السبت 30 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

الوباء الذى يجتاح العالم يكشف عن وباء

ألاعيب «النصب الإنجليزى» فى زمن كورونا

كما لو كان وباء كورونا لا يكفينا، بما يترتب عليه من معاناة وآلام، وعذاب، وموت.. ظهر وباء آخر.. وباء الإنسان عندما تنتفى إنسانيته ويتحوّل إلى وحش دنيء، يستغل حال الفزع والرعب الذى أصاب البشرية كلها خوفًا من كورونا، فينهش فى من حوله..هذا الوباء الذى يصنعه بشر لا يستحقون الانتماء للجنس البشري، هو النصب، والإجرام والاحتيال على الناس فى زمن كورونا.



قبل أن أكتب هذه السطور عن مظاهر استغلال بعض العصابات والأفراد فى بريطانيا، لحال الضعف الإنسانى فى مواجهة وباء كوفيد ـ 19(كما يسميه العلماء والأطباء) تصادف أن طالعت بيان وزارة الصحة المصرية الذى تحذّر فيه المواطنين من عمليات نصب تقوم بها عصابة يتسلل أفرادها إلى البيوت فى وضح النهار مدعين أنهم من العاملين فى وزارة الصحة وأنهم مكلّفون بالقيام بأعمال الكشف الطبى للوقاية من كورونا.

والغريب أن هذه العصابة التى لا يعرف أحد بعد عدد أفرادها ونوعية أعمال النصب وربما السرقة أو انتهاك الأعراض أو تسهيل مهام فرعها المتخصص فى السرقات، باطّلاعه على أسرار البيوت، وما تحتويه، ما يسهّل السطو عليه لاحقًا.. 

الغريب أن أدعياء الكشف الطبى يحملون بطاقات توحى بأنها رسمية، فعليها ـ كما جاء فى الصور المرفقة ببيان وزارة الصحة ـ شعار الوزارة الرسمى، وبالألوان!

هكذا تستغل هذه النفوس الدنيئة ظروف الناس الصعبة فى زمن تفشى وباء لم يسبق أن شهده العالم من قبل، ويكون على سلطات الأمن المصرية أن تكافح وباء النصب، بينما تتواصل عمليات مكافحة كورونا.

أعمال إجرامية انتهازية

نأتى الآن إلى عمليات النصب والاحتيال والجرائم التى ترتكب هذه الأيام هنا فى بريطانيا وتقوم بها عصابات متسترة خلف حالة التوتر والرعب والاضطراب التى تسود الأجواء فى كل مكان.

فقد حذّر المجلس الوطنى للبوليس فى بريطانيا ـ وهو هيئة غير حكومية تمثل قيادات هذا القطاع ـ من أن وباء كورونا والأجواء الناجمة عنه قد تُفرز أسوأ ما فى البشر، مع ظهور أعمال إجرامية انتهازية تستغل الظرف القاسى الحالى وتعترض جهود وإجراءات المكافحة. 

خذ  مثلا عمليات سرقة أنابيب الأوكسجين من المستشفيات!..سرقة إطارات سيارات الإسعاف ليلًا.. سرقة مخازن وثلاجات «بنوك الطعام» التى تجمع الأغذية من المتبرعين بها وتوزعها على الفقراء والمحتاجين، فهذه بعض الحوادث المتناثرة التى يشير إليها تقريرالمجلس.

وقال المتحدث باسم المجلس: أزمة كهذه تكشف لنا أعظم ما فى الإنسان، لكنها أيضًا ـ للأسف ـ تكشف أسوأ ما فيه، فهناك أفراد وعصابات تستغل ظروف الوباء لممارسة جرائمها.  

وفى النهاية يطالب بيان المجلس الوطنى للبوليس الحكومة بتوفير ميزانيات وإمكانيات إضافية حتى تتمكن قوات البوليس من مكافحة هذه النوعيات الجديدة من جرائم زمن كورونا.

ومن بين الجرائم التى رُصدت مؤخرًا، عمليات النصب على كبار السن فى بيوتهم من خلال ادعاء تقديم خدمة استجلاب ما يحتاجونه من مشتريات من محلات السوبر ماركت، ويحصلون منهم على المال، ثم يختفون. وجرائم أخرى يقوم بها أشخاص يبيعون منظفات وماسكات، ومناديل تنظيف، وكلها بضائع مغشوشة غير مستوفية للشروط الصحية وفيها خطورة على صحة من يستعملها، وتتم عمليات البيع إما بالمرور على البيوت، أو عبر مواقع الإنترنت.  وقد أجرت هيئة حماية المستهلكين«ويتش» تحقيقًا نشرت نتائجه على موقعها الإلكترونى، تبيّن منه أن الشركات الكبرى للتجارة على الإنترنت مثل«أمازون» و«إيباي» فشلت فى التحقق من صلاحية المنتجات التى تعرضها للبيع، خاصة تلك التى من الصعب العثور عليها فى السوق بسبب الإجراءات الوقائية التى اقتضت إغلاق كل المحال غير الأساسية، هذا عدا عن المبالغة فى رفع أسعار السلع والمنتجات والأدوات التى يزداد عليها الطلب فى زمن كورونا، فجهاز قياس درجة الحرارة وثمنه 40 جنيهًا، يباع «أونلاين»بـ`300 جنيه! وزجاجة مطهر «ديتول» سعرها الأصلى 3 جنيهات تباع عبر «أمازون» بـ 30 جنيهًا! 

انتشار جرائم غريبة

ومنذ بدء تطبيق إجراءات السلامة والوقاية من كورونا، ومنها التباعد بين الأفراد لمسافة مترين على الأقل، والتزام البقاء فى البيوت وعدم الخروج إلا فى حالات الضرورة القصوى، انتشرت فى البلاد جرائم غريبة مثل ما جرى فى مدينة بريستول، حيث أحرق بعض المراهقين سيارتى نقل «ديليفري» كانتا تحملان أطعمة من أحد محلات السوبر ماركت وتتوجهان بها إلى من طلبوها لتسليمها لهم فى بيوتهم. ومن وسائل النصب الشائعة الآن ما يتم عبر مواقع الإنترنت، وكشف تقرير هيئة حماية المستهل «ويتش» أنها تمكنت من التوصل إلى مواقع إلكترونية تمارس عمليات النصب بادعاء توفير الأدوية التى تحمى الجمهور من الإصابة بالفيروس، وبعضها يروّج ويبيع ما يدعى أنها أجهزة تستعمل فى الكشف عما إذا كان الشخص مصابًا بكورونا أم لا. 

وفى الوقت نفسه، يواصل الجهاز الحكومى المختص بمراقبة منتجات الرعاية الصحية والأدوية كشف العلاجات والأدوية المزيفة التى تعرضها بعض مواقع الإنترنت للبيع بدعوى معالجتها أو وقايتها للناس من كورونا، وأعلن أنه تمكن من تعطيل بعض هذه المواقع فى بريطانيا. ومن بين المنتجات التى تمت مصادرتها أدوية غير مصرح بها رسميًا، وتركيبات صيدلية، وأجهزة يدعى من يعرضونها للبيع أنها تمكن من يشتريها من الكشف على نفسه بنفسه ليعرف ما إذا كان مصابًا بكورونا أم لا.. وكلها مزيفة. 

كما أن كثيرًا من مواقع التواصل الاجتماعى «سوشيال ميديا» تقدم نصائح وإرشادات صحية وطبية حول الفيروس، وكلها لا أساس لها من الصحة ويقدمها أشخاص غير مؤهلين.

جنة النصابين!

ونوه الجهاز إلى أن تضارب المعلومات حول عمليات الفحص التى تقوم بها الحكومة، أعطى الفرصة للمحتالين للتلاعب بأعصاب الناس واستغلال مخاوفهم فى نشر مزيد من الإعلانات عن أجهزة فحص غير معتمدة، لمجرد تحصيل المال بطريق الغش التجارى والخداع. وطرق النصب والاحتيال على الناس فى زمن كورونا لاتنتهى، وليس آخرها ما كشفت عنه هيئة حماية المستهلك وهو أن بعض مواقع الإنترنت الشهيرة مثل «فيس بوك» و«تويتر» و«انستجرام» وغيرها تعتبر جنة النصابين؛ حيث تتساهل هذه المواقع مع من يستخدمونها فى عمليات النصب والاحتيال، سواء فى بيع الوهم من خلال نصائح غير صحيحة أو بيع الأدوية.. أو التحايل على المذعورين من الفيروس بادعاء مساعدتهم وإرسال العلاج مقابل ما يطلب منهم من أموال.

وتبين أن هناك عمليات احتيال على هؤلاء الهدف منها مجرد الحصول على بياناتهم البنكية والشخصية، وعناوين بريدهم الإلكترونى ومن ثم بيع هذه البيانات والمعلومات لعصابات تتولى سرقة ودائعهم فى البنوك، أو استخدامها فى جرائم «سرقة الهوية» أى انتحال صفة الشخص الذى تجمعت لديهم معلومات وبيانات حسابه البنكى، وعنوانه وتحويل الأموال لحسابات هؤلاء المحتالين أو شراء مقتنيات وتسديد ثمنها من حساب الشخص الذى سرقت بياناته البنكية! 

وهكذا يكشف كورونا عن وباء آخر.