الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

الحكاية الأولى

قلم الحسناء .. وولاية مصر!

ريشة الفنان: عفت حسنى
ريشة الفنان: عفت حسنى

يأتى رمضان ومعه نفحات مباركات وحكايات من أزمنة فائتة.. تعلقنا بانتظار الحكاية فى كل ليلة.. نبحث عن حكاية لكل منا.. ومن بين الحكايات الكثيرة.. هنا واحدة أو اثنتان!



«قلم»، هى إحدى الجوارى المغنيات التى جاء ذكرها فى كتاب «الأغانى» للأصفهانى، وضمن يوميات المغنين والجوارى التى جمعها كمال النجمى.. أخذت فن الغناء وصنعة الضرب على العود، عن إبراهيم الموصلى وابنه إسحاق، وطارحت يحيى المكى المغنى العجوز ألحان الأقدمين حتى حفظتها وأحكمت حفظها.. وتفوقت على الجوارى والمغنيات، ثم نزلت سوق الرقيق واشتراها صالح بن عبدالوهاب، الذى كان من أكبر بيوتات بغداد وكان من حاشية أمير من أبناء الرشيد واسمه صالح أيضًا.. صالح بن الرشيد!

عندما غنت ارتج الحاضرون طربًا وعلى رأسهم صالح بن الرشيد، ورأته يحملق فى وجهها كأنه يقول فى نفسه: ما أجمل هذه الجارية! إنها تحسن الغناء والضرب بالعود، ولها فى التلحين صنعة تفضل صنعة بعض كبار المغنين!

سمع بها كبار المطربين فأقبلوا لسماعها.. وأخذوا عنها ألحانها.. كان مخارق وعلوية أجمل المغنين صوتًا.. غنت أمامهما فى سهرة.. سمعاها طويلًا حتى فرغت.. فقال لها مخارق: إنك فوق غنائك، الذى لا يقل شأنًا عمن سمعنا فى قصر الخليفة، لفائقة الحسن!

فما اسمك أيتها الحسناء؟!

قال سيدها: «قلم»!

قال علوية: فهى إذن قلم الحسناء!

مات الخليفة المعتصم وتولى الخلافة ولده هارون الواثق.. وهو يحب الغناء، وقد قيل عنه: «الواثق أكثر معرفة بالغناء من المغنين الذين يسمعهم»! سمع الواثق أغنيات.. وسأل عن صاحبها فذكروا اسمها وحدّثوه عنها.. فأرسل وزيره محمد بن عبدالملك الزيات فى طلبها.. غنت «قلم» فى حضرة الواثق، فطرَب أشد الطرَب.. وقال لسيدها: بكم تبيعها؟!

رد: بمائة ألف دينار وولاية مصر!

فغضب الخليفة، حتى ظنت أنه سيأمر بقتل سيدها.. ولكنه هدأ، وأعرض عنها وسيدها.. وأمر المغنى زرزور الكبير فغنى لحنًا ولما أتمه سأله عن صاحبه، فقال: «قلم»!

تحير الخليفة الذى نازعته فى شرائها، ولكنه ناقم على سيدها الذى اشتط فى ثمنها حتى اشترط الولاية على مصر!

ثم قام السيد صالح وقد فطن إلى خطئه.. وبين يدى الخليفة قام قائلًا: يا أمير المؤمنين، إن أكبر ما يتناهَى إليه أمل هذه الجارية أن أصيرها إليك، فبارك الله لك فيها.. وقد أهديتها لك!

لم يبال الخليفة بحال السيد الذى بدت كلماته وكأنه ينتزع روحه من بين جنبيه وقال له: قد قبلنا الهدية!

وأمر له بخمسة آلاف دينار، أخذها بعد محاولات «قلم» فى تذكير الخليفة بتأخير الوزير - الذى كثرت شكاوَى الناس من ظلمه - فى منحها لسيدها.. وقد أرسل لها أخيرًا أنه ابتاع بالمال ضيعة طيبة.. جعلها مورد رزقه وأقسَم ألا يقترب مرّة أخرى أبدًا من عمل الخليفة أو أحد من رجال السُّلطان جميعًا.

وأقسَم أيضًا، ألا يشترى جارية مغنية ولا غير مغنية أبدًا.. لكيلا تقع عليها رغبة كبير من الكبراء فإذا عارض رغبته فيكون فى ذلك حتفه!