الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

دهشة الفن البدوى

لماذا نحب الفن؟ ربما نراه فى بعض الأحيان تافها، ساذجا، لا يصلح لشيء سوا لبعض المتعة وتسلية الوقت، وربما لو تعمقنا أكثر لجاوبنا بأننا نحبه لأنه يترك لنا مساحة للتعبير وللتفكير، لكن أكثر ما سوف نصل إليه من إجابات فى حب الفن سنجيب بقوة إننا نحبه لأنه يدهشنا، الفن وحده لديه هذه القدرة إنها مسحة إلهية، قادرة على خلق وتجسيد لحظات حياتنا مرة أخرى أمام أعيننا.



وربما لو ذهبنا أبعد من الدهشة سنحتار كيف أن آلة موسيقية صغيرة قادرة أن تضرب وجداننا من الداخل، أو أن شخصا يقف على خشبة مسرح ويصرخ فجاءة فيتجمد قلبنا، أو كيف لصوت عذب ينشد فيهذب أنفسنا وتروض وحشيتنا، هذا هو الفن غير المحتكر لفئة أو لجنس دون غيره، لكنه وصل إلى كل إنسان وجد على الأرض، كل الثقافات والعادات والشعوب تعرفه، من  دون  وسائل  تكنولوجية أو إنترنت أو محطات أقمار، هو موجود بداخلنا وليس بالخارج، وهنا فى ثقافة البادية، استطاع البدوى أن يخلق من داخل مساحة الوحشة والطابع القاسى للصحراء، يخلق فننا أصيلا من صنع يديه، فالراعى البدوى صنع بنفسه وهو خلف قطيع الغنم الآلة الصغيرة التى تشبه الناى،  زمارة أوتارها حادة كبيئتها ومع ذلك فهى تدهش سامعها، صنع بنفسه صوت طبلته التى شدها من جلود الأغنام والماعز فأصبحت جزءا منهم ليس دخيلا عليهم، كذلك تدرجت الأغنية والشعر البدوى من مراحل بدائية إلى مرحلة نضج لسامعيها ومنشديها، وفى لقائنا مع أحد فناني البدو عبدلله أبو سكران من قبيلة الجلالات، تحدث إلينا أن الأغنية البدوية لا يطول تاريخها على مائة عام مضت، فقبل ذلك كان البدو رحالة مشغولين دائما بالرعى والبحث عن المياه ودندنة بعض الأصوات مع الآلة لكن مع التدرج الزمنى أصبح البدوى لديه أغنية يرددها ولديه جمهور يسمعها، ولكن الأغنية البدوية لم تنتشر فى مصر نظرا لاختلاف اللهجة التى ربما لا يفهمها مطلقا عامة الشعب، وربما لم تنتشر بسبب صعوبة الكلمات الخاصة بأبناء البادية فقط، وربما بسبب الإنتاج، فالمنتج لا يسعى إلى تسويق الأغنية بشكل كافٍ داخل  مصر، ولكن أماكن انتشارنا تكون بصورة أكبر داخل الوطن العربى مثل ليبيا واليمن والأردن بسبب اللهجة المشتركة، ولكن نحب ونسعى أن تنال الأغنية والفن البدوى داخل أبناء وطننا كالأغنية النوبية أو الشعبية، فهى خارجة أيضا من أقليات إن صحت التسمية لكنها لاقت رواجا واسعا، وهذا ما نتمناه تجاه أغنيتنا وفننا، كذلك العشر البدوى له طابع خاص، فهو شعر شبهى نتناقله جيل بعد جيل وربما تصل القصيدة الواحدة لمئات الأبيات، فمعظم شعرنا غير موثق فى دواوين لكننا نحفظه أبا عن جد، وفى حديث مع الشاعر حسين صالح سيف النصر من قبيلة الجلالات قال إن الشعر البدوى له طابع مميز فهو أن تغزل تعمق جدا وإن تحدث عن الوطن خرج من انتماء حقيقى فالشعر إحساس قائم من القلب فإن لم يمتلك الشاعر إحساسا حقيقيا فقط سقط مذهبه، والشعر عندنا فى البادية نستخدمه فى القعدات والمجالس والأفراح، ونسجله وننشره فيلاقى احترام وقبول كل أبناء القبائل لأنه يحكى فى معظمه عن الانتماء والتقاليد والأعراف والأصل، ويحاكى الطبيعة الواسعة وهدوء وسكون الليل، ونفس البدوى الهادئة غير المضطربة ولا مدفوعة ومطاردة بالحركة المستمرة كالذين يعيشون خارج البادية، لكن الشعر يخرج هنا عن نفس ساكنة هادئة،  فيخرج حرا صافيا غير مقيد بشيء، وكتب شاعرنا بعض الكلمات لمصر خصيصا لهذا الحوار معه، عدة أبيات شعرية مكونة من قافيتين فقط، كتب:

نحنا هلك مانسيبوك  ولانفرطو فى ترابك

يا مصر بالروح نفدوك إحنا ضد ناوى خرابك

إحنا للعدو مانعاطوك أنا ضد داعم إرهابك

أنتى الغالية مانهونوك يا مصر ديرى احسابك

انغيبو عليك ونجوك لو بيش ذايد اعطابك ملاذ للعدو مانخلوك ولاننخوضو فى شرابك

سلمهم ضناك صبوك فى وجه طامع ايهابك

لانقانهم تريس يحموك شيابك وخيرة  شبابك 

انا فالعلا دوم نبوك وباراجك اتناطح سحابك

جميع ماغلى بيه نفدوك انتى السابقة فى أوجابك

نحنا هلك مانسيبوك  ولانفرطو فى ترابك.