الجمعة 30 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

كتبها الغيطانى على خط النار «الرفاعى».. الأسطورة الحية

«يشعر الرفاعى بأنه جاء إلى الدنيا ليقاتل عن كل الذين مرّ بهم، وعرفهم أو مشوا معه، وحاوروه فى تلك القرى والمدن»، جاء إلى العالم ليحارب لا لكى يقوم بأى شىء آخر، يقاتل عن هؤلاء ليؤمن النظرة الهادئة فى العيون، وليسعى من يسعى بلا خوف».



 

بهذه الكلمات العميقة،  والمعانى الثرية عبّر الروائى جمال الغيطانى عن المقاتل المصرى، وعن تلك الروح المتوثبة العاشقة للوطن والناس فى روايته «الرفاعى» والتى دارت أحداثها خلال حرب الاستنزاف وأثناء حرب أكتوبر العظيمة.

وتبلغ هذه الرواية ذروتها حين تتجلى فيها روح التماسك والتلاحم بين أبناء الوطن فى استبسالهم ودفاعهم عنه من خلال تصوير حياة الجندية، وبطولاتها، وتجلت فى الفرقة 39 قتال بقيادة العقيد البطل إبراهيم الرفاعى، أسطورة الصاعقة المصرية الذى استشهد فى أكتوبر 1973.. اعتمد الغيطانى فى هذه الرواية على مشاهداته كمراسل حربى لجريدته «الأخبار» فى ميدان القتال، ووجوده مع أبطال الفرقة 39 قتال، فصوّر روح البطولة من خلال شخصيات القادة البواسل.. وتبدأ الرواية بمذكرات مؤرخة بأيام الحرب، وأهم أحداثها، تمر بثلاثة فصول شكلت معمار الرواية.

روح البطولة

«الرفاعى» عاشق للوطن يتجسد كأيقونة فرعونية، بطلا يبعث روح القتال، والعزيمة فى كل من حوله، ويدرك إدراكًا  عميقًا لمسئولية الجندى التى تأسست فى عمق الشخصية المصرية عبر التاريخ.. «الرفاعى» هو القائد الذى استطاع من خلال إدارته للموقف القتالى أن يحقق بفرقته بطولات رائعة، ومعه الطبيب علاء، والنقيب سيد أو سيد بلاعيم «لتعدد مرات طيرانه فوق حقول البترول ببلاعيم»، والرائد نبيل، والجندى أبوالفضل الذين اخترقوا دفاع العدو الجوى، وكل منهم بطل جسدت ملامحه الرواية فالطبيب علاء يرى «أن  الطبيب يداوى الجراح المحدودة، أما المقاتل فيعالج جراح التاريخ» الأبطال جميعًا يعتقدون اعتقادًا راسخًا أنه لا يوجد من يصحب معه قدرًا من الدنيا أكثر من الآخر، ولذا كان القتال والاستشهاد فى سبيل الوطن حياة.. تميزت الرواية باللقطات السريعة الحية، بالمشاهد العامرة بالحركة والحيوية مصورة إحدى طلعات الفرقة 39 قتال فى تصوير سينمائى يجسد العاطفة، الروح القتالية المتوثبة حيث تتحول التفاصيل إلى سيمفونية عشق وفداء.. {سيلتقون بسيناء وهم على ارتفاع ثمانية أمتار، يصغى إلى صوت الطائرة، إلى الليل، ينظر إلى عقارب الساعة الفوسفورية يتوغلون داخل سيناء، خمس دقائق، يشير إلى الطيار، تعود أضواء الطائرات الخارجية، تستدير المقدمات، يهم بالقيام، يشير بيده، يضىء الطيار الكشاف الرئيسى، يغادر الكابينة، مصطفى يفتح الباب، يتمنطق بحزام القنابل، يتناول المدفع الذى تسميه المجموعة بالرفاعى،   إذا لم يكتشفهم العدو فسينزلون فى المطار الصغير الممهد لاستقبال الهليوكوبتر، عندئذ يبدأ الفتك بمن يواجهونه منذ لحظة خروجهم ثم يشقون طريقهم إلى أقرب المستودعات وتفجير الصهاريج.

هكذا صورت الرواية الروح القتالية، والأبطال الذين وضعوا أرواحهم فداء للوطن، تتوالى المذكرات التى ترصد تفاصيل القتال، الهجوم على مطار «الطور» وتكبيد العدو خسائر فادحة وينقل لنا الحوار حماس فرقة الصاعقة وآمالهم التى تحققت بقوة العزائم.. يقول علاء للرفاعى الذى يحاول إخفاء آلام معدته حتى لا يتأثر الجنود: «يا سلام لو نقوم بزيارة المطار» فيقول الرفاعى: الليلة ستنوب عنا الصورايخ.. بهذه الضربات المروعة المؤثرة استطاعت الفرقة 39 قتال تحقيق بطولاتها، من خلال خطط ذكية تعتمد على تغيير أساليب وطرق الهجوم.. اختزن الرفاعى تحت جلده عشق الناس، وكل شبر فى أرض الوطن، جرى النيل فى دمائه، فتألقت فى أعماق روحه عبقرية المكان، عرف رسالة الجندية، وأدرك عمق المسئولية فأتت العزائم على قدر أهل العزم، لقد جاء الرفاعى الدنيا ليقاتل عن الناس، والمكان، عن «كل من رآهم يرشفون الشاى فى المقاهى،  ويحتفلون بأعياد الميلاد، ويهمسون بالنجوى،  ويبوحون ويتناجون، ويفكرون فى أى شىء سيأتى به الغد، عن كل المارين بجوار مرقد الحسين، والدائرين حول ضريح الإمام الشافعى،  والساعين إلى سيدى الفولى،  والمقبلين لضريح السيدة، والواهبين نذورهم لسيدى عبدالرحيم القناوى،  وسيدى الليث، وهؤلاء السيدات المرتديات السواد المتجهات إلى الأسواق الصغيرة المقامة بين القرى،  الحاملات فوق رءوسهن بضاعتهن، يقايضن ويجادلن ويدخرن القوت لأولادهن، صاحبات الوجوه المرهقة بزمن ثقيل الوطأة، تهزه ملامح الأمهات المصريات التى تحمل بصمات الصراع مع الزمن، والرجاء فى هدنة معه، ملامح لمٍ يرها فى بلد آخر ولا على أى ملامح أخرى.

رسالة المعرفة

لقد تمكن الرفاعى وفرقته من تحقيق بطولات فى حرب الاستنزاف مهدت لانتصاراتهم فى حرب أكتوبر، بدأت بأعمال فدائية فى شرق القناة، وللكشف عن أسرار العدو وأسلحته وخاصية صاروخ أرض ـ أرض الذى استطاع الرفاعى الحصول على نماذج منه، فى طلعات فدائية وفرت قاعدة من البيانات والمعلومات عن أحدث أسلحة العدو.. لقد تحول الرفاعى ببطولاته ورسالته إلى أسطورة، إلى رمز، إلى صقر يرمز للقوة والنصر، ولقد ورث جنوده ورفاقه رسالته القتالية، أولو العزم فصاروا يتحدثون عنه وعن أسطورته، لتتوارث محبته الأجيال.. لقد تحول الرفاعى البطل الشهيد إلى رمز للحق والشجاعة والفداء ليصبح أيقونة هذه الرواية وليحمل رفاقه رسالته، حيث يجتمع الجميع على قلب رجل واحد فى محبة الوطن والناس.. «الرفاعى» رواية صورت روح البطولة وأرَّخت لبطولات مصرية تجلت فيها عبقرية المقاتل المصرى،  عاشق الوطن، وسجلت هذا التلاحم والتماسك بين المصريين، حيث يحقق كل مصرى أسطورته الخاصة وكفاحه، عاشقا لرموز النضال والوطنية، مجسدا لروح البطولة التى بها يتحقق كل نصر.