فيلم عظيم لم يذهب مع الريح
توماس جورجسيان
يحتفل عشاق السينما والأفلام هذا العام (٢٠١٩) بمرور ٨٠ عامًا على عرض الفيلم العظيم والخالد «ذهب مع الريح»، وأول عرض لهذا الفيلم كان يوم ١٥ ديسمبر ١٩٣٩ فى مدينة أطلنطا بولاية جورجيا موقع أحداث الفيلم. ولا شك أنه من حين لآخر يتم الحديث عنه باعتباره واحدًا من أهم الأفلام فى تاريخ السينما الأمريكية والعالمية.
هذا الفيلم تم عرضه لأول مرة فى مصر فى افتتاح سينما مترو بالقاهرة بداية عام ١٩٤٠. ومن المرجح أن أكثر من نصف جيل الألفية فى أمريكا من ولدوا ما بين ١٩٨١ و١٩٩٦ لم يشاهدوا هذا الفيلم وغيره من الأفلام الكلاسيكية التى صنعت مجد هوليوود وتاريخها، إلا أن الحديث عن «ذهب مع الريح» بشكل أو آخر لم يتوقف ومازال يثير الاهتمام .. وتكرار الجدل حول الزمن الجميل، وماذا كان الجميل فيه؟
الفيلم حصل على عشر جوائز أوسكار (عام ١٩٤٠) منها جائزة أحسن فيلم وأحسن مخرج وأحسن ممثل وأحسن ممثلة. وقد فازت بجائزة أفضل ممثلة مساعدة هاتى ماكدانيل فى دورها «مامى»، وبذلك صارت ماكدانيل أول أمريكية سوداء أو أمريكية أفريقية يتم ترشيحها لأوسكار وتفوز بها.. بالمناسبة نحن نتحدث عن ١٩٤٠ وعن فيلم يتحدث عن العبيد السود وعن الجنوب العنصرى وعن نظرة البيض للسود.. وكل هذه العوامل معًا كانت قد دفعت ببعض أفراد ومجموعات للسود حينذاك المطالبة بمقاطعة الفيلم والاعتراض على عرضه.
وما يثير الدهشة والإعجاب فى الوقت الحالى بالطبع أن إحدى ممثلات الفيلم أوليفيا هافيلاند والتى مثلت شخصية ميلانى ويلكس مازالت على قيد الحياة فى الـ١٠٢ من عمرها، وهى الوحيدة من فريق التمثيل التى مازالت من الأحياء. وهافيلاند مثلت فى أكثر من ٥٠ فيلمًا على مدى السنوات ما بين ١٩٣٥ و١٩٨٨.
وفيلم «ذهب مع الريح» مأخوذ عن رواية لمارجريت ميتشل بالاسم ذاته والبطولة فيه كانت لكلارك جيبل وفيفيان لى، والفيلم فى نسخته الأخيرة مدته كانت ساعتين و٢٣ دقيقة و٣٢ ثانية. وكان من قبل أطول بكثير حسب بعض الروايات نحو أربع ساعات. وحسبما ذكر عن طرائف الفيلم فإن كلارك جيبل عمل ٧١ يومًا فى التصوير وحصل على أكثر من ١٢٠ ألف دولار، فى حين أن فيفيان لى عملت ١٢٥ يومًا وحصلت على نحو ٢٥ ألف دولار فقط، ومن ضمن ما يتم حكيه عن الفيلم وعن حواديته ياما فإن المخرج الأول تم تغييره وأن هناك ثلاثة أسماء كمخرجين للفيلم، كما أن فيفيان لى أبدت أكثر من مرة عن انزعاجها أو عدم ارتياحها من قبلات جيبل الشهيرة والموحية فى الفيلم. وقد تم اختيار فيفيان لى من ضمن ١٤٠٠ ممثلة طرحت أسماؤهن للقيام بدور بطلة الرواية (سكارليت أوهارا) بجمالها الأخّاذ وشخصيتها الحائرة والمحيرة والباحثة دومًا عن الحب والحبيب. فيفيان لى مثلت الفيلم وعمرها ٢٦ سنة. وهى مولودة فى الهند من أم أيرلندية وأب فرنسى، أما كلارك جيبل فكان فى الـ٣٨ من عمره عندما شارك فى بطولة الفيلم. وإذا كان إنتاج الفيلم قد تكلف فى ذلك الوقت ما بين اثنين وثلاثة ملايين دولار، فإن إيرادات الفيلم عبر العقود الثمانية الماضية قد تتراوح ما بين ٤ و٦ مليارات دولار أخذًا فى الاعتبار قيمة الدولار عبر السنين.
منتج الفيلم ديفيد سيلزنيك كان المحرك الرئيسى والأساسى لإنتاج الفيلم بعد أن قام بشراء حق إنتاج الرواية بـ٥٠ ألف دولار. وبعده تابع تفاصيل كتابة السيناريو وإخراج الفيلم، ولهذا لجأ لأكثر من كاتب سيناريو وتخلى عنهم.. كما أن إخراج الفيلم بدأه مع جورج كيوكر لينتهى مع فيكتور فليمنج.
والرواية لها أكثر من حكاية!
ونحن نبحث عن تفاصيل حياة صاحبة الرواية مارجريت ميتشل نكتشف أن هذه الرواية «ذهب مع الريح» الصادرة فى ٣٠ يونيو عام ١٩٣٦. هى الرواية الوحيدة التى كتبتها ميتشل التى ولدت يوم ٨ نوفمبر عام ١٩٠٠، إذ إنها كانت فى الـ٣٦ من عمرها وقالت: «فى لحظة ضعف كتبت كتابًا» وجاءت هذه الرواية لتصبح الرواية الأكثر شهرة فى تاريخ الكتب وبلغ عدد الكتب المباعة منها حتى الآن أكثر من ٣٠ مليونًا على امتداد العالم، وفى عام ١٩٤٩ بينما كانت ميتشل تعبر الطريق مع زوجها فى أطلنطا صدمتها سيارة مسرعة وقتلتها. وقد تم بيع ٥٠ ألف نسخة من الرواية فى يوم واحد. ومليون نسخة فى ستة أشهر ومليونى نسخة مع نهاية عام صدورها. ومبيعات الرواية كانت خرافية خاصة أن البلاد كانت تمر فى فترة الركود الاقتصادى الكبير، والكتاب كان ثمنه ثلاثة دولارات، ويعد هذا ثمنًا كبيرًا فى ذلك الوقت، وعدد صفحات الرواية تجاوز الألف صفحة، وقد تم تغيير عنوان الرواية الأصلى «إن غدا لهو يوم آخر» لأنه كان هناك فى ذلك الوقت ١٣ كتابًا فى مرحلة الطبع تحمل فى عناوينها كلمة «غدًا»، كما تم تغيير اسم الشخصية الرئيسية أو بطلة الرواية من «بانسى» إلى «سكارليت»، ويجب الإشارة إلى أن كل من قرأ الرواية ولم يكن عددهم قليلاً عندما عرفوا بإنتاج الفيلم أرسلوا خطابات بريد إلى المؤلفة تحمل اقتراحاتهم بأسماء ممثلين وممثلات لكل شخصيات الرواية.
وبما إننا وحسب اللغة السينمائية نقوم بعملية «فلاش باك» استرجاع الماضى أو استحضاره، فخلال السنوات التى شهدت صدور الرواية وإنتاج الفيلم وهى نهاية الثلاثينيات من القرن الماضى كان العالم يشهد تفشى الفاشية وتسلط النازية، وبالطبع بداية الحرب العالمية الثانية، كما كان يشهد فى الوقت نفسه أعمالاً فنية وسينمائية كبرى وعظيمة لسان حالها يقول بصوت عالٍ ومسموع.. الفن فى مواجهة الفناء والسينما فى مواجهة الأسلحة الفتاكة والدمار، نعم، عام ١٩٣٩ يعد العام الذهبى لهوليوود لما شهده هذا العام من أعمال مميزة تركت بصماتها فى تاريخ السينما وذاكرتنا.
وماذا عن مصر فى نفس الفترة؟..
الأمر اللافت للنظر أن فى العام نفسه فى مصر تحقق حدث مهم فى تاريخ السينما المصرية وهو ظهور فيلم «العزيمة» بتاريخ ٦ نوفمبر ١٩٣٩. شيخ المخرجين أحمد كامل مرسى (١٩٠٩- ١٩٨٧) وهو يتذكر ملامح من السينما المصرية كتب عن هذا الفيلم ذاكرًا: «هو من تأليف وإخراج كمال سليم. بطولة فاطمة رشدى وحسين صدقى، والفيلم يعالج مشكلة البطالة والعمل الحر، بأسلوب واقعى نابع من صميم الحياة المصرية» مضيفًا أن المؤرخ الفرنسى جورج سادول اعتبره أحد الأفلام المائة المختارة، فى تاريخ السينما العالمية.
وفى رأى أحمد كامل مرسى أن الفترة الزمنية ما بين ١٩٣٦ و١٩٤٠ هى مرحلة العصر الذهبى للسينما فى مصر، ويرجع الفضل فى هذا كما كتب إلى استوديو مصر، الذى جهز بأحدث المعدات الآلية والكفاءات الفنية، وسار العمل فيه إلى الأمام، نتيجة التعاون الصادق بين الخبراء المصريين والأجانب، من أجل تقديم الأفلام المصرية ذات القيمة الفنية والموضوعية. وقد حذت حذوه الشركات والاستديوهات الأخرى، وزاد الإقبال على مشاهدة الأفلام المصرية عامًا بعد عام، سواء فى مصر أو العالم العربى، إذن العالم كله عاش انطلاقة فنية ابداعية مميزة بدءا من ١٩٣٩.
ذاكرة الأفلام والسينما فى حياتنا لها مكانتها وقيمتها وغلاوتها.. وهى فى حاجة دائمة لتكرار الزيارة والتواصل معها.. كمان وكمان!