عندما تشعر بالظلم فلتتوجه إلى الإمام الشافعى قاضى الحوائج
صباح الخير
حالة من الرهبة تملأك فور دخولك إلى مقابر الإمام الشافعى، سكون الموتى وصمت المكان يدفعك إلى العبرة والنظر دون تعليق، مقابر لباشوات وبهوات، تزينها القباب الحجرية المزخرفة، وأخرى لعامة الناس لا تحتاج إلى دليل أو علامة، فبالطبع لا تخطئها العين، فهى تحمل سمات بساطة أصحابها.
درجات مختلفة من الفقر والغنى، والحداثة والقدم، تتدرج أمامك فى تباين واضح لتعيشها فى لحظات مرورك العابر، وهكذا يأخذك الطريق عبر شوارع ضيقة تلتف معها فتسلمك إحداها إلى الأخرى حتى تصل إلى وجهتك - باعتبارك صاحب مسألة -حيث ضريح الإمام الشافعى لتدخل إليه شاكياً حاكياً ما قد حل بك فى رحلتك الدنيوية.
حالة من الروحانية المميزة عندما تدخل إلى ضريح الإمام الشافعى بطرازه العمرانى الإسلامى ذى النقوش البارزة، وقبته العظيمة التى من الصعب أن تخطئ بينها وبين القباب الأخرى، والتى تضم فى رحابها مريدى الإمام ممن لهم حاجة أو شكوى بعد أن ضاقت بهم الدنيا، أياد جافة قاسية تشقق جلدها من الكد والشقاء وأخرى ناعمة لحسن معيشها جميعهم قد تشابكت أصابعهم متشبثة بحديد الضريح، يطلبون المدد.
هنا يسكبون العبرات.. ويرفعون الطلبات.. ويكتبون الشكاوى والمظالم فى خطابات - قد لا تصل أبدا - إلا أن إرسالها لم ولن يزل واجبا لرفع الغمة.
أسرار لم تنته وعبارات استجداء لم تتوقف لطلب المدد من المعين. ليظل باب أولياء الله الصالحين هو الباب الذى لم يمل المصريون طرقه عندما يطول المرض أو يتأخر مجيء الولد، أو يتعثر زواج البنت أو يشتد الظلم.
هكذا كان حال المقام الذى غطت أرضيته شكاوى قد كتبها أصحابها لإرسالها إلى قاضى القضاة كما قال عنه الناس والذى ربما يفسر ذلك بأن الإمام الشافعى الذى يلتقى مع الرسول فى جده عبد مناف كان قاضيا يأتون إليه للفصل فى المظالم فاعتاد الناس على هذا السلوك حتى بعد وفاته ومن المعتقدات أيضا إلقاء جزء من ثياب المظلوم أو صاحب الحاجة.
• أربع مقابر
ويوجد الآن بالضريح الذى يحتوى على مقبرة الإمام الشافعى أربع مقابر، الأولى هى للإمام الشافعى، والذى يعد أكبر ضريح مستقل بنى فى مصر. وقبته الكبيرة والتى تشبه قبة مسجد قبة الصخرة فى القدس. والثانية لأم الملك الكامل الأيوبى، والثالث للسلطان الكامل الأيوبى، والرابع للسيد محمد بن عبدالحكم.
اقتربنا من الضريح الكريم الذى تجمع حوله مريدوه وخاصة ممن يشكون الظلم وقد كتب أحدهم خطابا ليضعه داخل الزجاج الذى يلف الضريح ليستقر هو الآخر جانب كثير من الرسائل والخطابات المبعثرة والتى كشف بعضها عما تحويه فى محاولة لقراءة بعضها عبر الحاجز الزجاجى المحيط به، فهذه رسالة تبدو أنها من زوجة تشكو للإمام ظلم حماتها لها ومعاملتها السيئة وتستفيض فى الشرح بعبارات أغلبها حسبى اللى ونعم الوكيل. وآخر يتحدث هامسا إلى الإمام عن ظلم قد تعرض له فى العمل قد تسبب فى فصله دون وجه حق.
وبين ما أقرأه وما أسترق سمعه كانت قد استمرت محاولاتى فى استكشاف بعض الرسائل الأخرى التى انتشرت على أرضية الداخلية للمقام، وفجأة اصطدمت دون قصد بالحاجة سناء، وهى من أشهر زائرى المقام الكريم، امرأة فى نهاية الستين يبدو عليها الوقار والمستوى الاجتماعى الجيد، ترتدى جيبة وبلوزة وحجاباً مطرزاً رقيقا، الابتسامة لا تفارق وجهها الرقيق. وهى تجلس فى هدوء جانب المقام الخشبى مع إحدى صديقاتها فى نفس العمر تقريبا.
انتهزت فرصة خروجها لشراء مياه من الكشك القريب كما قالت لصديقتها وهى تخرج من المقام حتى تقدمت نحوها للحديث، والذى استجابت له كنوع من الفضفضة عن كرامات صاحب المقام. فقالت الحاجة سناء «أنا من محبى الإمام الشافعى وكنت أسكن قريبا منه قبل أن أتزوج فكنت آتى إليه أسبوعيا ولكن بعد أن تزوجت وانتقلت إلى شبرا أصبح من الصعب المجيء إلا مرة كل شهر، وانتمائى إلى الإمام الشافعي وحب زيارته تحديدا أكثر من أصحاب المقامات والأضرحة الأخرى لأنه بيرجع الحق لأصحابه وبيرد المظالم، فعندما كان يضيق بى الحال وأشعر بزيادة الظلم والقهر آتى سريعاً إلى هنا للشكوى ممن ظلمنى وبعدها فعلا بيرجع لى حقى، فعندما يكون هناك من ظلمنى يقرأ الشيخ عليه سورة يس وبالفعل يتحقق ما أريد. وبعد الزيارة وأنتهى من الحكى والكلام مع الإمام أرجع البيت وعندى إحساس بالراحة والهدوء النفسى.
• شكوى
وبسؤالى لها عن شكوتها فى إحدى المرات نتيجة لشعورها بالظلم، قالت: نعم جئت بالفعل إلى الشيخ وبدفع «بركة» 10 جنيه ليقرأ لى الشيخ سورة يس على من ظلمنى بعد أن أخبره باسمه، وكانت شكوتى على زوجى.. المدير العام، جئت أشكو من ظلمه ومعاملته القاسية طوال 50 سنة، هى حياتى معه، 50 سنة زواجاً ولم أر معه سوى الضرب والإهانة لكن كان عليَّ التحمل من أجل أبنائى، فعندى 3 صبيان وبنت وتحملت لحد ما اتربوا وكبروا واتجوزوا، وهو كان عايش حياته بالخروج والفسح وينكد علينا فى البيت وبعد ما أولادى كبروا حسيت أن دورى خلص فى الحياة وجيت للشيخ وقلت له اسمه وقرأ عليه سورة «يس» ومات بعدها على طول لأنه ظالم.
أما عن عدم طلبها للطلاق والتخلص من هذا الارتباط؟ فقالت: مكنش ينفع أطلب الطلاق عشان الفضيحة وأولادى وكان يضربنى عشان 3 جنيه ودلوقتى بصرف معاشه، وكان دايما يحلف بالطلاق وفرحت لما مات. ومكنتش مصدقة إنه مات فى المستشفى وخفت أدخل أشوفه ليكون لسه صاحى. تعجبت من كلام السيدة سناء وتعجبت أكثر من قطع الملابس المتناثرة داخل الأضرحة الأخرى المجاورة للإمام الشافعى وكأنها شكل جديد للعطايا والقرابين التى تدفع لأصحاب هذه الأضرحة ممن يتصفون بأهل الخطوة.
وأخيرا وقفت على عتبة المقام مغادرة وأنا أنظر إلى ضريحه مودعة بعد أن انتهيت من الطواف حوله دون أن ألقى برسالة أو خطاب بينما أخذت أقرأ أشعار الإمام الشافعى دع الأيام تفعـل ما تـشــاء وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تـجـزع لحادثة الـلـيـالى.. فـمــا لـحـوادث الـدنـيـا بقاء.•