الأحد 26 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

وثـالثهم الصـمت

كنتُ أحسبها أنانية، إنما كانت فقط تريد أن تعيش فرصتها كاملة فى الحياة.



جلس الزوجان على طاولة العشاء المزدانة بزهرة التوليب فى المنتصف، كعادتهما وهما يشاهدان - على سبيل الصدفة - فيلمهما المفضل الذى لطالما ضحكا وتبادلا معه مشاعر الحب بينهما منذ أن تعارفا، لكن هذه المرّة لم يكن الفيلم مضحكًا ولا يحمل تلك المشاعر الدافئة، فقد اكتفى كل منهم بالنظر نحو الشاشة وكلاهما مستغرق فى عالم آخر بعيد، عالمه هو فقط لا مكان فيه لوجوه يألفها إنما اختار غرباء يشاركونه هذا العالم الافتراضى.

عَشرة أعوام إلى الوراء؛ حيث كان أول لقاء جمعها فى بيت صَديق مشترك احتفالًا بمولد طفله الجديد، وقد تبادل الاثنان نظرات استكشاف عن بُعد، ولأنها كانت تخشى مثل تلك الخطوات الحاسمة فى حياتها فكانت ترتبك كثيرًا عندما تشعر أنها مَحط تفكير أو إبداء إعجاب من رجل، وكان أول سؤال يبادرها؛ هل هذا فارسها أمْ مجرد عابر فى طريق الحب والزواج؟

هو كان أكثر شجاعة وجرأة منها؛ حيث أبدَى تجاهها بعضَ الإعجاب الذى لا تخطئه مشاعر أنثى، تقبّلت تلك المشاعر واحتفظت بها فى هدوء تفكر ماذا تفعل، هو لم يقتحم مشاعرها أو عقلها إنما لفت بعضَ انتباهها فقط، فهى ذات الأنثى التى تقبض على مشاعرها وقلبها وعقلها فى قبضة يدها، كانت تتمنى أن يكون هذا الشاب - طاغى الجاذبية والشخصية - فيسقط عاصمتها الأنثوية المتمردة وتقع أسيرة حُبّه، فالنساء يعشقن من يأسرهن طوعًا لا كرًها.

قادها عقلها إلى القبول به زوجًا، فقد رجحت كفته؛ خصوصًا بعد اعترافه بحُبها ورغبته فى اختيارها شريكة لحياته، تضعف بعض النساء أمام هذا الاعتراف؛ خصوصًا إذا شعرت فيه بالصدق حتى لو لم تكن تبادله بعد هذا الحب، إلّا أنها أصرّت أن تتقدم هى الأخرى خطوات جادة لتفهمه وتحاول أن تحبه كما بادلها هذا الحب, ولكنها كانت تقف عاجزة أمام بعض طباعه القاسية التى كانت تفسد هذا الحب الوليد داخل قلبها، فقد كان مناقضًا لشخصيتها الرقيقة الرومانسية الحالمة، كان جادّا لا مجال لديه للعواطف أو التعامل مع الأمور وقيادتها ببساطة، فكان صداميّا، تحدّثت معه بكل وضوح عن رغبتها فى القرب منه وعما يؤرقها تجاهه، تظاهَر بالانصات إليها ووعدها بالتغيير ومحاولة فهمها واحتوائها، تمّت الخطبة وتوالت الوعود التى لم تتحقق حتى تم الزواج.

واجهتها صديقتها بالسؤال: لِمَ أتمَمت إذن الزواج طالما أنه ليس صادقًا ولم يفِ بوعوده التى قطعها على نفسه؟! أجابت فى هدوء: نصحنى الجميع أن تلك هى طبائع الرجال يَعدون وينسون، وليس هذا بعيب أو كارثة لرفض عريس «حَسن الخُلق» فى مثل هذا الزمن الصعب.

تزوّجا ولم تسِر الحياة على وتيرة واحدة كعادة كل شىء، فخصام ووئام، حب وبغض، شكوى وسكون، حتى أضاء وليدها الأول عتمة أيامها وظنت أن ظهوره للدنيا سيخفى كل تعاسة لها، ولكن تحوّل وجوده هو الثالث إلى عادة رغم أنها سعيدة؛ فإن الاعتياد يقتل تدريجيّا كل ما هو جميل. 

جلستْ هى وزوجها ذات مساء تحكى معه بقلب مفتوح عن رغبتها فى إضفاء الحب والسعادة ببيتها وعن مساعدته لها فى ذلك، إلا أن ردود أفعاله المستمرة والتى كانت إمّا بالتجاهل أو النوم أو الانشغال أو إبداء الموافقة فى محاولة فقط لغلق الموضوع جعلتها تكره الحديث معه، هو أيضًا كانت له عدد من الملاحظات عليها وكانت على أتم استعداد لسماعه، بل كانت تطلب منه ذلك ولكنه لم يكن معتادًا على الحوار والمناقشة إنما يريد أن يسمع منها كلمة واحدة أنها مخطئة، ثم تعتذر له عمّا حدث منها وضايقه حتى لو لم تكن مقتنعة بخطئها، مرجعية الصواب والخطأ له هو فقط، هى لا تراه إلهًا ولا حتى نصف إله، كانت تتمنى أن يكون ممن لو أمَر أن تسجد له زوجته فتسجد، لكنه آثر الاختباء منها فى كهفه الذى كانت تختنق إذا ما طاوعته وشاركته التواجد به بعض الوقت.

هى تحب الحياة، الألوان، صخب السعادة، السير تحت المطر والقفز هربًا من قطراته اللؤلؤية الباردة، هى لم تخلق للاختباء فى عباءة رجل يخشى كل ما يحيط بها.

ماتت الحياة بقلبها وكأنه كان يسعد أو يأمن لشحوبها وحزنها ولم يدرك أنه أيضًا صار شاحبًا بقلبها، فلم يعد يسعدها إذا فعل مرّة شيئًا لأجلها، فماذا تفعل الزهور على قبر ميت؟!

جلسا على طاولة العَشاء يتناولان الصمت، رجل وزهرتان ذابلتان.