عروس النيل أسطورة صوَّرها الشعراء وصدقها الناس!
عزة بدر
من الأساطير التى ارتبطت بالاحتفال بوفاء النيل تلك الأسطورة التى تقول إن الفراعنة كانوا يلقون بعروس حية إلى النيل بعد أن تتحلى بأجمل ما عندها من ملابس وحُلى، وأن ذلك كان يحدث كل عام وفاءً للنيل الذى أوفى بعهده بالفيضان والخير.
وقد ظل هذا الاعتقاد عند العامة الذين كانوا يذهبون إلى احتفال «جبر الخليج»- أى كسر السد المقام عند بداية فم الخليج المصرى فتتدفق مياه النيل عبره، وتدخل عشرات ومئات القوارب والمراكب والسفن الشراعية الصغيرة، وهذه الطقوس هى أهم معالم عيد وفاء النيل.
وكان العامة يتصورون أن مكان العروس هو الخيمة المغلقة الكبيرة المصنوعة من الحرير والتى كانت تحتل موقعها المتميز فى المركب الضخمة «العَقبة»، وأن هذا المركب يمثل سفينة فاخرة تعّود المصريون قبل فتح العرب لبلدهم أن يحملوا فيها العذراء التى يقذفونها فى النيل، وهى أسطورة خيالية ليس لها أى نصيب من الواقع، على الرغم من أنها ظلت تتردد أكثر من ألف سنة!!
• أمير الشعراء وعروس النيل
لدرجة أن أمير الشعراء أحمد شوقى قد ذكرها فى قصيدته الشهيرة عن النيل والتى بدأها بقوله «من أى عهد فى القرى تتدفق/ وبأى كف فى المدائن تغدق؟».
وقد أفرد فيها أبيات كاملة يصف فيها عروس النيل التى تبادل النيل وفاءً بوفاء، وأظن ذلك خيالاً شعريًا استمده أمير الشعراء من الأسطورة التى ارتبطت بالاحتفال بوفاء النيل فيقول شوقي:
«فى كل عام درة تُلقى بلا/ ثمن إليك وحرة لا تصدق/ حَوْلٌ تسائل فيه كل نجيبة/ سبقت إليه متى يحولُ فتلحق/ والمجد عند الغانيات رغيبةً/ يُبغى كما يُبغى الجمال ويُعشق/ زفت إلى ملك الملوك يحثها/ دَيْنٌ ويدفعها هوى وتشوقُ/ فى مهرجان هزت الدنيا به/ أعطافها واختال فيه المشرق/ مجلوة فى الفُلْك يحدو فلكها/ فى الشاطئين مزغرد ومصفق/ ألقت إليك بنفسها ونفيسها/ وأتتك شيقة حلوها شيق/ خلعت عليك حياءها وحياتها/ أأعز من هذين شيء يُنفق/ وإذا تناهى الحب واتفق الفدي/ فالروح فى باب الضحية أليقٌ».
• أصل الحكاية
وترجع أصول هذه الحكاية الأسطورة إلى ما ذكره أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالحكم- توفى عام 871م، وهو صاحب أقدم مؤلف عن تاريخ مصر الإسلامية وهو «فتوح مصر والمغرب»، وقال ابن عبدالحكم: «لما فتح عمرو بن العاص مصر أتى أهلها إلى عمرو حين دخل شهر بؤنة فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنة لا يجرى إلا بها فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه كلما جاءت الليلة الثانية عشرة من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بِكْر من أبويها، فأرضيناهما، وجعلنا عليها من الحّلى والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها فى النيل، فقال لهم عمرو: «هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا شهور بؤنة ومسرى والنيل لا يجرى قليلاً ولا كثيرًا، فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بذلك فكتب إليه عمر أن قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى النيل إذا أتاك كتابى فلما قدم الكتاب إلى عمرو وفتح البطاقة فإذا فيها: «من عبدالله أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجرى من قِبَلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك».
فألقى عمرو البطاقة فى النيل، وأصبح الناس فإذا بالنيل قد فاض وارتفع منسوبه إلى ستة عشر ذراعًا فى ليلة واحدة!.
ويرى الكثيرون من مؤرخى العرب أن التقليد الخاص بإلقاء «حجة شرعية» مكتوبة فى النيل قد ظهر منذ بداية فتح العرب لمصر على يد عمرو بن العاص، لكن الحقيقة أنه ما تم من ذلك كان جريا على عادات الفراعنة الذين كانوا يلقون إلى النيل رسائل مكتوبة على بطاقات من أوراق البردى، تتضمن صيغًا رسمية أو أشعارًا أو ابتهالات دينية بل كان بعض أفراد الشعب يلقون بدورهم رسائل شخصية إلى النيل تتضمن المدائح الشعرية للنهر والاعتراف بفضله، وقد عُثر على العديد من الابتهالات والدعوات المكتوبة التى كانت تُرفع للنيل أو تلقى فيه خصوصًا حين يأتى الفيضان منخفضًا ومهددًا بالمجاعة، ولم يذكر فى أى من هذه الابتهالات أو الصلوات أن عروسًا قد ألقيت فى النيل كسبيل للتوسل إليه، كما عُثر على لوحات تصف كل منها بالتفصيل جميع المراسم التى كانت تؤدى والأشعار والأغانى التى كانت تلقى فى الاحتفالات النيلية التى كانت تقام لدعوة النهر إلى الفيضان والإتيان بالخير، وكانت فى الغالب تأخذ طابعًا دينيًا وشعبيًا، وأولى هذه اللوحات كانت لرمسيس الثانى، وثانيتها كانت لمرنتباح، والثالثة كانت لرمسيس الثالث، ومن هذه اللوحات يتضح أن الملك كان يحضر بنفسه هذا الاحتفال الرئيسى الذى كان يبدأ عادة بذبح عجل وأوز وبط ودجاج كقربان ثم تُلقى فى النيل «رسالة» مكتوبة على ورقة من أوراق البردى تتضمن بعض الصلوات والمدائح فى النيل اعترافًا بفضله وابتهالات لمواصلة الفيضان فى كل عام بما فيه خير البلاد، فلو كان المصريون يقدمون للنيل عروسة حية فهل كان من الممكن عدم ذكر ذلك وإغفاله فى تلك اللوحات التى تركها هؤلاء الملوك العظام؟
(مختار السويفى عن بارتون ورثنجتون فى كتابه: النيل: النهر والناس) ص78، ص79/.
ويرى د.محمد حسين هيكل فى كتابه «الفاروق عمر» أن إلقاء عروس بشرية فى النيل كقربان لا يتفق مع ما بلغه الفراعنة من علم وحضارة، كما أن انتشار المسيحية بين المصريين فى عهد الرومان (وهى ديانة سماوية سمحة) لم يكن يسمح بقيام هذه البدعة. أما عبداللطيف حمزة فيرى أن القصة التاريخية من الصعب تصديقها، لأن الماء إذا جف ثلاثة شهور لا يبقى فى مصر أثر للحياة، وإذا جف النيل طوال هذه المدة فكيف يجرى فى ليلة واحدة بعد إلقاء البطاقة بل يبلغ ستة عشر ذراعًا بعد أن كان لا يجرى قليلاً أو كثيرًا؟!
ويرى سليم حسن أشهر الأثريين المصريين أن الوثيقة التى بعث بها عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص لتلُقى فى النيل ليفيض ربما كانت مجاراة من الخليفة للمصريين فى عادة لهم لا ضرر منها
• من هى عروس النيل؟
«لا شك أن تعبير «عروس النيل» تعبير قديم وقد استعمل عبر آلاف طويلة من السنين لكن لم يكن يقصد بهذا التعبير أن هناك عروسا عذراء حية تزف إلى النيل بأن تلقى فى أحضانه كل عام، وإن كان يقصد بهذا التعبير معنى آخر من المعانى المجازية وهو الأرض المصرية فى وادى النيل، التى يخصبها النيل فى موسم الفيضان».
لكن من المؤكد أن الفراعنة كانوا يلقون فى النيل رسائل مكتوبة على بطاقات من أوراق البردى، وأنها كانت تتضمن صيغا شعرية غاية فى الرقة والعذوبة ومنها «سلام عليك يا حابى.. يا من تخرج إلى هذه الأرض وتأتى لتحيى مصر.. يا من تخفى فى الظلمات مجيئك.. إنك اللجة تنتشر على الحقول فتعطى الحياة لجميع الظمآنين.. أنت سيد الأسماك متى جزت الشلال.. وبك لم تعد الطيور ترتمى على الحقول فأنت صانع القمح والشعير، وكاسى المعابد حُلل الأعياد.
.. سلام عليك حابى.. سلام عليك».•