الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا رفضنا الحلف ووقعنا المعاهدة ؟ "1"

المقصود بالحلف المرفوض فى هذا العنوان «حلف بغداد» أما المعاهدة فهى «معاهدة السلام» التى وقعتها مصر مع إسرائيل فى العام 1979،يبدوا للوهلة الأولى لا رابط بين الحدثين سوى مصر صاحبة الرفض والتوقيع لأن هناك بعدا زمنيا بين الحدثين واختلاف فى الأشخاص متخذى القرار ونوعية الحدث ذاته لكن عندما ندقق فى القرارين سنجد رؤية مصرية خالصة وعميقة هى من ألهمت متخذ قرار الرفض والتوقيع اتخاذه.



 

هذ الرؤية لم تكن وليدة يوم أو انفعال لحظى بالظرف التاريخى بل لا نبالغ إذ قلنا أن هذه الرؤية فطرة مصرية تشكلت عبر آلاف السنيين من التراكم الحضارى جعلت الإنسان المصرى يدرك موقع هذه الأمة من العالم على جميع المستويات رافضا بشدة أن تكن حركتها على هامش التاريخ أو تصبح جزءا غير مؤثر من كل لا يشارك فى صنعه، يعتبر الجين الإمبراطورى الذى ولد على ضفاف النيل قبل ثلاثة آلاف عام هو العمود الفقرى لهذه الرؤية الفطرة التى تقود صاحب القرار عندما يتخذ قراره وقت أن يكون على رأس الدولة المصرية ويصبح قراره البوصلة التى توجه مصير الأمة العريقة.

عقب ثورة 1952 بمصر بدأ واقع جديد يتشكل فى المنطقة العربية والشرق الأوسط ونتيجة للحرب العالمية الثانية تفارق الإمبراطورية البريطانية الشمس التى لم تكن تغيب عنها وتفرد الإمبراطورية الأمريكية نفوذها على العالم ينافسها فى هذا النفوذ الاتحاد السوفيتى الدولة العظمى ذات الأيديولوجية الشيوعية ولم تكن مصر بعيدة ولن تكون بعيدة فى أى وقت من الأوقات عن تحولات القوى التى تولد فى المجتمع البشرى وتشكل الساحة الدولية إلى مناطق نفوذ وحسابات معقدة.

فتحت ثورة 1952 الباب أمام مصر من جديد لتمارس حقها التاريخى فى تشكيل المنطقة والشرق الأوسط منطلقة بذخيرتها الجيوسياسية وعمقها الحضارى متجاوزة حدود الشرق الأوسط إلى آفاق العالم الممتد وبلا حدود لتصبح مركزا رئيسا لا يمكن لصانعى المعادلة الدولية تجاهله أو تجاوز أثره.

شارك المركز المصرى فى صناعة المعادلة الدولية بقدر يفوق فى بعض الأحيان مقدرات الدولة نفسها فتكونت حول مصر هالات من النفوذ الإقليمى والدولى تحيط بالمركز وتحميه من ردات فعل تقلبات المعادلة الدولية.

لم يكن الخروج المصرى بعد 1952 هو الأول فى العصر الحديث فبعد تحرر مصر من عقود الفوضى والانحطاط العثمانى والاحتلال الفرنسى تشكلت النسخة الأولى من الدولة المصرية الحديثة على يد محمد على باشا ورغم عدم الأصول المصرية للمؤسس إلا أنه أدرك منذ لحظة توليه الحكم طبيعة هذا الأمة وحقها التاريخى فى القيادة وتمردها الدائم على من يحاولون وضعها على هامش حركة التاريخ وخلال سنوات معدودة انطلقت مصر تصنع مركزها وتحيطه بهالات النفوذ.

يعطينا الخروج الأول والثانى لمصر فى العصر الحديث إشارات مهمة تجيب على سؤال مهم لماذا قدر مصر الخروج من نطاقها والاضطلاع بهذا الدور التاريخى؟

أولى الإشارات تبين أن هذا الخروج يرتبط بتحولات جذرية تجرى فى المعادلة الدولية لا يمكن لمصر الإفلات من آثارها بسبب طبيعتها الجيوسياسية وفى نفس الوقت تتيح هذه التحولات لمصر اقتناص فرصتها فى بناء مركزها وأحاطته بهالات النفوذ.

نسير مع هذه الإشارات ونتوقف عند أمر آخر،هذا الخروج أو الهجوم هو أفضل حماية للداخل المصرى فعند لحظات الصدام الحتمى بين المشروع المصرى ومركزه من جهة والقوى المتحكمة فى المعادلة الدولية من جهة أخرى تتحول هالات النفوذ إلى مصدات أمام الهجمة الاستعمارية تقلل حجم الخسائر بنسبة كبيرة وتحافظ على بعض المكاسب.

لعل المكسب الأول الذى يتحقق هو بقاء الدولة المصرية ثابتة رغم عنف الصدامات ولعل أوضح مثال يثبت ذلك فرغم تعرض مصر لاحتلال إنجليزى كامل مع نهاية القرن التاسع عشر إلا أن الدولة التى تم تأسيسها ظلت ثابتة وقاومت بشدة محاولات التفتيت على يد المستعمر أو تغيير تركيبتها بل استعادت دورها سريعا وتحولت إلى مركز حضارى فى المنطقة وبعد 52 حولته إلى مركز حضارى سياسى.

وبعد نكسة 67 استطاعت الدولة المصرية بناء جيش حديث مستوعب لعلوم العصر ونجحت بعد ست سنوات فقط من تحقيق النصر فى حرب أكتوبر المجيدة رغم أنها كانت تواجه ومازالت المشروع الاستعمارى الأضخم فى التاريخ والذى يضع المنطقة العربية والشرق الأوسط على رأس أولوياته 

نتوقف عند إشارة ثالثة أن الرهان على الكمون أو الابتعاد عن دوائر الصراع الدولى ظنا أن فى ذلك السلامة من الخطر وخوفا من الصدام الحتمى هو فى الحقيقة عين الخطر على مصر لأنه يجرد الداخل من وجود مركز قوى ومصدات النفوذ التى تحميه عند حدوث الهجمة الاستعمارية والأهم أن مصر لا تصلح ألا قائدة ومؤثرة فى المشروع الدولى. 

تمنحنا هذه الإشارات ملامح الإجابة على السؤال العنوان لماذا رفضنا الحلف ووقعنا المعاهدة؟ وهدف الإجابة ليس مراجعة درس تاريخى مر بتداعياته ولكنها إجابة ترتبط بالحاضر الحالى والمستقبل القادم أكثر من ارتباطها بجذرها التاريخى.

أرادت الولايات المتحدة بحلفها البغدادى فى العام 1955جمع القوى الإقليمية الفاعلة داخل الشرق الأوسط من إيران إلى باكستان والعراق وتركيا معهما فى سلة واحدة لمواجهة التمدد السوفيتى ورأت وضع مصر فى نفس السلة كأن مصر دولة بلا دور مستقل ويمكن دفعها إلى الهامش بسهولة عن طريق الحلف رفضت مصر هذا الحلف لأنها فى لحظة خروج وترى الفرصة مواتية لتأخذ دورها الطبيعى فى ظل تشكل معادلة دولية جديدة ستطرح منها الإمبراطورية الإنجليزية ويبقى التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى لم يمر عام على رفض مصر للحلف والتهميش حتى أعلنت قرارها بتأميم قناة السويس لتتغير ملامح الشرق الأوسط إلى الأبد وتشارك بقوة فى بناء نظام دولى جديد بتحالفها مع الاتحاد السوفيتى. 

بعد 24 عاما من فكرة الحلف المرفوض وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل برعاية أمريكية ولكن قبل السلام كان قرار الحرب الذى كانت من أعظم نتائجه تأسيس عقل أكتوبر بحداثته وعلميته وهو من ذهب إلى السلام بعد إدراكه أن هناك معادلة دولية جديدة تتشكل لن يكون فيها الحليف السوفيتى الذى تأكل من داخله وبقت له سويعات قليلة فى حساب التاريخ قبل رحيله.

استخدمت مصر معاهدة السلام بذكاء كأداة للمشاركة فى بناء المعادلة الدولية الجديدة القائمة على فاعل أحادى هو الولايات المتحدة دون منافس وهى من اللحظات النادرة فى التاريخ التى تسمح لقوة واحدة فى التحرك دون خصم يماثلها فى القوة، كان يمكن للعرب وقتها مشاركة مصر فى استخدام معاهدة السلام كما شاركوها فى فوائد قرار التأميم لكن الحماقة أعمت الكثيرين ولم يروا ما رأته مصر من تغير قادم لا محالة. 

تقول ملامح الإجابة على السؤال العنوان أن القرار المصرى بالرفض والتوقيع كان هدفه الأول والأخير عدم القبول بالتهميش لما له أثر مدمر على الداخل وأن الرؤية والفطرة المصرية تدفع صانع القرار إلى الخروج الهجومى فى وقت تشكل المعادلة الدولية الجديدة الناتجة من صراع إمبراطورى شرس لدرجة أن المحيطين بمصر لقصر فى الرؤية ودهشتهم من حجم القرار  وتحولاته يظنون أن قرارات كالتأميم أو المعاهدة نوع من المغامرة غير المحسوبة لكنها فى الحقيقة قرارات تمت صياغتها فى المستقبل وللمستقبل.

أدى نفاد طاقة النسخة الأولى من الدولة المصرية الحديثة بطوريها الملكى والجمهورى عقب أحداث يناير 2011 إلى دخول الأمة فى حالة من الفوضى تسببت فى احتلال الفاشيست الإخوان السلطة ليكونوا أداة رئيسة فى مشروع الهيمنة الأمريكى المرتبط بصراع إمبراطورى بدأ يدق أبواب العالم بقوة طرفيه الولايات المتحدة والصين معلنا أن عهد الأمريكى المتفرد بإدارة العالم قد ولى 

 فى الـ30 من يونيو من العام 2013 كانت ثورة الأمة المصرية لتنهى الاحتلال الإخوانى المدعوم خارجيا وتفقد مشروع الهيمنة الأمريكى توازنه فى المنطقة والعالم ويعود الأن للهجوم من جديد.

 تبدأ الثورة فى بناء النسخة الثانية من الدولة المصرية الحديثة معلنة لحظة الخروج وفى نفس العام تطلق الصين من وراء سورها العظيم مبادرة  «الحزام والطريق» المشروع المضاد للهيمنة الأمريكية لتتشكل معادلة دولية جديدة منتجة صراع وصل هذا العام إلى درجة الصدام بين الولايات المتحدة والصين وعند هذه النقطة تكن هناك حتمية لقرار مصرى يتحضر من أجل صناعة المركز المحاط بهالات النفوذ.