الإثنين 30 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

استخبارات التسويق

قبل سنوات فى إحدى السفرات خارج البلاد التقيت بصديق يعمل فى الدولة التى سافرت إليها وتقابلنا على العشاء. استأذن صديقى أن ينضم إلينا فى العشاء زميل له فى العمل من مواطنى الدولة وزائر آخر من بلد أوروبى لأنه ارتبط معهما بميعاد مسبق قبل اتصالى المفاجئ عند وصولى.



 

 

عرفنى الزائر الأوروبى بنفسه أنه خبير فى مجال التسويق ويقوم بإعطاء دورة تدريبية للعاملين فى الشركة التى يعمل بها صديقى وأحد طلابه فى هذه الدورة زميل صديقى.

 

تشعبت الأحاديث فى جلستنا الرباعية وتنقلت بين كافة المجالات وظل ضيفنا الأوروبى يتابع أحاديثنا باهتمام ولكنه مقل فى تعليقاته ولا أتذكر الآن سبب انتقال الحديث إلى السيارات وصناعتها والماركات المفضلة فى أسواق الدول العربية.

 

 انفجر صديقى ضاحكا مشيرا إلى أن السوق المصرية فى مجال السيارات يتفرد بأمر خاص فالموديلات القديمة ترتفع أسعارها فى بعض الأحيان عن الموديلات الحديثة. ضحك ثلاثتنا بشدة لهذه المفارقة أما صديقنا الأوروبى فاكتسى وجهه بملامح جادة وانتبه لما قاله صديقى وطلب تفاصيل أكثر عن هذا الموضوع وسأل عن وجود دراسات اجتماعية وليست اقتصادية أو تسويقية تفسر هذه الظاهرة؟ أخبره صديقى بوجود دراسات عن حجم سوق السيارات فى مصر ومعدلات المبيعات ولكن لا يوجد على حد علمه تحليل اجتماعى لأذواق المستهلك المصرى أو تفسير لهذه النوستالجيا فى عشق السيارات القديمة عند المصريين.

 

ظهر الأسف على وجه صديقنا الأوروبى ولكنه سجل بعض الملاحظات فى موبيله الشخصى معلنا أنه سيحاول البحث عن دراسات اجتماعية تغطى بالبحث هذه الظاهرة التى يرى أنها عجيبة وضد منطق السوق الطبيعى ألا فى حالة السيارات القديمة النادرة وهذا النوع يباع كمقتنيات كما القطع الفنية.

 

عقب العشاء خرجنا نسير قليلا ونشاهد معالم المدينة ولكن الفضول الصحفى طغى على استكشافى لمعالم المدينة التى أزورها للمرة الأولى وسألت صديقنا الأوروبى عن سر اهتمامه بالعشق المصرى للسيارات القديمة، وهل يدخل ذلك الموضوع فى مجال أبحاثه عن عالم التسويق والدورات التدريبية التى يشرف عليها؟

 

ابتسم شاردًا ومنشغلاً كأن المصريين ومنهجهم فى تفضيل موديلات السيارات القديمة هدم كل نظريات وأبحاث التسويق التى درسها وخبرها طوال حياته، بنفس الشرود رد، ما أثاره صديقك موضوع هام وخطير رغم أنه لا يدخل فى دائرة اهتمامى الحالية والمباشرة.

 

تخيل أن يطلب منى الذهاب إلى السوق المصرية والترويج لسلعة ما وليس السيارات تحديدا ثم طبقت نظريات التسويق المعروفة والمعتادة يمكن أن أنجح بنسبة معقولة لكن التفوق الحقيقى هو عمل تحول مجتمعى فى مفاهيم السوق المستهدف فتصبح السلعة مكونا رئيسيا فى اهتمامه.

 

بمعنى آخر أنك كخبير تسويق ستبتكر وسائل ترويج لسلعتك تناسب ذوق وطبيعة السوق الذاهب إليها؟ 

 

أجاب الصديق الأوروبى على سؤالى بسؤال.. هل سمعت عن مصطلح استخبارات التسويق؟ 

 

اندهشت من طبيعة المصطلح فكل معلوماتى أن التسويق له خبراء وليس أجهزة مخابرات لم يمهلنى لأجيب بعدم المعرفة فملامح الدهشة على وجهى أجابت 

 

قال الصديق الأوروبى آخر حلقة وأقلها أهمية فى عملية التسويق ما يشاهده المستهلك فى وسائل الإعلام المختلفة والسوشيال ميديا من إعلانات ترويجية للسلعة فكل هذه الدعاية والأموال المدفوعة فيها ماهى ألا رأس جبل الجليد فى العملية التسويقية ووظيفتها التعريف بأن السلعة وصلت ومتواجدة فى السوق المستهدف أما جسم الجبل فتبنيه الاستخبارات التسويقية. حسب معرفتى فأن حجم المدفوع فى حملات الدعاية لبعض السلع يتجاوز ملايين الدولارات وقد يصل إلى مليارات أيضا وهى الحلقة الأخيرة والأقل أهمية كما قلت فكم يتكلف الأنفاق على هذه الاستخبارات التسويقية وكيف تبنى جسم جبل الجليد المختفى؟ 

 

ابتسم صديقى الأوروبى هذه المرة متعاطفا أو مشفقا لأنى من الواضح لم أستوعب رسالته ونظرت لهذه الحركة الاقتصادية الهائلة التى تغطى كوكب الأرض من زاوية واحدة وهى التكلفة المالية وكعادته طرح هو السؤال غير منتظر الأجابة 

 

هل تظن أن الشركات العولمية والعابرة للقوميات والقارات تنتج سلعا لتناسب أذواق وطبيعة المجتمعات التى ستطرح فيها السلع؟.. لا يا صديقى نحن نحول طبيعة المجتمعات لتتناسب مع السلع التى تنتجها الشركات 

 

 تبتكر معامل الشركات المنتجات ثم تبدأ ماكينات جبارة اسمها استخبارات التسويق يعمل على تشغيلها أرقى العقول فى علم الاجتماع وعلم النفس السلوكى وغيرها من التخصصات وآلاف من المدربين على جمع البيانات والمعلومات ووراءهم آلاف غيرهم يحللون هذه البيانات والمعلومات غير شبكات معقدة وممتدة على مساحة قارات العالم الخمس من الجواسيس المتخصصين فى جلب المعلومات الاقتصادية السرية وتحطيم المنافسين الصغار بالشائعات حول منتجاتهم إذ لم يخضعوا لرغبة الشركات الكبرى ويصبحوا ضمن المنظومة أو يتم شراء شركاتهم الناشئة عندما تستشعر الشركات العملاقة أن هذه البذور الناشئة ستطرح على المدى المتوسط والبعيد ثماراغنية بالأرباح.

 

استمر صديقنا الأوروبى يشرح خفايا هذا العالم المثير والمسيطر على حياتنا فى كل صغيرة وكبيرة، تنفق الشركات العملاقة المليارات على أجهزتها الاستخباراتية التسويقية من أجل عمليات التحويل المجتمعى للمجتمعات المستهدفة لتكن خاضعة لاستقبال سلعها وهذا الإنفاق ليس هدفه تحقيق أرباح طائلة فقط لصالح الشركة بل هناك هدف أبعد وهو زرع حب واحترام الشركة ومنتجاتها لدرجة خضوع عقول أبناء هذه المجتمعات بحيث لا يستطيعون الاستغناء عن السلع التى تبيعهـا الشركة حتى لوثبت للمستهلكين أن المنتجات عديمة الفائدة أو تؤدى لأضرار كارثية على صحة المستهلك. يا صديقى الشركات تدفع المليارات حتى لا تكن أبدا فى حالة رد الفعل، هى دائما تضع قاعدة شهيرة أمامها..الهجوم خير وسيلة للدفاع. غادرت هذا البلد اللطيف وعدت للقاهرة وأنفقت وقتا ليس قليلا فى الاطلاع على تفاصيل عالم استخبارات التسويق واكتشفت كم هو عالم دقيق ومعقد ومثير أيضا. قبل أيام قليلة تذكرت كافة تفاصيل حوارى الذى مرت عليه بضع سنوات مع صديقنا الأوروبى وما أطلعت عليه من تفاصيل عالم استخبارات التسويق أثناء مشاهدتى على اليوتيوب المناظرة الشهيرة للراحل الدكتور فرج فودة فى معرض الكتاب عام 1992.

 

دارت مناظرة د. فودة حول أهمية مدنية الدولة وخطورة التيارات الفاشية الإخوانية وقد اغتيل د. فودة بعدها بشهور على يد المجرمين الفاشيست لأنهم خشوا من صدق وقوةآرائه على مشروعهم الدموى الموجه من الخارج ضد الأمة المصرية. نشرت وزارة الثقافة المصرية محتوى المناظرة كاملا والتى تمتد لساعتين بنسخة جيدة الصوت وبها بعض الأخطاء الفنية فى الصورة معتذرة عن هذه الأخطاء لحين ترميم المحتوى، كانت هناك نسخ من هذه المناظرة على نفس الموقع لكنا بالغة الردائة من الناحية الفنية صوتا وصورة.

 

وقت مشاهدتى المناظرة كان مر على نشرها فى اليوتيوب 6 أيام حققت ما يقرب من 73 ألف مشاهدة أبدى 2900 إعجابهم بالمناظرة ولم تنل أعجاب 82 فقط علق على محتوى المناظرة 1400 معلق، اطلعت بنسبة كبيرة على فحوى التعليقات، تؤيد النسبة الغالبة فكر الدكتور فرج فودة وتعتبره شهيد الكلمة ورجل تنبأ بالمستقبل وترحم الجميع على ذكراه لاعنين الفاشية والفاشيست، أما مجمل المشتركين فى قناة وزارة الثقافة على اليوتيوب فبلغ 102 ألف مشترك، اجتذبت المناظرة إعلانات وهى طبيعة سياسة موقع يوتيوب فى نشر إعلانات على المحتوى الذى يحقق معدلات مشاهدة قابلة للارتفاع. نعود هنا لعلم التسويق واستخباراته بشكل مجرد إذا وضعنا فكر د. فرج فودة الذى أعلنه فى المناظرة على مقاييس هذا العلم فنحن هنا أمام (سلعة) رائجة وفق لغة الأرقام وتحليل البيانات التى يعمل عليها هؤلاء المسوقون وأيضا توجد شرائح من مجتمعنا المستهلكون استقبلت هذا الفكر (السلعة) بشغف كبيررغم أنه لم يكن هناك أى خطة دعائية تسويقية للمناظرة. بمعنى آخرلن يبذل خبراء التسويق مجهودا مضنيا لعمل تحول مجتمعى شاق من أجل ترسيخ هذه السلعة فى المجتمع المستهدف، تعطينا هذه النتائج الأولية حالة تفاؤلية على استعداد مجتمعنا لاستقبال الفكر التنويرى وطرد الظلامية التى سيطرت عليه طوال عقود ماضية. تطرح علينا هذه التفاؤلية رغم جودتها أسئلة ملحة توجه إلى صناع القوة الناعمة وهم هنا كما المسوقين وأجهزتهم التى تروج للسلع وتقوم بعمليات تحول مجتمعى إذا وجدت عوائق أمام ترويج سلعتها. هل هؤلاء الصناع مدركون للحظة التحول الفارقة التى يمر بها العالم ومصرومجتمعها فى قلب هذه اللحظة بحكم تاريخها ومحوريتها وثقلها؟

 

هل قادرون لو أدركوا على تعظيم النتائج الأولية لتصبح تحولا مجتمعيا كاملا تجاه التنوير والتخلص من الظلامية؟ 

 

هل استهلك الصناع الزخم الشعبى لثورة يونيو بإسراف وعدم حكمة طوال سبع سنوات فى إنتاج ما تصوروه قوة ناعمة فوجدوه أمام العواصف الظلامية قوة واهمة؟ 

 

لماذا حتى اللحظة الآنية لا نطبق قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع وندور فى دوائر رد الفعل وتتعقبنا أزمات الدعاية السوداء التى تحركها ماكينات الدعاية الفاشية رغم كل ما حققناه من إنجازات؟ 

 

هل أمامنا فرصة لاستعادة زمام المبادرة وذكرى يونيو تدق الأبواب أم أننا وصلنا إلى محطة الفرصة الأخيرة هذه المحطة التى لا تعطى رحابة الاختيارات؟ 

 

فلنحاول الإجابة فى الأسبوع القادم.