الأحد 28 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

قصور الأمراء وبيوت الطبقة المتوسطة

حكايــات حــى «شـبـرا» "الحلقة الأولي"

منذ أكثرمن 200 عام، أمر بانى نهضة مصر الحديثة محمدعلى، بإقامة قصره الريفى بشبرا الخيمة، وكان أول قصر يضاء بغاز الاستصباح كما يقول أمين سامى فى «تقويم النيل»، وللوصول للقصر البعيد، مهد له طريق يكون بمثابة مكان للنزهة والترويح عن النفس خارج العاصمة، ليصبح هذا الطريق هو النواة التى تكون حولها أشهر وأضخم أحياء القاهرة..  حى الأمراء والباشوات والجاليات الأجنبية والطبقة المتوسطة، متعدد الأعراق، عرفه الدكتور محمد عفيفى أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة فى كتابه «شبرا.. إسكندرية صغيرة فى القاهرة «مجتمع كوزمبيليت» يشبه الإسكندرية فى عصرها الذهبى، إنه حى شبرا، فيه الناس والشوارع والمبانى حكايات.



أصل التسمية

تعود كلمة شبرا كما أوضح الجغرافى محمد فوزى فى قاموسه، إلى اللغة المصرية القديمة، وانتقلت منها إلى اللغة القبطية وكانت تسمى «جبرو» ثم «شبرو» أى التل أو الكوم.   

كما يرجع المقريزى أصل منطقة شبرا، إلى أنها كانت جزيرة تعرف بجزيرة الفيل عند الفتح الإسلامى، وتتسع مساحتها وتتميز بأرضها الخصبة، ليطلق عليها  فى العصر العثمانى، جزيرة بدران، نسبة لضريح أحد الشيوخ. 

ومع تولى محمد على للحكم ورغبته فى إنشاء دولة حديثة معماريا وعمرانيا، أنشأ قصرا بقرية شبرا الخيمة، بالقليوبية، ولكى يصل إلى هذا القصر كان لا بد أن يربطه بالقاهرة، فأمر بإنشاء شارع شبرا عام 1808، على أن يكون أعرض شوارع مصر فى هذا العهد، وأكثرها استقامة.

يبدأ شارع شبرا من جزيرة بدران وينتهى فى المظلات على حدود ترعة الإسماعيلية، زرع جانبيه بأشجار اللبخ والجميز، التى تمتاز بأنها أشجار مصرية كثيفة الأوراق وواسعة الظلال لامتداد أغصانها، واستمر الشارع على جماله البديع إلى أن فتحت قناة السويس فى عهد الخديو إسماعيل، عام 1869، حيث أخذ بعضا من أشجار اللبخ، وأعاد زراعتها فى الطريق الذى أعد لمرور أميرة فرنسا «أوجينى» وهو الطريق الموصل لسراى الجزيرة التى أعدت لإقامتها، «فندق ماريوت الآن»، كما أخذ بعضا من نفس أشجار شارع شبرا لزرعها فى طريق الأهرامات، «شارع الهرم» أثناء زيارة الإمبراطورة لمنطقة الأهرامات، للتخفيف من حرارة الشمس فى ذلك الطريق الذى مهده الخديو إسماعيل.

ويقول على باشا مبارك فى كتابه الخطط التوفيقية، الصادر فى سنة «1890: أنه مازال يوجد فى نهاية شارع شبرا، بالقرب من شبرا البلد «شبرا الخيمة»، بعض من شجر الجميز لغاية الآن.

وأضاف: «أنه لما كان شجر اللبخ يزهر، زهريته الذكية الرائحة الناعمة الملمس، كان الناس يطلقون على هذه الزهرة «ذقن الباشا» نظرا لجمال لحيته».

وأصدر محمد على تعليماته بأن يرش شارع شبرا بالمياه مرتين يوميا، الأولى عند الضحى، والثانية عند العصر، لتلطيف الحرارة صيفا، وتثبيت تراب الشارع شتاء، لتشجيع الناس على ارتياده للنزهة، وعين عمالا للسهر على نظافة الشارع وجماله والاهتمام بالأشجار.

 القصور الريفية

بدأ الأمراء والباشوات والأعيان فى تشييد قصورهم الريفية وحدائقهم ومقاهيهم فى شبرا،لتتحول إلى ما يشبه المنتجع، ولتحمل شوارعها أسماء بعضهم، مثل قصر أنجة هانم زوجة الخديو سعيد باشا، وقصره الذى سماه بقصر النزهة، الذى تحول إلى مدرسة التوفيقية فيما بعد، وهدم منذ سنوات، وقصر الأمير طوسون ابن الخديو سعيد الذى بناه عام1869 وتحول إلى مدرسة شبرا الثانوية بنين ومازال باقيا إلى الآن ومسجل كأثر إسلامى.

وكان الميسورون قد اتخذوا عربات الدو كار «عربة صغيرة يجرها حصان واحد» للنزهة، يزينونها بالورود نهارا وبالمصابيح ليلا، كما يوضح عباس الطرابيلى فى كتابه «أحياء القاهرة المحروسة».

 بدأ الحى بسكنى الباشوات والأعيان والجاليات الأجنبية كاليونان والإيطاليين، الذين يعملون فى مجالات البقالة وفتح المقاهى أو معلمين فى مدارس الإرساليات وفى الكنائس.

وكأن محمد على قد خطط لشارع يعيش العمر كله دون متاعب، ولحى كامل يكون عموده الفقرى شارع شبرا.  الترعة البولاقية..

ويؤرخ على مبارك فى خططه، أن أرض جزيرة الفيل وقرية منية السيرج إحدى مناطق شبرا الآن، هى أراضٍ زراعية فى حاجة للمياه، فأمر محمد على بشق ترعة، لرى هذه المناطق وأراضٍ أخرى فى منطقة بولاق، فى عام 1827 لتسمى الترعة البولاقية، والتى كانت تمتد من منطقة قصر النيل حاليا، «أى كان فمها تحت كوبرى 6 أكتوبر، ثم تخترق ميدان عبدالمنعم رياض، مرورا بشارع الجلاء إلى أن تنحرف شمالا لتدخل إلى شبرا، وتسير موازية لشارع شبرا، ويصل طولها إلى 18 ألفا و300 متر، وسميت البولاقية لأن المنطقة كلها من قصر النيل، إلى ما بعد رملة بولاق، كانت تسمى بولاق.

إلا أن العمران مالبث أن زحف إلى شبرا، وتحولت أراضيها شيئا فشيئا إلى أراضٍ للسكن والإقامة، كما ردم الخليج المصرى الذى كان يوفر المياه لأحياء القاهرة من فم الخليج عند سور مجرى العيون، وحتى غمرة، سنة 1896، ردمت بعده الترعة البولاقية، ليحل مكانها شارع الترعة البولاقية.

تمددت شبرا وتعددت مناطقها: «شبرا مصر، وشبرا المظلات، وحدائق شبرا وروض الفرج والساحل». كما توسعت وشقت بها العديد من الشوارع مثل شارع أحمد بدوى، وشارع جزيرة بدران، وشارع زنانيرى، وشيكولانى، ويلبغا، والعطار، ومسرة، وشارع أبو الفرج، وكوبانية المية، وشارع بحرى القره قول، وشارع البراد، وشارع حليم باشا، وشارع راتب باشا، شارع جميل باشا، وشارع عبدالحليم باشا ابن محمد على، وشارع رفعت وهو ابن إبراهيم باشا، وشارع أنجه هانم زوجة الوالى سعيد باشا، وشارع مدرسة التوفيقية نسبة للخديو توفيق، وهى كما نرى معظمها شوارع حملت أسماء الباشوات الذين سكنوا بها.

 موقع شبرا الممتاز بالقرب من الدلتا والنيل، جعلها مكانا لتجارة الغلال، فأنشأت مصلحة التجارة سوقا كبيرة لتنظيم هذه التجارة فى روض الفرج على ساحل النيل، لنقل البضائع منذعام 1932.

وعرفت شبرا بسوق روض الفرج لتجارة الخضار والفاكهة، التى ظهرت فى العديد من الأفلام السينمائية، ونُقلت فى التسعينيات إلى مدينة العبور وحل مكانها قصر ثقافة روض الفرج.

وفى شبرا كانت أشهر المدارس وأقدمها، فى مقدمتها مدارس الإرساليات التبشيرية، ومن أشهرها الراعى الصالح، التى بدأت الدراسة بها عام 1869، وفى عام 1932 أنشأت الإرسالية فرعا جديدا فى شارع العطار، وأنشأت قسما إنجليزيا، سمى سانت مارى، وألحق بالمدرسة مستوصف للراهبات، يفتح أبوابه لكل سكان الحى.

ومدرسة التوفيقية، التى كانت قصرا للخديو سعيد، ومعروف بقصر النزهة 1855، ليتحول إلى مدرسة فى عهد الخديو توفيق، 1888، وتصبح أهم وأكبر مدرسة ثانوية للبنين حتى الآن، وفيها تم الاحتفال بأول ثانوية عامة فى مصر قبل أكثر من 127 عاما.

 «قصور الشوام»

أما شارع جزيرة بدران فأنشئ فى القرن الـ 19 وسكنه مجموعة كبيرة من الشوام «التى كانت تطلق على أهل الشام والعراق» الأغنياء، الذين كان لهم أطيان وتجارة، وبعضهم كان يعمل فى تأليف الروايات التى كانت تعرض على مسارح عماد الدين والأزبكية، وسمى أحد شوارع جزيرة بدران باسم قصور هؤلاء «شارع قصورة الشوام».

لكن هدم الكثير من هذه القصور التى كان لها طابع معماري مميز، ينقل الرائى إلى أجواء لبنان وحلب بشرفاتها ذات الثلاثة عقود، والزجاج الملون، وتصميماتها التى يستخدم فيها الجبس المفرغ على شكل دانتيلا، والتى تختلف عن قصور ذلك الوقت فى مصر، ولا يزال أحد هذه القصور موجودا حتى الآن، ويقع فى تقاطع شارعى جزيرة بدران وابن الرشيد، وهو قصر أنطون مارون، السورى الأصل الذى كان يمتلك أراضى شاسعة بالصعيد، وتحول القصر فيما بعد إلى مدرسة.كما يوضح الباحث والخبير الأثرى محمد أبو العمايم فى بحثه «محمد بيك تيمور ومنزله بشبرا».

وهناك قصر شيكولانى، ويقع فى الشارع الذى يحمل اسمه، وهو برنارشيكولانى أرمنى الأصل، عمل خادما لطوسون باشا، الذى أنعم عليه بالأرض التى بنى عليها هذا القصر، الذى لايزال موجودا حتى الآن، وأصبح مدرسة الاستقلال.

ويتميز القصر بزخارفه الجميلة الفخمة بالأسقف، وتماثيله البديعة التى لا يتبقى منها سوى تمثالين فى المدخل، ومن القصور الباقية أيضا قصر محمد طوسون باشا، والموجود بنهاية شارع طوسون، والذى تحول لمدرسة شبرا الثانوية بنين.

سرايا أحمد شكرى باشا، لاتزال باقية أيضا، وهو والد إساعيل صدقى باشا، رئيس وزراء مصر فى عصر الملك فؤاد، وهى من أفخر ما بنى من سرايات فى ذلك العصر، وتحولت إلى مدرسة الأشراف الابتدائية.

ومازال يوجد قصر خديجة هانم الخازندارية، ويقع فى شارع البراد، وهى التى أمرت ببناء جامع الخازندارة فى عصر عباس حلمى الثانى، ومن أوقاف هذه السيدة، بُنى مستشفى الخازندارة وكلية أصول الدين الملحقة بجامع الخازندار.

«عائلة زنانيرى»

وكان هناك قصر محمد حسنين باشا، وكان شيخا أزهريا، وهو والد أحمد باشا حسنين رئيس الديوان الملكى فى عهد الملك فاروق، لكن القصر اندثر، كما اندثر قصر أول عالم آثار مصرى، أحمد باشا كمال، كما هدمت من سنوات قليلة سراى محمد بك تيمور، رائد المسرح المصرى، التى كانت فى شارع راتب باشا.

وكان يوجد أيضا فى شارع راتب، فيلا أحمد زيوار باشا،لكنها هدمت، ومن أشهر جوامع شبرا المسجل كأثر، جامع الخازندارة، المبنى فى عصر عباس حلمى الثانى، وبه بعض الإضافات التى أقامها الملك فؤاد مثل المنبر الضخم، المكتوب عليه اسم الملك فؤاد.

ومن مساجد شبرا التاريخية، جامع الحاج محمود بشارع شيكولانى، وجامع محمد بك خورشيد، بجوار بيت سيد درويش بجزيرة بدران، وجامع سيدى الحلى بجوار سوق الخضار، وجامع الشيخ فرج، الذى سمى على اسمه منطقة روض الفرج، وشارع روض الفرج وشارع أبو الفرج.

ومن أقدم بيوت شبرا التى لا تزال موجودة، المنزلان رقم 14 و16 الموجودان فى أول شارع شبرا، على ناصية شارع زنانيرى بالقرب من محكمة زنانيرى الشهيرة، وقد بنيا فى القرن التاسع عشر، لعائلة زنانيرى الشهيرة، التى لاتزال بقاياها يعيشون فى فرنسا كما يوضح الأثرى أبوالعمايم.

وأيضا بيت محمد رضا باشا فى شارع فؤاد، وكان من كبار الموظفين فى القرن التاسع عشر، وبيوت فى شارع الساقية فى جزيرة بدران، ولا تزال موجودا أيضا بيت مرقص سميكة باشا بجزيرة بدران، وهو صاحب فكرة تأسيس المتحف القبطى، بينما تهدمت فى نفس المنطقة سرايا حنيفة هانم السلحدار، وهى ابنة سليم باشا السلحدار.

أما مدرسة على بك النجار، الواقعة أمام محكمة زنانيرى، هى قصر  مشيد من القرن التاسع عشر.

أما أقدم كنيسة فى شبرا كما يقول أبوالعمايم، فهى كنيسة سان مارك، الواقعة خلف سينما دولى، وشيدت فى عصر عباس حلمى الثانى، تليها كنيسة سانت تريزا التى بنيت فى الثلاثينيات.

وكنيسة هيلانا وقسطنطين، بناها الشوام فى شارع قصورة الشوام، وكنيسة الله البروتوستانتية فى شارع يوسف عيروط.

العمارة والحنان

عمارات وبيوت شارع شبرا أقدم من بيوت وعمارات شارع الترعة، الذى أنشئ لاحقاً بعد ردم الترعة البولاقية، وكلاهما بنى على الطراز الأوروبى البسيط «النيو كلاسيك»، كما يوضح المعمارى عصام صفى الدين، مؤسس بيت المعمار المصرى، فى مقالته «شبرا الحنان والعمارة»

 أى أنها بنيت على الطراز الإغريقى والرومانى، ولكنها كانت عمارة بسيطة، تأتى فى المرتبة الثانية بعد عمارة القاهرة الخديوية، فتتميز بشاببيك عالية من الشيش الخشب، وزخارف إغريقية، وفرنتونات أعلى النوافذ، وأشغال المعدن الكاريتال فى درابزينات السلالم والبلكونات وظلت موجودة حتى شارع خلوصى، وإلى منطقة حدائق شبرا.

وفى الأربعينيات بدأت تبنى مناطق جديدة بشارعى شبرا والترعة تغيرت معه طرز العمارة، مثل منطقة ميدان فيكتوريا فى الترعة البولاقية، ومنية السيرج، مع ردم أجزاء من الترعة شيئا فشيئا، وصولا إلى منطقتى الخلفاوى وأغاخان فى الستينيات، بعد أن كانت أراضى زراعية، ولذلك فبيوتها تتميز بالعمارة الحديثة.