الجمعة 30 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

صراع «البطاقة» فى بلد الإنجليز!

فى كل بلاد الدنيا هناك نظام للبطاقات الشخصية والعائلية .. أو بطاقة الرقم القومى،  كما فى مصر..



لكن فى بريطانيا.. ليست هناك بطاقة من أى نوع.

وهذه هى الدولة الوحيدة فى العالم ـ فى حدود علمي- التى لا تطبق نظام البطاقات التى يحملها المواطن ويستخدمها للتعريف بنفسه لدى الجهات الرسمية وغيرها!

 

وسكان هذه البلاد التى تنقسم إلى أربعة أقاليم هى إنجلترا، وسكوتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية وتسمى رسميا المملكة المتحدة، لا يعترفون بالبطاقات الشخصية، ليس هذا فقط بل إنهم على مر الزمن رفضوا كل محاولات إدخال هذا النظام وفرض بطاقات من أى نوع عليهم..

لماذا؟

لأنهم يعتقدون، دونا عن شعوب العالم كلها، أن فى ذلك النظام اعتداء صريحا على الحقوق المدنية والحرية الفردية التى هى أهم شىء بالنسبة لهم، فلا يسمحون للدولة أو الحكومة أو البوليس أو أى جهة أن يحولوهم إلى أرقام أو كائنات مسجلة فى الأوراق الرسمية..يرون فى هذا إساءة وإهانة.. وتدخلا مبالغا فيه من الحكومة فى شئون الناس الشخصية.. «فالحكومة موجودة لخدمتنا لا للتلصّص علينا، وتسجيلنا فى كشوف وبيانات كما لو كنا بضائع أو أشياء.. أو ممتلكات خاصة بها».

هكذا فسر لى من استفسرت منه عن هذه الحالة الفريدة عالميا.. 

كان ذلك منذ سنوات طويلة عندما لاحظت هذا الأمر لأول مرة.. 

وكنت قد واجهت بعض المتاعب فى المعاملات لأنهم يعتمدون بدلا من البطاقة الشخصية التى لاوجود لها، على وثائق بديلة مثل رخصة السواقة، لكننى لا أحمل هذه الرخصة، فأنا لا أقود سيارة.. 

ولاحظت مظهرا فريدا فى المعاملات هى أن ما تدلى به من معلومات شخصية عند طلبها من أى جهة رسمية حتى البوليس والبنك، تعتمد دون مساءلة أو مراجعة، فالمواطن برىء إلى أن يثبت العكس.. فإذا غالط فى البيانات يكون العقاب شديدا. 

وخلال السنين جرت أكثرمن محاولة من أكثر من حكومة لوضع قوانين تقضى بأن تكون لكل مواطن بطاقة شخصية يتعامل بها مع السلطات كافة.. وفشلت هذه المحاولات كلها.. لم تنجح مشروعات القوانين التى قدمتها حكومات حزب المحافظين وحزب العمال فى إقناع البرلمان بالفكرة.

والآن تعاود الحكومة القائمة المشكّلة من أعضاء البرلمان من الحزب الفائز بأغلبية مقاعده وهو حزب المحافظين، إدخال نظام إلكترونى يضمن وجود بطاقة إلكترونية لكل مواطن، وحجة الحكومة هذه المرة هى أن هذه البطاقة تسهّل للمواطن الحصول على المساعدات اللازمة من الحكومة فى الظروف الصعبة التى تمر بها البلاد مع تفشى وباء كورونا.. خاصة وأن هناك نحو 5.2 مليون مواطن يعملون فى مهن حرة وليسوا موظفين فى الحكومة أو الشركات الخاصة، وليست لدى الحكومة بيانات ومعلومات كافية عنهم بما يسهل تقديم العون المادى لهم خلال فتر الإغلاق وانقطاع فرص الكسب. 

وكانت حكومة  سابقة يقودها حزب العمال بقيادة «تونى بلير» قد تقدمت بمشروع قانون للبطاقات الشخصية  والعائلية وفشلت فى الحصول على تأييد البرلمان.. لكن «بلير» لايزال يساند الفكرة حتى لوجاءت من حزب المحافظين المنافس، وفى الصيف الماضى وصف فكرة البطاقة الإلكترونية  بأنها «التطور الطبيعى للطريقة التى نستخدم بها التكنولوجيا». 

ومع أن المعارضين يرون فى أى محاولة لرصد البيانات الشخصية للمواطنين بداية من الحالة الصحية إلى الحسابات البنكية إلى الضرائب وكافة المعلومات الشخصية، تعديا صريحا على الحقوق المدنية والحريات الفردية، فإنهم أيضا يشيرون إلى مخاطر تعرّض هذه البيانات عند رصدها وتجميعها فى لائحة واحدة، للتلاعب بها وقرصنة محتوياتها وابتزاز أصحابها أو سرقة هذه المعلومات واستخدامها فى جرائم تقوم بها عصابات «سرقة الهوية» عبرالإنترنت وتستخدم فى سحب الأموال من حسابات أصحابها الأصليين وتحويلها لحسابات هذه العصابات، كما تشمل استخدام هذه البيانات فى صنع جوازات سفر مزورة..

وأطلقت الحكومة الحالية على مشروعها وصف «مشاركة البيانات» وقال «مات وارمان» وزير تكنولوجيا المعلومات إن البطاقات الشخصية الإلكترونية سوف تدر على الاقتصاد مليارات الجنيهات.

لكن المعارضين يرون أن المستفيد الوحيد من هذه الفكرة الخطيرة هى المكاتب الاستشارية والشركات التى ستكلفها الحكومة بتصميم برامج الديجيتال لحفظ كل هذه البيانات، وستكون النتيجة المتوقعة هى فشل الحكومة فى الحصول على تأييد البرلمان لإقرار القانون المقترح.