الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
رسالة من يونيو

رسالة من يونيو

قرأت فى الأيام الماضية عددا من التقارير العلمية بعضها يطارد مستقبلا بعيدا جدا والبعض الآخر ينقب فى تاريخ سحيق أو تاريخ ما قبل التاريخ، تزف تقارير المستقبل بشرى لسكان كوكب الأرض، البشرى السعيدة أنه تم اكتشاف كوكبين يبعدا عن شمسنا بمسافة 11 سنة ضوئية فقط، تكمن البشرى فى هذه «الفقط «لأنها تعنى القرب مما يتيح أمام علماء الفلك دراسة الكوكبين بسهولة وفى نفس هذا السياق المستقبلى أعلنت الوكالة الأمريكية للفضاء «ناسا»  منذ فترة عن اكتشاف عدد من الكواكب تدور حول نجم يبعد عنا 40 سنة ضوئية فقط وأن هناك إشارات تدل على أن بعض هذه الكواكب تصلح لحياة البشر عليها.



 أضافت لنا «ناسا» بشرى أخرى فغير «فقط» التى تعنى القرب فهناك تأكيدات على وجود مياه ومناخ صالح للإنسان يجعله يتأقلم مع وجوده على الكواكب الجديدة، هذه الاكتشافات التى يعلن عنها كل فترة وتحمل أخبارا سعيدة خاصة بسهولة دراسة الكواكب الجديدة أو الحياة عليها لا تتم بسهولة فهناك مئات من علماء الفلك ينتمون للولايات المتحدة وأوروبا وروسيا يمكثون بالسنين خلف تليسكوبات منتشرة فى أكثر بقاع الأرض عزلة من أجل مراقبة الكون ثم القيام بدراسات فلكية غاية فى التعقيد من أجل الوصول الى هذه الاكتشافات وينفق على هذه الأبحاث الاستكشافية ملايين الدولارات من ميزانية هذه الدول. يبدو أن الأخبار السعيدة حول اكتشاف الكواكب القريبة بدأت تخرج هى الأخرى من الصين لتنافس الغرب فى السعادة والاستكشاف وتمتلك الصين منظومة متطورة لاكتشاف الفضاء الكونى غير المحدود.. بعيدا عن السعادة المفرطة بهذه الاكتشافات فهناك حقائق علمية تقلل من سعادة العلماء وسعادتنا فسرعة الضوء الذى تقاس به هذه السنين تبلغ 300 ألف كيلومتر/ثانية، وحسب هذه السرعة فإن الضوء يقطع 18 مليون كيلومترا فى الدقيقة أما المسافة التى يقطعها الضوء فى سنة واحدة فتبلغ 9 تريليونات كيلومتر وبضرب هذه المسافة فى عدد السنين التى تفصلنا عن الكواكب القريبة منا سنجد أننا أمام مسافات لا نهائية .. الأهم من المسافة أن الحضارة الإنسانية التى نعيشها الآن ونعتبرها متقدمة مازالت تتحرك بالوقود الأحفورى والذى يعطينا طاقة متخلفة تجعلنا لا نجرأ على مجرد تخيل قطع هذه المسافات.. فمن أين تأتى سعادة هؤلاء العلماء بتلك الاكتشافات ؟ يعلم علماء الفلك جيدا أن الوصول إلى طاقة تجعلنا نخرج من حدود كوكبنا والانطلاق فى الفضاء الكونى أمر مستقبلى تماما قد لا يتحقق فى المستقبل الذى سيعيشه أحفادهم أو حتى أحفاد أحفادهم ألا لوحدثت طفرة تكنولوجية تستطيع التغلب على هذا العائق يدفعنا هذا إلى سؤال آخر لماذا ينفقون كل هذا الوقت والجهد والمال من أجل هذه الاستكشافات بعيدة التحقق؟ .. نترك علماء الفلك فى مستقبلهم الضوئى ونذهب إلى العلماء الباحثين فى أصل الإنسان هؤلاء العلماء لا يتجهون إلى المستقبل بل يتوغلون فى الماضى وهو ماضٍ تحسب سنواته بالآلاف وأحيانا بالملايين من السنين يبحث هؤلاء العلماء عن أمور تبدو غريبة بالنسبة لنا مثل علاقة إنسان نياندرتال بنا نحن البشر الحاليين فأثبتوا حدوث اتصال جنسى بين البشر والنياندرتال عن طريق فحص جينات الإنسان الحالى ومقارنتها بجينات النياندرتال التى استخلصوها من الحفريات التى عثروا عليها لهذا الإنسان يعتبر إنسان النياندرتال حسب التصنيف العلمى أحد فصائل الجنس البشرى التى انقرضت وأطلق عليه هذا الاسم لأن أول الأحافير التى عثر عليها له كانت فى وأدى نياندر فى ألمانيا .. يتحول علماء أصل الإنسان فى تقرير آخر إلى محققين بوليسيين يعملون على حل لغز  إنسان قتل بطريقة غامضة منذ 8 آلاف عام وعثروا على جمجمته فى السويد ولم يكتفوابالتحقيق البوليسى بل استعانوا بعلوم الطب الشرعى وتكنولوجيا الواقع الافتراضى حتى توصولوا إلى شكل كامل لوجه هذه الضحية التى قتلت من 8 آلاف سنة على يد مجهول..  ينفق على هذه الأبحاث المتوغلة فى الماضى الكثير من الوقت والجهد والمال مثلها مثل أبحاث علماء الفلك فى العثور على كواكب صالحة للحياة تدفعنا هذه الأبحاث الموغلة فى الماضى كما الأبحاث المنطلقة فى المستقبل إلى أسئلة ملحة ماذا سيعود علينا إذا اكتشفنا أن لنا جدود ينتمون إلى إنسان النياندرتال بعد اتصالهم الجنسى بالبشر الحاليين ؟ أو ماهى العدالة التى يجب أن نحققها فى قضية اندثر جميع أطرافها منذ 8 آلاف سنة ؟ .. نحتفظ نحن بأإجابات مريحة على تلك الأسئلة المتعلقة بمن يطاردون المستقبل البعيد أو ينقبون فى الماضى الموغل فى القدم حتى لا نرهق عقولنا المشغولة بأمور أخرى .. تقول الإجابات المريحة التى تعشقها عقولنا أن هذا نوع من الترف العلمى أتاحته الوفرة المالية للغرب والصين حاليا أو ننظر لهذه الأبحاث بنوع من السخرية ونصف هذه المجتمعات وهؤلاء العلماء بالجنون والعبث لأنهم يهدرون وقتهم فى أمور غير مفيدة وكأننا فى مجتمعاتنا نحترم الوقت إلى أقصى درجة ونستخدم كل مفرداته لإضافة كل ما هو مفيد للحضارة الإنسانية.. ما نراه نحن ترفا أو عبثا تقف وراءه أنواع شتى من الفنون ،نجد صناع السينما يتلقفون هذه الأبحاث ويحولوها إلى شرائط سينمائية غير مئات من الفضائيات المتخصصة تنتج وثائقيات عن ما يفعله هؤلاء العلماء فى أفلام غاية فى التشويق يتابعها الملايين.. لا تصلح الإجابات المريحة لفهم هدف هذه المنظومة العلمية والفنية التى أنشأتها المجتمعات المتقدمة وتنفق عليها ملايين الدولارات والكثير من الوقت والجهد من أجل بقائها واستمرارها.. قبل أن نذهب إلى الإجابات القلقة، نتجول فى صعيد مصر سنجد مئات من البعثات العلمية التى قدمت من نفس المجتمعات التى تطارد المستقبل البعيد أو تبحث فى تاريخ ما قبل التاريخ وانضمت الصين لهم مؤخرا يكتشفون أسرار الحضارة المصرية القديمة وهى الحضارة الوحيدة على أرض هذا الكوكب التى تحمل علما باسمها وهو علم المصريات أو الإيجيبتولوجى .. تحتاج هذه البعثات بالتأكيد إلى إنفاق وقت وجهد ومال على عملها فهى لا تأتى لقضاء عطلة شتوية فى صعيد مصر الساحر بل هى تعمل بجدية شديدة من أجل استكشاف أسرار حضارتنا العظيمة وهى على يقين تام أن كل ما تتوصل إليه سيكون إضافة إلى منجزها الحضارى الحالى المتقدم.. لا يقتصر تعامل هذه المجتمعات المتقدمة مع الحضارة المصرية بالبعثات العلمية فهناك أقسام كاملة فى المتاحف والمكتبات والجامعات تحوى كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالمنجز الحضارى للمصرى القديم هذاغير السينما والوثائقيات.. يفتح باب الإجابات القلقة سؤال لماذا يأتى هذا العالم المتقدم الذى يطارد المستقبل ويوغل فى التاريخ لاكتشاف جذرنا الحضارى الموجود على أرضنا والمساهم فى تقدمه ونحن نقف ساكنين لا نقدم أو نضيف أى شىء للحضارة الإنسانية رغم أن جذورنا تنبهنا إلى أننا من صناع هذا البناء الحضارى الذى يعيشه المجتمع البشرى حاليا؟ .. تقول لنا إجابة أولى خاصة بالعالم المتقدم أن هذا العالم ينفق كل هذا الوقت والجهد والمال على هذه المنظومة العلمية الفنية من أجل الحفاظ على روح الاستكشاف داخل عقول أبنائه فتسمح لعقولهم بأن تجتاز كل الحدود دون رهبة فينطلقون مطاردين مستقبل بعيد بلا نهاية أو يغوصون بلا خوف فى تاريخ يستخرجون منه كل أسراره ليضيفوها إلى مستقبلهم.. تبدو الإجابة الثانية الخاصة بنا سهلة فنحن لو امتلكنا الوقت والجهد والمال سنكون مثلهم فننطلق إلى المستقبل ونستخرج أسرار التاريخ ،للحقيقة نحن نمتلك الوقت والجهد والمال ولا يشترط أن نوجه هذه الطاقات إلى البحث عن كواكب تصلح للحياة فى الفضاء أو نحل لغز جريمة حدثت من 8 آلاف سنة يمكن أن نوجهها لحل مشكلاتنا الحاضرة بالعلم.. نعود لقلق الحقيقة نحن لن نفعل لأننا لا نمتلك الأهم روح الاستكشاف التى فقدناها عندما تخلينا عن هويتنا المصرية الحضارية القائمة على العلم والتى شيدت هذه الحضارة الفريدة بقواعد الرياضيات والهندسة والفلسفة ،تخلينا عنها عندما سلمنا عقولنا للظلام والظلاميين طوال عقود بأسم الدين والدين من الظلام والظلاميين براء.

أقنع الظلاميون عقولنا بأن حضارتنا المصرية الفريدة القائمة على العقل ذنب يجب أن نتطهر منه وحشوا رؤسنا بصفحات من كتب صفراء مدعين أنها تحوى كل علوم الكون، هيئوا لنا أن أمة الجهل هى خير أمة لأنها لا تستعمل عقلها لأن استعمال العقل من المحرمات أما اكتشاف أفاق المستقبل فهو رجس من عمل الشيطان و العودة إلى التاريخ فوفق شروط السلف.

شيد الضلاميون سياج من الحرام حول عقولنا جعلنا نقف فى مكاننا مرتعشون نخشى الذهاب إلى المستقبل أو محاسبة التاريخ ، هذه هى الإجابات القلقة والحقيقة المؤلمة التى تسلب منا حقنا فى التقدم وتجعلنا أسرى للتخلف.. بعد سبع سنوات على ثورة يونيو التى أطاحت بالظلاميين والفاشيست من السلطة ترسل لنا الروح الثورية ليونيو رسالة تطالبنا فيها باستكمال مسيرتها للوصول إلى تحريرالعقل المصرى بالكامل من سطوة الظلام والظلاميين والقيام بأكبر عملية تحول اجتماعى تعيد إلى الأمة المصرية هويتها ، عندما نأخذ بما جاء فى الرسالة ونحقق تلك الاستعادة ستزول كل الحقائق المؤلمة وسنندهش لأن كل أزماتنا أصبح لها حلول. ذلك لأننا أصلحنا الأصل فاستقام الفرع.