلى 9 سنوات، ودائما التدخين فى مراحل عمرية مبكرة يتحول بمرور الوقت إلى تعاطى المخدرات. 

صباح الخير: ما الاختلاف الأساسى الذى يتميز به «صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى» عن كثير من المؤسسات الأهلية التى تعمل فى مجال علاج الإدمان ؟!

د. عمرو عثمان: الاختلاف فى أكثر من محور، أهمها النفس الطويل، لأن عملنا ممتد ومؤسسى نعمل وفق مناهج علمية وبرامج موثقة لها «تقييم دليلى».

أيضًا بدأنا التنسيق مع المجلس الأعلى للجامعات حتى يصبح لدينا دبلومة اسمها «خفض الطلب على المخدرات»، وبالفعل نفذناها مع كلية الآداب بجامعة القاهرة، حتى يتخرج فيها العديد من الكوادر الذين يمكنهم العمل على أساس علمى. 

المحور الثالث هو الشراكات، فالصندوق لا يعمل منفردا، بل يعمل بالمشاركة مع 11 وزارة معنية فى إطار «خطة مصر فى مجال مكافحة الإدمان»، ونحن لا نخفى المشكلة ولا ننكرها، فبعض الدول لديها ثقافة الإنكار لكن مصر اتخذت طريق المواجهة والشفافية، ومثال ذلك الإعلان عن نسبة التعاطى بكل وضوح وشفافية فى الإعلام من دون أى مواربة، دول كثيرة جدا لا يمكنها فعل ذلك.

سياسة الدولة المصرية فى طريقة المواجهة هى العمل على أساس علمى وفقا لخريطة تحدد نوعية المشكلة فى كل محافظة بالنسب والتصنيف العمرى والنوع، ولدينا خريطة متكاملة لمشكلة المخدرات فى مصر. 

صباح الخير: هل هناك علاقة بين أدوية المهدئات والإدمان ؟ 

د. عمرو عثمان: هناك ما يسمى مشكلة «التداوى الذاتى» وتأتينا سيدات فضليات بدأن فى إدمان المواد المهدئة، والاعتماد عليها بشكل كبير، وهذا للأسف لأننا لدينا ثقافة شراء أقراص «منومة» أو مهدئة بصورة غريبة، وهؤلاء السيدات معتمدات اعتمادا نفسيا كاملا على هذه الأدوية ولا يستطعن الحياة بشكل طبيعى أو النوم إلا بعد تعاطيها، والذى يحدث أنهن يلجأن إلى زيادة الجرعة كل فترة وهذه منطقة خطيرة جدا لأن هذا أيضا نوع من أنواع الإدمان. 

 صباح الخير: وهل الصندوق يعالج فئات محددة ؟ 

 د. عمرو عثمان: أى مواطن مصرى يرغب فى العلاج مرحبا به جدا وبالمجان.

 صباح الخير : ما نوعية الصعوبات التى يواجهها الطببيب المعالج؟ 

د. هوانم الفقى : أولا ألا يكون لدى المدمن النية فى العلاج

وإن بعض المواد المخدرة مثل «الحشيش» تسبب مرضا نفسيا، ولكى يتم الفصل يجب إخضاع المريض أولا لعملية سحب السموم لمدة شهر، وبعد ذلك لو كانت الأعراض النفسية مستمرة، فهذا يعنى أنه بالأساس كان مريضا نفسيًا، ولما تعاطى المواد المخدرة ظهر المرض.

د. عمرو عثمان : مهم الإشارة إلى «اقتران المرض النفسى بتعاطى المواد المخدرة»، كثيرون لجأوا إلى المخدرات بسبب المرض النفسى لديهم، أو أنهم لما تعاطوا المواد المخدرة أصيبوا بمرض نفسى، ونسبة 25% ممن يأتوننا طلبا لخدمة العلاج فى الصندوق لديهم مشكلة المرض النفسى، فـ «الحشيش» مرتبط مثلا بـ «الفصام»، ولا يقتصر الأمر على الأمراض النفسية، وهذا ملف يجب أن نفتحه فالمخدرات مرتبطة أيضا بـ «فيروس سى» والإيدز، بسبب استخدام الحقن، لذلك أى مريض يأتينا الآن يجب أن نجرى له تحليلا، وأحد الشباب الحاضرين معنا عالجه الصندوق من فيروس سى.

 صباح الخير: ما موقفكم من المؤسسات الأهلية التى تعالج الإدمان وهى غير المرخصة ويتحول الأمر لديهم إلى بيزنس؟ 

د. عمرو عثمان: نحن لا نطلق عليها مؤسسات إنما الأصح وصفها بمحاولات علاج «تحت بير السلم», وللاسف تحدث عندهم انتهاكات كثيرة جدا خاصة بحقوق مريض الإدمان.

صباح الخير: هل يمكن لأحد المواطنين أن يتواصل مع الصندوق لطلب خدمة العلاج لأحد الجيران الذى انزلق إلى الإدمان وأصبح يشكل خطورة على نفسه وعلى من حوله؟

د. عمرو عثمان: الخط الساخن يتلقى طلبات خدمة العلاج أو البلاغات، لكن المدمن الذى لا يرغب فى تلقى العلاج.. لا أستطيع إجباره على العلاج. 

صباح الخير: من أين يأتى تمويل الصندوق؟ 

د. عمرو عثمان: المُشرع المصرى اتخذ خطوة ذكية جدًا يضمن بها استدامة التمويل للصندوق من دون تحميل موازنة الدولة أى أعباء، وهى تحصيل الغرامات التى تقع على تجار المخدرات لصالح الصندوق، لأن تاجر المخدرات تسبب فى اختراق الشباب وإضرارهم واستنزاف أموالهم، وهذا من الأمور التشريعية المميزة جدا فى قانون مكافحة المخدرات. 

 

 

 

صباح الخير: بدأتم ما يسمى بحملات طرق الأبواب فى الأحياء الجديدة بديلة العشوائيات.. وبدأتم بالأسمرات.. كيف كانت ردود الأفعال وما هى الخطط المماثلة مستقبلاً؟

 - الأسمرات حى كبير يضم أكثر من 12 ألف أسرة، وتواجدنا هنا ضمن خطة ممتدة لأحياء أخرى بأكثر من مقر لتقديم الخدمة على مستوى 12 ألف أسرة، وفكرنا فى كيفية الدخول إلى هؤلاء المواطنين، وكانت أول خطوة هى استقطاب قيادات تطوعية من داخل حى الأسمرات.

وفى أول يومين كانت هناك حالة من الدهشة والريبة لدى الأهالى، وبدأوا يتساءلون: «انتو مين.. انتو جايين تمسكونا؟»، فى اليوم الثالث والرابع بدأوا يطمئنون لوجودنا، وبدأنا العمل للتقرب إلى أهالى الحى خصوصًا الشباب لتوعية غير المدنيين وتقديم الدعم والمشورة للذين وقعوا فى الفخ.

ثم جاءت فكرة إنشاء عيادة، وبدأنا نخبر المتطوعين عن مكان ومقر العيادة ومواعيد وجود الإخصائى، وأصبحنا نستقبل يوميا 15 حالة، ووصل عدد الحالات خلال الشهر الأول إلى أكثر من 200 حالة، وتم دمجهم فى المستشفيات التى تقدم الخدمة. 

بعد الأسمرات بدأنا نقل التجربة إلى منطقة «عشش السودان» بالجيزة، التى تضم 197 أسرة، وأجرينا لهم توعية على مدار أسبوع كامل، ولم نكن نتوقع هذا التجاوب الهائل، وفى سوهاج توجد بها منطقة اسمها «حى الصيادين» يضم أكثر من 200 أسرة، وبدأنا معهم حملات طرق أبواب، وتوجيههم إلى أقرب المستشفيات، وفى الإسكندرية يوجد غيط العنب أو «بشاير الخير» أيضًا بدانا فيها العمل.

ومستمرون فى هذه السياسات بتوجيه رئاسى فى إطار خطة الدولة للارتقاء بالخصائص السكانية لقاطنى المناطق المطورة، وكذلك روضة السيدة زينب. 

ونحن نرفع عن كاهل الأسر عبئًا ماديًا كبيرًا، لك أن تتخيل ما تتحمله الدولة مع علاج وتوعية تلك الأعداد الضخمة.

صباح الخير: كم تتكلف الدولة تقريبا فى علاج الحالة الواحدة؟ 

د. عمرو عثمان: التكلفة تختلف تبعًا لطبيعة الحالات، وكل حالة تختلف عن الأخرى، فهناك من يستدعى علاجهم الحجز، والبعض يقتصر علاجهم على التردد على العيادات الخارجية، وكلها علاجات بملايين الجنيهات تقدم مجانية، وفى الوقت نفسه بسرية تامة، الجانب الآخر هو المتابعة بعد التعافى،أى أن الصندوق لا يترك المتعافى بعد العلاج، بل يتابعه حتى لا يعود للإدمان، ويوفر له قروضًا مالية للبدء فى مشروعات تدر دخلاً وتصنع مستقبلاً. فالصندوق يتعامل مع أدق التفاصيل الخاصة بطالب العلاج أو المتعافى. كذلك ستجد المتعافى متمسكًا بالدوائر الخاصة من المتعافين سابقًا أو «الرعاية النهارية»، لأنهم يشجعون بعضهم على عدم التفكير فى العودة للإدمان مرة أخرى.