الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

هل يقبل الله الحج الإفتراضى

«طقــوس دينيــة» عبـر البريد الإلكترونى!

يبدو أن جائحة كورونا لم تترك شيئًا فى هذه الحياة إلا تدخلت فيه.. حتى الطقوس الدينية لم تسلم منها، فمع التوقعات التى تؤكد وجود موجة ثانية من هذا الفيروس تزداد شراستها مع قدوم العام الجديد، توصلت عدة منظمات وجهات إلى نوع جديد من الاستثمار فى مجال الطقوس الدينية المتعلقة بالديانتين اليهودية والمسيحية، لتقدم خدمة جديدة مدفوعة الأجر فى مقابل أداء هذه الطقوس نيابة عن المؤمنين.



 

ظهرت أخيرًا مواقع لمنظّمات عديدة تتيح خدمة الصلاة بالوكالة لأتباع الديانتين حول العالم، حيث تبدو العروض المقدّمة عليها أشبه بـ«صكوك غفران مودرن» من خلال عملية تسوّق، ففيها العروض المغرية، الخصومات المشجّعة وخدمات النقل والتوصيل.

صلاة بالوكالة

والثابت أن هناك حركة متنامية – خاصة مع انتشار فيروس «كوفيد 19» المستجد- من منظمات تقدّم للمسيحيين واليهود، صلاة بالوكالة فى القدس مقابل دفع بدل مادى لذلك، فتلك المنظمات قد دخلت السوق العالمية للاستثمار فى مجال ممارسة الطقوس الدينية من خلال وكلاء.

ومن ضمن تلك المنظمات «Salvation Garden» أى «حديقة الخلاص» ولديها موقع غنى بالخدمات، يقدمها بأربع لغات هى الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية والإيطالية.

وبطبيعة الحال هناك تصنيف للخدمات وللمؤمنين، فالمؤمن «الإكسترا» يحصل على صورة شخصيّة له توضع إلى جانب قبر السيد المسيح مع شمعة، ثم تُرسل إليه صورته عبر البريد الإلكترونى.. وكل ذلك مقابل40 دولارًا أمريكيًا نظيرخدمات المنظمة التى تشمل الصلاة بالوكالة وخلافه.

وبينما تُقدّم «حديقة الخلاص» خدمة الصلاة العادية مجانًا، إلا أن طلب تصوير الصلاة فيديو عند القيام بها والحصول على شهادة موثّقة بذلك، يتم مقابل تعريفة مادية.. وتستعدّ المنظمة لإطلاق تطبيق   على الهواتف الذكية. حسب «رغبات المؤمن»

نوع آخر من الخدمات يقدمه موقع «Holy Land Prayer» أو «صلاة الأرض المقدّسة»، حيث يمكن للمستخدم اختيار صلاة جاهزة أو أن يكتب صلاته بنفسه مع إتاحة اختيار الكاهن الذى سيؤديها بدلاً عنه، مع خيارات أخرى كأن يكون كاثوليكيًا أو أرثوذكسيًا أو بروتستانتيًا.

هكذا يبدأ الموقع بالتعريف عن خدمات الصلاة التى يُقدّمها فى بيت لحم، والمدفوعة عبر خدمة «باى بال» (PayPal)، مفنّدًا ما يمكن أن يحصل عليه المؤمنون من جميع أنحاء العالم من فرص لممارسة الطقوس الإيمانية فى الأراضى المقدسة من دون أن يضطروا للحضور شخصيًا، من خلال وسيط يقوم بذلك بدلًا عن المؤمنين.. ولكن ما الخدمات التى يقدمها الموقع؟!

هناك لائحة من الخيارات تطلّ أمام الراغب بالاستفادة من خدمات المنظمة. مقابل 15 دولارًا أمريكيًا فقط (14 دولارًا و90 سنت تحديداً)، ويمكن لـ«العميل» أن يحصل على الخدمات التالية: كاهن يصلى الصلاة التى يطلبها فى كنيسة القيامة، كما ستكون هناك صورة للصلاة التى طلبها الشخص موضوعة على الحجر الذى وضع عليه جسد السيد المسيح بعد الصلب وتمّ غسله بالطيب والحنوط، وبعد ذلك تُؤخذ صورة للصلاة مع الحجر وتُبعث بالبريد الإلكترونى للشخص المعنى.

 أيضًا فإنه فى مقابل مبلغ يتراوح بين20 و25 دولارًا، يُضاف - لما سبق - خدمات مثل إضاءة شمعة للعميل بجانب قبر المسيح، ثم إرسال صورة للشمعة والقبر عبر البريد الإلكترونى للشخص، فى حين أن من يدفع 5 دولارات إضافية يحصل - فوق ذلك - على فيديو مصوّر خصيصًا له من المكان.

بمجرّد إرسال التحويل المالى، يتوجه مندوب من المركز الرئيس للمنظمة (الذى يقع على بعد خطوات قليلة من كنيسة القيامة) ويقوم بالمطلوب، بعدها يتسلم الشخص عبر البريد الإلكترونى ما طلبه، بالإضافة إلى شهادة موثقة تضمن له أن الخدمات تم تنفيذها على أرض الواقع نيابة عنه.. ويشير موقع «الحديقة المقدّسة» The Holy Garden، إلى أن تجربة المؤسِّس انطلقت حين قام أحد أصدقائه بالحج للأراضى المقدّسة، لكنه شعر بالأسى لأن والدته المريضة لم تستطع مرافقته إلى هناك، وعندها حاول تعويضها بذلك من خلال المحادثات المصوّرة التى جعلتها تشعر أنها هناك حيث كان الاثنان يتلوان الصلاة معًا، وحينها أطلقت والدة الصديق مصطلح «الحج الافتراضى».

.. ولليهود أيضاً

هناك مواقع ومنظمات تقدم خدماتها لليهود الذين لا يستطيعون المجىء للأراضى المقدسة.. فبين شقوق الحائط الغربى - الذى يسميه اليهود «حائط المبكى» - يضع المصلون - عادة - صلوات مكتوبة لمن لا يستطيع الوصول إلى هناك، ومن هنا توفر هذه المنظمات من يقوم بذلك بدلاً عنه.

إحدى هذه المنظمات اسمها «Western Wall prayer delivery service» أو «خدمة توصيل صلاة الحائط الغربى» وتقدّم خدماتها نظير 29 دولارًا لنقل الصلاة خلال شهر أو 79 دولاراً (بعد الخصم من 99 دولارًا) لنقل الصلاة «إكسبريس» خلال 24 ساعة.

وهناك «Western Wall Prayers» أى «صلوات الحائط الغربى»، ومعظم الصلوات تتعلق بالزواج أو بالصحة، حيث تعمل المنظمة منذ 13 عامًا وتستعين بخدمات 40 حاخامًا وبخدمات طلاب يدرسون التوراة، وهؤلاء يقدّمون كذلك خدمة الصلاة 40 يومًا عند الحائط والمتعارف عليها لدى اليهود السفارديم (الشرقيين)، أو تلك التى تستمر لنحو أسبوعين المتعارف عليها لدى اليهود الأشكيناز(الغربيين).. وفى موقع «فريق صلاة القدس»-Jerusalem prayer team الذى يقدّم نفسه كفريق «أصدقاء صهيون»- يقيم الصلاة لمساعدة العائلات المهاجرة، حيث يعمل الكثير من الإثيوبيين اليهود مع الموقع.

التكنولوجيا والدين

ورغم أن تقديم الصلاة للأشخاص - عبر قارات العالم - بشكلها الروحانى، تعرفه الأديان السماوية - منذ زمن بعيد - والتى تتيح إمكانيّة الصلاة بدل آخرين وتحميل الأدعية لشخص يزور مركزًا دينيًا على نيّة شخص آخر، إلا أن التسويق لها وتحديد تعريفة مادية مقابلها، يُلصق بتلك الروحانيّة بُعدًا ماديًا لا سيّما فى عالم غارق الآن بما يعرف بـ«التسوّق الإلكترونى» والهوس بتطويره وجعله أكثر إغراء لجهة تقديمه كبديل أفضل عن «التسوّق التقليدى» المباشر.

وربما تستند الدعاية التى تقوم عليها هذه المنظمات فى تسويق خدماتها إلى ترسخ قناعة إيمانية لدى الكثيرين – خاصة كبار السن - بأن ثمة قوة إيمانية أكبر واستجابة أوسع إذا ما قام بالصلاة شخص آخر نيابة عنه أو على نيّته، خاصة فى حال ما إذا كان الشخص الذى سيصلى بالوكالة رجل دين متخصص (كاهن، حاخام.. إلخ).

أيضًا يُضاف عامل آخر فى التعامل مع تلك المنظمات، ألا وهو حجم التأثير الذى تركته التكنولوجيا والتطورات الحديثة على علاقة المتدينين بالمؤسسات والمقامات الدينيّة، وعلى تعاليم الدين نفسه، وليس خفيًا على أحد تلك النقاشات التى دارت منذ مدة حول دخول الهواتف الذكية والتطبيقات الإلكترونيّة إلى عالم الكتب الدينيّة، من خلال استحداث نسخ إلكترونيّة للقرآن والإنجيل والتوراة، وكيف غيّرت تلك النسخ فى علاقة المتديّن بالكتب المقدسة وقراءتها بشكل انتقائى حسب الظروف التى يختارها المؤمن، وبينما تستمرّ النزعات الروحانيّة لهذه المنظمات فى تقديم نفسها بمنطق دينى صرف، رافضة الاعتراف بشقها المادى التجارى مهما كان شكله أو حجم انغماسها به، إلا أنه يظل الجدل دائرًا بين جانب «رومانسى» يفضّل الورق على الإلكترونى والعكس، وبين جانب فقهى يُحاجج فى انتقاد الجانب الإلكترونى لافتقاده الروحانيات، ليبقى الجدل والصراع مستمرًا طالما كانت هناك حياة.