الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

أقسى ما يخيف البدوى فى الصحراء هو العطش

ريشة الفنان: مصطفى بكير
ريشة الفنان: مصطفى بكير

كلما ابتعدنا جغرافيا عن ثقافة شعب معين، وكلما كانت الحدود التى تفصلنا أكثر سمكا وتحفظا، كلما كانت دهشتنا أكبر للانطباع الذى يتركه الآخر المختلف بثقافته، فثقافة الشعوب تختلف كليا عن بعضها، وما يجذبنا أكثر هى تلك التفاصيل التى بناها الإنسان فى تلك الحدود المغلقة عبر الزمان، حتى ليخيل إلينا فى وقت معين أنه لم يكن يعيش على الأرض سوا ذلك الإنسان بتلك الثقافة، فتثار بداخلنا أسئلة كثيرة متى تكونت هذه العادات وهذه المبادئ وهذه الجيوش والدفاعيات بذلك الإتقان وتلك الطريقة فى التعاملات والعلاقات كأنهم خلقوا بها منذ الأزل، وتزول الدهشة عندما يدرك الإنسان أنه لا يعيش بمفرده على سطح هذه الأرض، وأنه فى سعى مستمر نحو هدف متحرك يبتعد باستمرار وهو المعرفة، معرفة الآخر كما وصفها الشاعر أنه أبحار دون سفينة وشعورنا أن الوصول محال، لكننا وبالرغم من ذلك يصبح الإبحارحتميا ومعرفة الآخر واجبا إنسانيا كشراكة غير مشروطة بعقد. 



ومن هنا أبحرنا بين ثقافتين، ثقافة وادى النيل العريقة الممتدة فى أعماق الزمن، وثقافة البادية كرافد حيوى ومشرق فى ذاكرة الوجدان المصرى، أنه إبحار وسبح فى أعماق البداوة، خضنا معا مسيرة نصف يوم داخل الصحراء الغربية على امتداد يصل إلى 70 كيلو متر اداخل الصحراء تفاصيلها يرويها لنا فى صورة جلية مشرقة جابر مهدى، أحد أبناء قبيلة الفوايد، وهى قبيلة متناثر على خارطة الوطن، تبدأ من المنيا وتمتد حتى تخوم الساحل الشمالى متناثرة عبر محافظات الدلتا والبحيرة وبنى سويف والفيوم، وهى قبيلة لها دور بارز فى التاريخ المصرى الحديث، ومن شيوخها حمد باشا الباسل، أبرز المفاوضين لرفع الحماية عن مصر عام 1936، أحد مؤسسى حزب الوفد وحزب الدستوى الوفدى، تحدثنا مع أستاذ جابر وهو باحث ومهتم بالتراث البدوى، عن أبرز عادات وتقاليد البدو، عن مراسم الزفاف وتكلفته، عن شيوخ القبائل والعرف، عن مخاوف الصحراء وليلها، وأخيرا عن المرأة ودورها! 

ما هى البادية بالنسبة لكم ومن هم البدو؟

ــ البادية لسيت جنسا بشريا، أو عرقا بشريا إنما هى نمط حياة يتسم بالقسوة ويتسم بصعوبة ووعورة المكان وطقوسه وملامحه، الصحراء يومها له وقع خاص، يوم عندما تبحر فيه يتسم بالوحشة ولكنه لا ينم أبدا عن العداء، فالبرغم من صعوبة وقحولة المكان إلا أن البدوى استطاع عبر الزمن أن يضرب قدمه فى باطن الصحراء، معلنا تغلبه عليها، البدو فى أصلهم يرجع تاريخهم ربما إلى عهد ليس ببعيد، فى عهود الاضطهاد العثمانى نزح البدوى هاربا بحثا عن الحياة فاستوطن الصحراء التى قابلته بالوحشة لكن بالاتساع والترحيب أيضا، استوطن البدوى وضع عبر الزمن البدو تقاليده التى تعلو بالقيمة والمضامين السمحة وصلة الأرحام والتعارف فيما بينهم ما بين قبيلة وقبيلة ما بين عمومة وخؤلة، يحتفظون بهذه التوريثة كما المثل العربى يقول كابرعن كابراى جيل إلى جيل حلفا لسلف، موروثة بدقة ومسلمة بعناية.

ما هى المخاوف التى تخشونها فى الصحراء؟

المخاوف فى الصحراء هى طبيعة الحياة نفسها، الإحساس بالخوف إحساس مقلق ومزعج ونتجنبه متحدين سويا، لكن أقصى ما يخشاه البدوى فى الصحراء هو ندرة المياه، الخوف من العطش، هو أكبر وازغ يقلقنا والخوف من العطش لا يأتى من فراغ لأن الأشياء تعلو قيمتها بعنصر الندرة، كلما كان هناك ندرة لشىء كلما كان غاليا، وفقدان الغالى هو المنبع الأساسى بالإحساس بشعور الخوف، ندرة المياه والخوف من العطش هو أقصى ما يخيفنا، لكن الحيوانات المفترسة والبرية والزواحف، استطعنا أن نتعامل معها وأن ننصب لها شباكا وفخوخا، وأصبحنا مع عامل الوقت نألف وجودها ونترقب ظهورها فى أى وقت، لكن ومع ذلك استطعنا كسر حاجز الخوف بالنسبة إلى الحيوانات المفترسة والزواحف

كيف تحكم الصحراء أبناءها، وما هو العرف السائد؟

ــ العرف نفسه هو مصدر تشريع حتى فى الشريعة الإسلامية ومصادر التحكيم ووضع المادة الدستورية المنسقة للحياة،  فالعرف ما تعارف الناس على حيويته، وهنا فى صحرائنا مازالت هناك أعراف سائدة منها ما هو إيجابى ومنها ما هو سلبى، من الجوانب السلبية لأعرافنا المغالاة فى الظهور والمغالاة فى الزواج الذى قد يتكلف مهر العروس وحدة ما بين مائة ألف إلى مائتى، كذلك الولائم وليللى الأفراح والطرب كل هذه مظاهر مرهقة للبدوى، وتأتى من دافع الكرم فى عزائم ولاد العموم والأخوال من القبائل الأخرى والبدو على درجة من الكرم فلا يستطع أن يظهر بأقل مما هو واجب، لكن العرف البدوى أيضا يضم العصبية القبيلة وأن كان محل سخرية عند البعض لأن كلكم لآدم وآدم من تراب، فهذا عرف سائد وعوائد، وتغيير العرف والسائد أمر صعب جدا، يحتاج لوعى شديد. كيف يتم اختيار شيوخ المجالس العرفية؟

ــ تتم ما بين المجتمع البدوى بناء على تخويل معين لكبار السن الذين يتصفون بالحكمة وبالأمانة ويكون عدولا ومشهودا له بحسن السير والسلوك، الذى يحكم يجب أن يكون حكمه مجردا، ففى القاعدة القانونية، فى وضع فلسفنا هى تكون قاعدة مجردة، تسقط على الجميع بدون استثناء، فلا بد أن يكون صاحب العرف البدوى فى المجالس العرفية، يتصف بصفات حميدة، يشهد له بها مجتمعه الذى يعيش فيه، من أمانة وإنصاف وقدرة على امتصاص ردات الأفعال الحادة، والقدرة على تدوير الزوايا، القائمة لجعلها دائرية انسيابية بحيث أنها تتحرك فى نطاق المشكلة بشيء من السلاسة، ويخمد هذه ويخمد هذه، حتى يصل إلى حكم منصف، فنحن لا نقل تدخل أحد يحكمنا غير أبناء وشيوخ قبائلنا وكلمتهم النهائية هى سيف على الجميع.

والأعراف تقوم على بنود معينة متفق عليها المجتمع أن تكون هى المعيار الحاكم، فى المجتمع البدوى فى حالة نشوب أية مشاكل، مثلا تطبيق العرف يقول إن القاتل يقتل وأن الفدية لا تجوز إذا لم يوافق الطرف الآخر، لكن البدوى بطبعه لا يتمنى أن يقع تحت طائلة القاعدة القانونية العرفية من عقاب، وغايته أن يسمو عن أى موقف يصيبه تصاغر ويصيبه بالدونية ويجعله صبه وسيره تلاقى بالسوء من المجتمع البدوى.

المرأة البدوية ما دورها فى الصحراء؟ 

المرأة البدوية تعيش فى نطاق مجتمعى مغلق، ولكنها تعيش منحازة لهذا الانغلاق، لأن مهمة المرأة البدوية هى أن تنجب رجلا، ورجلا ليس معناها أن نتجب ذكرا، لكن معناها أن تنجب عضورا بدويا يكون فردا صالحا، وترضعه المبادئ وترضعه الأخلاق وتجعل منه فارسا وتجعل منه رجلا يتصدى للمواجهات المختلفة، وهى بهذه تحتذى أهم وظيفة لها فى الكون، فهى بإنجابها رجلا خير لها أن تصل إلى آخر أبحاث الخلايا الجزعية، لأن الفرد البدوى هو مقيم هذه الحياة فى الصحراء، فالمرأة هى جوهرة البدو والبادية، وهى مصونة عنده، ولها رأيها، ووليس معنى ذلك أن المرأة مهمشة لكن أحيانا المرأة تصيب فى رأيها وترى زوايا أخرى لا يراها الرجل، فالمرأة لها بصمتها، ولها وجودها فى مملكتها وهى حياتها الاجتماعية داخل منزلها مع أولادها مع جيرانها مع مجتمعها، عنصر لا يمكن أبدا إغفاله، تقوم بدور ندى ولا نستطع أن نقول إنه شبه ندى لكنه ندى لإقامة الحياة السليمة داخل المجتمع البدوى.