<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?><rss xmlns:a10="http://www.w3.org/2005/Atom" version="2.0"><channel><title>مجلة صباح الخير</title><link>https://sabah.rosaelyoussef.com/</link><description>مجلة صباح الخير هي مجلة أسبوعية مصرية تصدر عن مؤسسة روزاليوسف</description><language>ar</language><copyright>جميع الحقوق محفوظة © 2026 مجلة صباح الخير</copyright><lastBuildDate>Tue, 23 Jun 2026 12:06:33 +0300</lastBuildDate><image><url>https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/SiteImages/Logo.png</url><title>مجلة صباح الخير</title><link>https://sabah.rosaelyoussef.com/</link></image><item><guid isPermaLink="true">https://sabah.rosaelyoussef.com/63261/%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D8%AF%D9%88%D8%B1</guid><link>https://sabah.rosaelyoussef.com/63261/%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D8%AF%D9%88%D8%B1</link><a10:author><a10:name>قصة: خورخى لويس بورخيس ـ ترجمة: د. هانى حجاج</a10:name></a10:author><title>أطلال تدور</title><description>لم تقع عليه عين مخلوق وهو يهبط فى ليلة النفس الواحدة لم ير أحد زورق الخيزران يغوص فى الحمأ المقدس بعد أيام</description><pubDate>Mon, 17 Nov 2025 14:01:40 +0200</pubDate><a10:updated>2025-11-19T10:00:00+02:00</a10:updated><a10:content type="html">&lt;p&gt;لم تقع عليه عين مخلوق وهو يهبط فى ليلة النَفْس الواحدة، لم ير أحد زورق الخيزران يغوص فى الحمأ المقدس؛ بعد أيام، لم يكن أحد يجهل أن الرجل الصامت جاء من الجنوب وأن وطنه ما هو إلا إحدى الضياع اللانهائية فى أعالى مصب النهر، على الجانب الوعر من الجبل، حيث لم تدنس اليونانية لغة الزند ويندر الجذام.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ما حدث هو أن الرجل قبّل الحمأ وبلغ البر دون أن يتجنب الصخور التى كانت تخدش جلده وتمزق لحمه، ربما لم يشعر بها أصلا، وزحف جريحًا وقد أصابه الدوار حتى الساحة الدائرية التى يتوجها نمر أو مهر من الصخر كان له ذات مرة لون النار وله الآن لون الرماد. هذه الساحة الدائرية معبد التهمته الحرائق القديمة ودنسته غابة المستنقعات. تمدد الغريب أسفل قاعدة التمثال وأخذته سِنة. أيقظه لهيب الشمس الحارق. تحقق بلا غرابة أن جروحه اندملت، فأغمض عينيه الممتقعتين مرة أخرى وراح فى النوم ليس لخوره الجسدى بل بوازع من إرادته وحدها. كان يدرك أن ذلك المعبد هو المكان الذى سيحقق فيه غايته التى لا تُقهر ولا تُصد، كان يدرك أن الأشجار المتنامية لم تتمكن من خنق أطلال معبد آخر مواتٍ أسفل النهر، كان يدرك أن واجبه التالى هو النوم وحده. الهواء ساكن، ولكن بمجرد أن تفتح فمك، فإن رعشة تعتريك مثلها مثل تلك الرعشة التى تحسها عندما تهم بارتشاف جرعة من كأس من الماء المتجمد.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;بين فينة وأخرى، تتهادى بعض أوراق الشجر التى تهب بها الرياح، آتية بها من لا مكان، من تحت أديم السماء.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;نحو منتصف الليل، أيقظته صرخة فظيعة لطائر يتألم. وأنذرته آثار أقدام حافية وثمار التين وجرّة بأن أهالى المنطقة راقبوا نومه فى تهذيب وأنهم كانوا يطلبون حمايته أو يخشون سحره. أحس ببرودة الخوف فالتمس فى السور المتهدم ضريحا وغطى نفسه بأوراق شجر مجهولة المصدر. هناك الأشجار النحيلة تسقط أوراقها الصفراء، ومن خلال تلك الأشجار يظهر شريط من البحر وفى الخلف تظهر السماء الزرقاء محملة ببعض السحب المتشحة بعروق ذهبية.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;رأى بعين الخيال غير مرة تجسُّد ذاته فى الحلم والأسطورة، والعلاقة بينهما، فى تجليات الأسطورة بعوالمها الخارقة للطبيعة وأبطالها الاستثنائيين، دروبها وأوقاتها وما وراء تلك الأمكنة والأزمنة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ولطالما قاده ذلك إلى الإتيان بأمثلة على الكيفية التى يتنفس معها الحلم هواء الأسطورة، وكيف يتاح للمخيلة أن تمتح من ماء الأسطورة، ومن تربة العالم الميثولوجى، ممّا هو سحرى وغامض وغير مدرك فى ظاهر الحركة، وممّا يجول فى أعماق الكينونة الإنسانية.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ولطالما فكر أن ذلك يحدث فى تزاوج أعجوبة بين قصص وأمثولات متحدرة من زمن وثقافات بائدة، وبين مساحات من حركة الوعى الشعرى لبشرى فى جغرافيا متكاملة تؤسسها مغامرة الباحث مع الأصل، وتتصل غالبًا بأحلام اليقظة، حيث تجليات لا نهاية لها لما يمكن أن ينتج عن هذا التزاوج بين ميزات مدهشة لعوالم عجيبة تتلاقى فيها الأزمنة والأمكنة والأسماء والوجوه والأجسام والأقنعة والنمور والبوارق والحكايات فى صيغ إبداعية تتفوق على الحكاية الأصل عبر انزياح كاسر، غير متوقع يستدعى معه الحكاء الأسطورى إلى الشعرى لا كما فعل التمّوزيّون العرب قبل نصف قرن ونيف، ولكن على نحو يولّد الخرافى من عمل يتفاعل مع الأسطورى لا يكرر، هذه المرة، الحكايات والأمثولات فى محاكاة يسلّم راويها بالأسطورى قناعًا وحشيًا نهائيًا وحكايةً تتحدر من تمثال حجرى، وإنما بوصفها صورةً لنمر ترتج على صفحة النهر، صورةً قابلةً للحركة للحياة، ولإعادة التحريك والميلاد، وفى جغرافية لعبته الروائية كسرًا وانزياحًا يتيحان له فى القصيدة خلق أيقونات وشعارات وأمثولات، رموز وإشارات، وعلامات جديدة كل الجدة، أحيانًا ما تكون صادمةً ومدهشةً لما فيها من انتهاك للأصل على سبيل فتح قنوات تتيح دفق مياه نهر جديد بين جغرافيات غابة الخيال الإنسانى، وجغرافية الزمن المعاصر، وبما يتيح فى القصة، التى تنتمى إلى الزمن الحديث، استدعاء المهمّش فى الأسطورة من هامشيته، فى الظل الغامض، ليكون فى السمت الكاشف الوضاء.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;div class="full-width clearfix"&gt;&lt;img src="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/NewsInnerImages/2025/11/17/$Id$/1580_20251117140030.jpg"&gt;&lt;div class="caption"&gt;&amp;nbsp;&lt;/div&gt;&lt;/div&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فلا يعود الحلم مجرد غناء راعٍ أعمى فى قرية بعيدة أو جبل قصى من جبال الأساطير، بل غناء كونى، وثورة على القيم التى صاغت الأيقونات الكبرى والأقنعة المتكلمة والأساطير الغابرة، حيث لا يعود البطل بطلًا، ولا النكرة نكرةً، وتكون الحكاية فى قلب القصة بدورها محطةً أو علامةً أو إشارةً بين إشارات وعلامات وخفايا وأقنعة وأصوات أخرى.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ومن البديهى أن جماع هذا الشىء العجيب الكاسر لمركزية بطلنا فى أسطورة حلمه، والذى يتجلّى فى صور القصة وأصواتها، إنما يتحول إلى أيقونات جديدة لها معنى جديد، وتمتلك بجاذبيتها الخاصة القدرة على تحدى واقعية الواقع وراهنيته، وعلى كسر عادية الأمور بغرائبيتها، وفجاجته البريئة بطرافتها، وتقليديته الغائية ببلاغتها الحديثة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لم يكن الهدف الذى يسعى إليه مستحيلًا بل هو أشبه بالمعجزة. أراد أن يحلم برجل، أراد أن يحلم به فى اكتمال دقيق ويفرضه على الواقع كذلك.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان هذا المشروع السحرى قد استهلك حيز نفسه بالكامل، فلو أن أحدًا سأله عن اسمه أو عن حياته السابقة لما عرف بأى شىء يجيبه.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان الخراب يناسب المعبد المهجور لأنه كان جزءًا صغيرًا جدًا من العالم المرئى، كما كان يناسبه قرب الحطابين منه لأن هؤلاء كانوا يضطلعون بمئونة احتياجاته القليلة. فقربانهم من الأرز والفاكهة كان غذاء كافيًا لجسده المكرس لمهمة النوم والحلم الوحيدة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى بادئ الأمر، كانت الأحلام باهتة شائهة مشوشة؛ فيما بعد، صارت ذات سمة جدلية.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان الغريب يحلم بأنه وسط مسرح دائرى كان على نحو ما نفس المعبدالخربان، وبكوكبة من الطلبة الواجمين التعساء أجهدت المدرجات؛ كانت وجوه الأخيرين منهم على مبعدة قرون من الزمان.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فكل فرد وفق طرح تودوروف هو شخص متعدّد الثقافات التى هى رواسب متداخلة، فالهوية الفردية تنجم عن التقاء هويات جماعية متعددة داخل الشخص الواحد بالذات. حيث لا توجد ثقافات خالصة وثقافات مختلطة؛ فكل الثقافات مركبة أو هجينة أو مهجنة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ويرجع ذلك إلى التغير الذى يصيب الثقافات بسبب التواصلات الإنسانية وممارسات الأنظمة السياسية والاجتماعية وكذلك العوامل الطبيعية؛ ومن ثم تخضع الهوية الثقافية لتلك التغييرات، وتكتسب صفة التبدل والتعدد.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى ارتفاع النجوم ولكنها حقا هنالك.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان الرجل يملى عليهم دروسًا فى التشريح وفى علم الخرائط الكونية والسحر، وكانت الوجوه تنصت له فى شغف وتجيبه فى فهم كأنها تستكنه أهمية ذلك الامتحان الذى سيخلص واحدًا منهم من ظاهره الزائف ويولجه العالم الحقيقى.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وكان الرجل، فى اليقظة والمنام، يقوَّم إجابات أشباحه ولا يلقى بالًا إلى المخاتلين منهم، ويرى فى حيرة بعضهم ذكاءً متناميًا. كان يبحث عن نفس ترقى إلى المشاركة فى الكون. ننطلق، تأسيسًا على أفكار كهذه، لطرح السؤال حول السبيل إلى مواجهة التناقض بين الحركة الموضوعية للحياة المعاصرة، التى تسير نحو الفردية وانتصار الذات الحرة فى السلوك والتفكير من جهة، والقوى النابذة لهذه الحركة من سلط وظلامية.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وبعد مرور تسع أو عشر ليالٍ، أدرك فى شيء من المرارة أن لا أمل فى أولئك الطلبة الذين كانوا يقبلون تعاليمه فى سلبية واستسلام، بعكس من كانوا يغامرون أحيانًا بمعارضة فجائية. لم يكن فى وسع الفريق الأول، الجدير بالشفقة والعطف، أن يرقى إلى مرتبة الأفراد؛ وكان الفريق الثانى يقترب من الوجود أفضل قليلًا من الفريق الأول.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى مساء أحد الأيام، عندما كان المساء أيضًا وقتًا للنوم، وبعد أن شُفى من الأرق فيما خلا ساعتين قبل بزوغ الفجر، خرَج بغير رجعة من مدرسة الأوهام العامرة وبقى طالب واحد فقط.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان فتى صموتًا، عابسًا، عاقًا أحيانًا، ملامحه حادة تكرر ملامح من يحلم به.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ولم تحيره طويلًا تصفية أقرانه الفجائية، وأثار تقدمه، إثر بعض الدروس الخاصة، إعجاب المعلم؛ فحلّت الفجيعة. إذ عاد الرجل، فى أحد الأيام، من حلمه كمن يخرج من متاهة ملساء ونظر إلى نور لطّخ ثوب المساء الخابى فتخيله ضياء الفجر وأدرك أنه لم يكن يحلم.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;div class="full-width clearfix"&gt;&lt;img alt="فى النهاية عرف أن آخرين يحلمون به أيضًا" src="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/NewsInnerImages/2025/11/17/$Id$/1578_20251117140107.jpg"&gt;&lt;div class="caption"&gt;فى النهاية عرف أن آخرين يحلمون به أيضًا&lt;/div&gt;&lt;/div&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;طيلة تلك الليلة واليوم التالى، جثمت على صدره وطأة جاثوم البصيرة فى ساعات الأرق. أنهك اقتحام الغابة قواه، فلم يحظ وسط حنقه ومرارته سوى بلحيظات من غفوة لا معنى لها تتخللها رؤى زائلة لها طبيعة بدائية غبية. رأى المدرسة ورأى نفسه ينطق ببعض كلمات وأحرف الهجاء حتى شاه الجمع وانمحى. فى ديمومة سهاده حرّقت دموع الغضب عينيه القديمتين.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;خطر له أن مسألة تشكيل المادة الهلامية والمثيرة للدوار التى هى قوام الأحلام لَمِن أشد المهام وعورة على إنسان وإن اطلع على جميع أسرار النظام العلوى والسفلي؛ أشد وعورة من نسج حبل من الرمل أو النقش على الهواء. أدرك انه لا طريق إلا الفشل ثم أنه أقسم لأن ينسى الهلوسة الشديدة التى ضللته فى مبتدأ الأمر وبحث عن طريقة عمل أخرى.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وقبل أن يمارسها، كرّس من وقته شهرًا لاستعادة قواه التى استنفدها الخبال.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;هجر كل إصراره على النوم، وفى وقت قصيرنوعًا استطاع النوم جزءًا معقولًا من النهار. فى المرات النادرة التى كان ينعس فيها خلال تلك الفترة لم يلتفت إلى أحلامه. ولكى يواصل العمل انتظر حتى يكتمل البدر. فى المساء، توضأ فى مياه النهر وصلى ثم خلد إلى النوم.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وفى الحال، رأى فى نومه قلبًا ينبض.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;رآه نشطًا، حارًا، ملغزًا، فى حجم قبضة اليد، ذا حمرة قانية فى ظلمة جسد بشرى بلا وجه بعد ولا جنس.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;رأى نفس الحلم بحب نقى على مدى أربع عشرة ليلة مبصرة حية، وفى كل ليلة كان يراه أكثر وضوحًا.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لم يكن يلمسه، بل يقتصر على مشاهدته، على مراقبته، وربما على تصحيحه بالنظر.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان يحسه ويعيشه من أبعاد مختلفة وزوايا متعددة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى الليلة الرابعة عشرة مس الشريان الرئوى بسبابته ثم كل القلب من الداخل والخارج. أعجبته التجربة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لم يحلم لليلة بمحض إرادته ثم عاد إلى القلب ودعا باسم كوكب وشرع فى رؤية عضو آخر من الأعضاء الرئيسية. قبل عام، وصل إلى الهيكل العظمى وإلى الجفنين. وربما كانت المهمة الأشق هى عد الشعر. رأى غلامًا مكتملًا، لكنه لا ينهض ولا يتكلم ولا يستطيع أن يفتح عينيه. ليلة بعد ليلة، حلم به الرجل نائمًا.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وفقًا لنظريات نشأة الكون الغنوصية، تصنع الألهة الخرافية مخلوق لونه أحمر لا يستطيع الوقوف على قدميه، مخلوق أحمق وفظًا.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى مساء أحد الأيام، كاد يحطم عمله ولكنه عاد فندم وقال: ليتنى حطمته. بعد أن لهج بالدعاء لكل آلهة الأرض والنهر، ارتمى على أعتاب التمثال الذى قد يكون لنمر أو لمهر وطلب المجهول. بُعيد الغروب، رأى التمثال فى نومه، رآه حيًا، متحركًا: لم يكن نتاجًا وحشيًا لنمر ومهر فقط بل كان هذين المخلوقين العاتيين معًا وثورًا ووردة وعاصفة كذلك. وكشف له هذا المتعدد أن اسمه الأرضى &amp;laquo;النار&amp;raquo; وأن فى معبده الدائرى هذا؛ وفى معابد أخرى مناظرة له، كان الناس يعبدونه ويقدمون له القرابين وأنه بفعل السحر سوف يمنح الحياة لشبح الرؤية بحيث تحسبه جميع المخلوقات، فيما عدا إله النار بشرًا من شحم ولحم. وأمره أن يرسله، إلى أطلال معبد آخر مازالت أهرامه منتصبةعلى ضفة النهر، كى يكون هنالك صوت له فى ذلك الطلل القفر.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى منام الرجل نفذ الساحر تلك الأوامر. وكرس فترة دامت فى النهاية عامين، ليكشف له عن أسرار الكون والنار. فى داخله، كان يؤلمه الابتعاد عنه. وبحجة الاحتياج التثقيفى، طفق يطيل ساعات المنام. أحيانًا، كان يؤرقه شعور بأن كل هذا شاهده من قبل.. كانت أيامًا سعيدة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;تدريجيًا اعتاد الواقع فى إحدى المرات، أمره بأن يرفع راية فوق قمة جبل بعيد. فى اليوم التالى، كانت الراية تخفق فوق قمة الجبل. قام بتجارب أخرى مشابهة، أكثر جرأة فى كل مرة. أدرك بغصة فى الحلق أن ابنه سيولد الآن. فى تلك الليلة، قبّله لأول مرة وأرسله إلى المعبد الآخر الذى لاحت أطلاله أسفل النهر، على مسافة فراسخ عدة من الدغل والمستنقعات. وحتى لا يكتشف أبدًا أنه كان شبحًا، وحتى يعتقد أبدًا أنه رجل كالآخرين، دفعه إلى نسيان سنى تعلُّمه تمامًا فسلمه السأم.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى ظلمة الغروب والفجر، ركع أمام التمثال الحجرى، أسفل النهر.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى الليل، لم يكن يحلم أو كان يحلم مثلما يفعل كل البشر. كان يتلقى فى شيء من الشحوب أصوات الكون وأشكاله. كان الغرض من حياته قد تم، وعاش الرجل حالة انتشاء بعد وقت يفضل بعض رواة قصته أن يحسبوه بالأعوام.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وأخيرًا أيقظه رجلان جاءا فى زورق قرب منتصف الليل. لم يتمكن من رؤية وجهيهما لكنهما حدثاه عن ساحر فى معبد الشمال يمشى على النار فلا يحترق. تذكر الساحر فجأة أن من بين جميع مخلوقات الكون كانت النار وحدها تعلم أن ابنه شبح.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وانتهت هذه الذكرى التى منحته السلام النفسى فى بادئ الحكاية بأن نغصت عليه عيشه ومضجعه. خاف أن يكون الرجل انعكاسًا لحلم رجل آخر: أية مهانة بل أى دوار!&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;انتهت أوهامه نهاية مباغتة، لكن بعض العلامات أنذرت بها. رأى غمامة بعيدة عند تل، فى خفة طائر؛ناحية الجنوب، اتشحت السماء باللون الوردى، لون لثة نمر؛ ثم الدخان الذى أصدأ معدن الليالى.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;دمرت النار أطلال قدس أقداس إله النار. وذات فجر بلا طيور، رأى الساحر الحريق المتصاعد يحاصر الأسوار. جال بخاطره أن يحتمى بالماء، لكنه أدرك أن المنية جاءت لتختم شيخوخته ولتبرئه من عذابه.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;سار فى اتجاه جدار النار، هذه لم تنشب فى لحمه، وتلك لامسته فى رفق وطوته بلا حرارة وبلا احتراق. فى راحة وفى ضراعة وفى رعب، أدرك أنه هو أيضًا كان شبحًا، أدرك أن آخر كان يراه فى المنام.&lt;/p&gt;</a10:content><enclosure type="image/jpeg" url="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/News/2025/11/17/63261.jpg"></enclosure></item><item><guid isPermaLink="true">https://sabah.rosaelyoussef.com/63053/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AF</guid><link>https://sabah.rosaelyoussef.com/63053/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AF</link><a10:author><a10:name>قصة فرانز كافكا ـ ترجمة د.هانى حجاج</a10:name></a10:author><title>الصياد</title><description>ثمة صبيان يجلسان على الحائط عند الرصيف يلعبان النرد.وكان ذلك الرجل يقرأ صحيفة على درجات نصب تذكارى فى ظل بطل</description><pubDate>Mon, 13 Oct 2025 14:18:59 +0300</pubDate><a10:updated>2025-10-15T10:00:00+03:00</a10:updated><a10:content type="html">&lt;p&gt;ثمة صبيان يجلسان على الحائط عند الرصيف يلعبان النرد.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وكان ذلك الرجل يقرأ صحيفة على درجات نصب تذكارى فى ظل بطل يحمل سيفًا. وكانت هناك فتاة صغيرة تملأ حوضها بالماء من نافورة. وكان بائع الفواكه مستلقيًا بالقرب من منتجاته وينظر إلى البحر.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;من خلال الفتحات الفارغة لباب ونافذة إحدى الحانات، يمكن رؤية رجلين يشربان النبيذ فى الخلف. وكان صاحب الحانة جالسًا على طاولة فى المقدمة نائمًا. انزلق قارب صغير بخفة إلى الميناء الصغير، وكأنه يُحمل فوق الماء. وصعد رجل يرتدى سترة زرقاء إلى الأرض وسحب الحبال عبر الحلقات.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وخلف الرجل من القارب، كان هناك رجلان آخران يرتديان معطفين داكنين بأزرار فضية يحملان نعشًا، كان من الواضح أنه يرقد عليه شخص تحت وشاح حريرى كبير بنمط زهور وهامش. لم يهتم أحد بالقادمين الجدد على الرصيف، حتى عندما وضعوا النعش لانتظار ربانهم، الذى كان لا يزال يعمل بالحبال.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لم يقترب منهم أحد، ولم يسألهم أحد أى سؤال، ولم ينظر إليهم أحد عن كثب.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان الربان مرفوع الرأس قليلًا بواسطة امرأة ذات شعر أشعث، ظهرت الآن على سطح السفينة وهى تحمل طفلًا على صدرها. ثم تحرك، مشيرًا إلى منزل مصفر من طابقين يرتفع بالقرب، مباشرة على اليسار بالقرب من الماء. حمل الحاملون حمولتهم عبر الباب المنخفض المزود بأعمدة نحيلة. فتح صبى صغير نافذة، ولاحظ على الفور كيف اختفت المجموعة داخل المنزل، وأغلق النافذة بسرعة مرة أخرى. أغلق الباب الآن أيضًا. لقد تم صنعه بعناية من خشب البلوط الأسود.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;نزل سرب من الحمائم، الذى كان حتى هذه النقطة يطير حول برج الجرس، أمام المنزل. تجمعت الحمائم أمام الباب، وكأن طعامها مخزن داخل المنزل. طارت إحداها مباشرة إلى الطابق الأول ونقرت على زجاج النافذة. كانت حيوانات زاهية الألوان، ومُعتنى بها جيدًا، وحيوية. بمسحة كبيرة من يدها، ألقت المرأة بعض البذور نحوها من القارب. أكلوها ثم طاروا إلى المرأة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;نزل رجل يرتدى قبعة عالية وشريط حداد من أحد الممرات الضيقة شديدة الانحدار المؤدية إلى الميناء. نظر حوله باهتمام. كل شيء أزعجه. تألم عند رؤية بعض القمامة فى الزاوية. كانت هناك قشور فاكهة على درجات النصب التذكارى.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أثناء مروره، دفعها بعصاه. طرق باب الصالون، بينما خلع فى نفس الوقت قبعته العالية بيده اليمنى المغطاة بالقفاز الأسود. فُتح على الفور، وانحنى له حوالى خمسون صبيًا صغيرًا، مصطفين فى صفين فى ممر طويل.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;نزل الربان من السلم، ورحب بالسيد، وقاده إلى الطابق العلوى. وفى الطابق الأول، رافقه حول الشرفة الصغيرة المبنية بدقة والتى تحيط بالفناء، وبينما كان الصبية يتجمعون خلفهم على مسافة محترمة، دخل الرجلان إلى غرفة كبيرة باردة فى الجزء الخلفى من المنزل. لم يكن من الممكن رؤية منزل مواجه من هذه الغرفة، بل جدار صخرى رمادى أسود عارٍ.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان أولئك الذين حملوا النعش مشغولين بتركيب وإضاءة بعض الشموع الطويلة عند رأسه. لكن هذه الشموع لم تكن كافية لتوفير أى ضوء. لقد جعلت الظلال التى كانت ساكنة من قبل تقفز وتومض عبر الجدران. تم سحب الشال من النعش. كان يرقد عليه رجل ذو شعر ولحية غير مهذبين وبشرة بنية - بدا وكأنه صياد. كان يرقد هناك بلا حراك، على ما يبدو دون أن يتنفس، وعيناه مغلقتان، على الرغم من أن محيطه كان الشيء الوحيد الذى يشير إلى أنه قد يكون جثة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;تقدم الرجل نحو النعش، ووضع يده على جبين الرجل الذى كان يرقد هناك، ثم جثا على ركبتيه وصلى. وأشار الربان إلى الحاملين بمغادرة الغرفة. فخرجوا، وطردوا الصبية الذين تجمعوا بالخارج، وأغلقوا الباب.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لكن الرجل، على ما يبدو، لم يكن راضيًا عن هذا الهدوء. فنظر إلى الربان. ففهم الأخير ما قاله ودخل الغرفة المجاورة من باب جانبى.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فتح الرجل الجالس على النعش عينيه على الفور، وأدار وجهه بابتسامة مؤلمة نحو الرجل، وقال:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;من أنت؟&amp;raquo;.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ودون أى مفاجأة، نهض الرجل من وضع الركوع وأجاب:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;عمدة ريفا&amp;raquo;.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أومأ الرجل الجالس على النعش برأسه، وأشار إلى كرسى بمد ذراعه بشكل ضعيف، ثم بعد أن قبل العمدة دعوته، قال:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;نعم، كنت أعرف ذلك، يا سيدى العمدة، ولكن فى اللحظات الأولى كنت أنسى كل شيء دائمًا - كل شيء يدور فى دوائر حولى، ومن الأفضل لى أن أسأل، حتى عندما أعرف كل شيء. من المفترض أيضًا أن تعرف أننى الصياد جراكوس&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;بالطبع&amp;raquo;، قال العمدة. &amp;laquo;لقد تلقيت الخبر اليوم أثناء الليل. كنا نائمين لبعض الوقت. ثم حوالى منتصف الليل،&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;نادتنى زوجتى قائلة: &amp;laquo;سلفاتورى&amp;raquo; هذا هو اسمى &amp;laquo;انظر إلى الحمامة عند النافذة!&amp;raquo;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كانت حمامة فى الحقيقة، لكنها كانت بحجم الديك.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;طارت إلى أذنى وقالت:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;غدًا سيأتى الصياد الميت جراكوس. رحبوا به باسم المدينة&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أومأ الصياد برأسه ودفع طرف لسانه بين شفتيه.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;نعم، الحمائم تطير هنا أمامى. ولكن هل تعتقد يا عمدة المدينة أننى سأبقى فى ريفا؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أجاب العمدة:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;لا أستطيع أن أقول هذا بعد. هل أنت ميت؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;نعم،&amp;raquo; قال الصياد، &amp;laquo;كما ترى. منذ سنوات عديدة - لا بد أنه كان منذ سنوات عديدة جدًا - سقطت من صخرة فى الغابة السوداء - أى فى ألمانيا - بينما كنت أتعقب حيوان الشامواه. ومنذ ذلك الحين، كنت ميتًا&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;ولكنك أيضًا على قيد الحياة&amp;raquo;، قال العمدة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;إلى حد ما&amp;raquo; قال الصياد، &amp;laquo;إلى حد ما أنا أيضًا على قيد الحياة. لقد ضل قارب موتى طريقه - انعطاف خاطئ للدفة، لحظة لم يكن فيها الربان منتبهًا، تحويل عبر وطنى الرائع - لا أعرف ما هو. كل ما أعرفه هو أننى بقيت على الأرض وأن قاربى منذ ذلك الوقت يسافر عبر المياه الأرضية. لذلك أنا - الذى أردت فقط أن أعيش فى جبالى - أسافر بعد وفاتى عبر جميع بلدان الأرض&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;وليس لك نصيب فى العالم الآخر؟&amp;raquo; سأل العمدة وهو يعقد حاجبيه.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أجاب الصياد: &amp;laquo;أنا دائمًا على الدرج الضخم المؤدى إليه. أتجول على هذه الدرج الواسعة التى لا نهاية لها، أحيانًا لأعلى، وأحيانًا لأسفل، وأحيانًا إلى اليمين، وأحيانًا إلى اليسار، دائمًا فى حركة. من كونى صيادًا، أصبحت فراشة. لا تضحك&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;أنا لا أضحك&amp;raquo;، احتج رئيس البلدية.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;هذا لطف منك&amp;raquo;، قال الصياد. &amp;laquo;أنا دائمًا أتحرك. ولكن عندما أمر بأكبر حركة صاعدة ويضىء الباب فوقى مباشرة، أستيقظ على قاربى القديم، لا يزال عالقًا فى مساحة أرضية من الماء. الخطأ الأساسى الذى ارتكبته فى وفاتى السابقة يبتسم لى فى مقصورتى. تطرق جوليا، زوجة ربان السفينة، الباب وتحضر لى على النعش شراب الصباح للبلد الذى نبحر بساحله فى ذلك الوقت. أنا مستلقٍ على سرير خشبى، مرتديًا - لا أستمتع بالنظر إليه، شعرى ولحيتى، الأسود والرمادى، متشابكان بشكل لا ينفصم، ساقاى مغطاة بغطاء حريرى نسائى كبير، بنمط زهور وأطراف طويلة. عند رأسى تقف شمعة كنيسة تنيرنى.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;على الحائط المقابل لى صورة صغيرة، من الواضح أنها لرجل من رجال الأدغال يوجه رمحه نحوى ويختبئ قدر الإمكان خلف درع مطلى بشكل رائع. على متن السفينة، يصادف المرء العديد من الصور الغبية، لكن هذه واحدة من أكثرها غباءً. خلف ذلك القفص الخشبى فارغ تمامًا. من خلال ثقب فى الجدار الجانبى، يدخل هواء الليالى الجنوبية الدافئ، وأسمع الماء يصطدم بالقارب القديم.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;لقد كنت مستلقيًا هنا منذ أن كنت أنا -الصياد الذى لا يزال على قيد الحياة جراكوس- أطارد حيوان الشامواه إلى موطنه فى الغابة السوداء وسقطت. حدث كل شيء كما ينبغى. لقد تبعته وسقطت ونزفت حتى الموت فى وادٍ وماتت، وكان من المفترض أن يحملنى هذا القارب إلى الجانب الآخر.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ما زلت أتذكر كيف تمددت بسعادة هنا على الألواح الخشبية لأول مرة. لم تسمعنى الجبال أبدًا وأنا أغنى بالطريقة التى فعلتها هذه الجدران الأربعة التى لا تزال مظلمة آنذاك.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;لقد كنت سعيدًا بالبقاء على قيد الحياة وسعيدًا بالموت. قبل أن أصعد على متن السفينة، تخلصت بكل سرور من مجموعتى المتناثرة من البنادق والحقائب، وبندقية الصيد التى كنت أحملها دائمًا بفخر، وانزلقت فى الكفن مثل فتاة صغيرة مرتدية فستان زفافها. هنا استلقيت وانتظرت. ثم وقع الحادث&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;مصير سيئ&amp;raquo;، قال العمدة، رافعًا يده فى إشارة إلى الاستخفاف، &amp;laquo;ولست مسئولًا عنه بأى حال من الأحوال؟&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;لا&amp;raquo; قال الصياد. &amp;laquo;كنت صيادًا. هل هناك أى لوم فى ذلك؟ لقد نشأت لأكون صيادًا فى الغابة السوداء، حيث كانت الذئاب لا تزال موجودة فى ذلك الوقت. كنت أنتظر، وأطلق النار، وأصيب الهدف، وأزيل الجلد - هل هناك أى لوم فى ذلك؟ لقد كان عملى مباركًا. &amp;laquo;الصياد العظيم فى الغابة السوداء&amp;raquo; - هذا ما أطلقوا عليّ. هل هذا شيء سيئ؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;قال العمدة:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;ليس من حقى أن أقرر ذلك، ولكن يبدو لى أيضًا أنه لا يوجد أى لوم فى هذا الأمر. ولكن من هو المسئول إذن؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فقال الصياد:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;يا ربان القارب، لن يقرأ أحد ما أكتبه هنا، ولن يأتى أحد لمساعدتى. إذا تم تكليف أشخاص بمهمة مساعدتى، فستظل جميع أبواب جميع المنازل مغلقة، وستُغلق جميع النوافذ، وسيرقدون جميعًا فى السرير، مع ملاءات ملقاة على رؤوسهم، وستكون الأرض بأكملها نزلًا لليلة. وهذا منطقى تمامًا، لأن لا أحد يعرفنى، وإذا عرف، فلن يكون لديه أى فكرة عن مكان إقامتى، وإذا علم بذلك، فلن يعرف كيف يبقينى هناك، وبالتالى لن يعرف كيف يساعدنى. إن فكرة الرغبة فى مساعدتى هى مرض ويجب علاجه بالراحة فى الفراش.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;أعرف ذلك، ولهذا السبب لا أصرخ طلبًا للمساعدة، حتى ولو فكرت فى الأمر بجدية شديدة فى بعض الأحيان لأننى لا أتحكم فى نفسى الآن على سبيل المثال. ولكن للتخلص من مثل هذه الأفكار، ما على إلا أن أنظر حولى وأتذكر أين أنا وأين وهذا ما أستطيع أن أؤكده بثقة تامة عشت لقرون من الزمان&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;هذا أمر غير عادى&amp;raquo;، قال العمدة، &amp;laquo;غير عادى. والآن هل تنوى البقاء معنا فى ريفا؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;laquo;ليس لدى أى نوايا&amp;raquo;، قال الصياد مبتسمًا، ولتعويض نبرته الساخرة، وضع يده على ركبة العمدة. &amp;laquo;أنا هنا. لا أعرف أكثر من ذلك. لا يوجد شيء آخر يمكننى فعله. قاربى بلا دفة - إنه يسافر مع الريح التى تهب فى أعمق مناطق الموت&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;div class="full-width clearfix"&gt;&lt;img alt="ريشة: د.هانى حجاج" src="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/NewsInnerImages/2025/10/13/$Id$/1810_20251013141820.jpg"&gt;&lt;div class="caption"&gt;ريشة: د.هانى حجاج&lt;/div&gt;&lt;/div&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;</a10:content><enclosure type="image/jpeg" url="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/News/2025/10/13/63053.jpg"></enclosure></item><item><guid isPermaLink="true">https://sabah.rosaelyoussef.com/63007/%D8%B9%D9%80%D9%83%D9%80%D9%80%D9%80%D8%B3%D9%89</guid><link>https://sabah.rosaelyoussef.com/63007/%D8%B9%D9%80%D9%83%D9%80%D9%80%D9%80%D8%B3%D9%89</link><a10:author><a10:name>قصة: جابرييل جارسيا ماركيز</a10:name></a10:author><title>عـكـــسى</title><description>بشرتها ناعمة بلون الخبز عيناها مثل اللوز الأخضر وشعرها الأسود مسدول على كتفيها كانت فاتنة وآية فى البهاء وال</description><pubDate>Wed, 08 Oct 2025 10:05:56 +0300</pubDate><a10:updated>2025-10-08T10:05:00+03:00</a10:updated><a10:content type="html">&lt;p&gt;بشرتها ناعمة بلون الخبز؛ عيناها مثل اللوز الأخضر وشعرها الأسود مسدول على كتفيها؛ كانت فاتنة وآية فى البهاء والروعة، رشيقة القوام، ذات هيئة إندونيسية، كما لو أنها قادمة من بلاد الأنديز. انسجام ما ترتديه ينم عن ذوق رفيع لا جدال فيه؛ سترتها مصنوعة من فراء المنك، بلوزتها منسوجة من الحرير الخالص بأزهار متناسقة، سروالها من قماش طبيعى مع حذاء ذى حزام ضيق بلون نبات ست الحسن.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;عندما لمحتها عيناي؛ خطر لى أن هذه هى أجمل امرأة شاهدتها فى حياتى على الإطلاق؛ وهى تمر أمامى بخطوات رهيفة حذرة، وأنا واقف فى الصف أمام مكتب التسجيل لدفع الأمتعة بمطار شارل ديجول بباريس، استعدادا لرحلتى إلى نيويورك. لقد كان ظهورا خارقا لملاك فائق الجمال وللحظات فقط بحيث سرعان ما اختفى فى زحمة صالة المطار.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان الثلج يتساقط منذ الليلة الماضية، بينما الساعة الآن تدور فى العاشرة صباحا، وكانت حركة المرور أبطأ من المعتاد فى شوارع باريس، بل هى أكثر بطئا على الطرق السريعة حيث اصطفت الشاحنات الكبيرة على جانب الطريق، بينما احتشدت السيارات واختلط دخانها بالثلج؛ أمّا بداخل صالة المطار فكان الجو لا يزال بديعا كأنه الربيع.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;انتظرت دورى فى الطابور، خلف عجوز هولندية أمضت ساعة كاملة تثرثر عن حقائبها الإحدى عشرة؛ وبدأت أتململ عندما وقعت عيناى على ذات الحسن والجمال الذى بهرنى وقطع عليّ أنفاسى وأنقذنى من ذلك الصخب، ولم أدر بعدها كيف انتهى فيلم المرأة الهولندية وحقائبها؛ ولم أنزل من تحليقى فى السحاب إلاّ على صوت مضيفة المكتب وهى تعاتبنى عن شرود ذهنى فى عالم اليقظة؛ بل وبادرتها ملتمسا عذرها بالسؤال إن كانت تؤمن بالحب من أوّل نظرة. فردّت عليّ دون أن تحوّل عينيها من شاشة الكمبيوتر:&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;طبعا، أمّا بقية الأصناف فهى مستحيلة!&amp;raquo;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ثمّ سألتنى إن كنت أُفضِّل مقعدا فى قاعة المدخنين أو عكس ذلك. لكنى رددت عليها بلهجة تهجّم قصدت بها السيّدة الهولندية:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;لا يهم، ما دام أنّنى لن أجاور الإحدى عشرة حقيبة!&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;تقبّلت الدعابة بصدر رحب، ومررت على شفتيها بسمة تجارية، ثمّ قالت لى دون أن تفارق عيناها الشاشة لحظة:&amp;nbsp; - &amp;laquo;اختر أحد الأرقام التالية؛ ثلاثة، أربعة أو سبعة&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أجبتها بسرعة:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;أربعة&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;قد كشفت ابتسامتها عن بهجة وانتشاء:&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;منذ خمسة عشر عاما وأنا أعمل فى هذا المكان، ما رأيت أحدا قبلك اختار غير الرقم سبعة. الكل يختار رقم سبعة&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كتبت رقم المقعد على بطاقة الركوب، ثم أرجعتها إليّ مع بقية الوثائق. نظرت إليّ لأوّل مرة بعينين بلون العنب أغدقتا عليّ عزاء وشفقة، وخفّفتا من حُرقتى واللوعة التى سرت فى باطنى ريثما يظهر الجمال الفاتن والسحر الخلَّاب مرة أخرى. وفى هذه اللحظة بالذات، أخبرتنى أنّ المطار قد أغلق للتو فى وجه الملاحة، وأنّ كلّ الرحلات قد أجّلت إلى مواعيد لاحقة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;إلى متى يستمر هذا التأجيل؟&amp;raquo;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ردّت عليّ وهى تبتسم هازة كتفيها:&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;الله أعلم&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ثم أنها أردفت:&lt;/p&gt;&lt;p&gt;- &amp;laquo;لقد أذاعوا هذا الصباح بأنّ هذه العاصفة هى الأعنف خلال العام كلّه&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أنت مخطئة يا عزيزتي؛ إنها عاصفة القرن؛ إلاّ أنّ الجو ظلّ ربيعيا فى قاعة الانتظار لرُكَّاب الدرجة الأولى، ويمكنك أن تلاحظ وجود ورود حقيقية لازالت حيّة فى إصّيصاتها، وحتى الموسيقى المنبعثة تضفى نعومة وهدوءا تماما كما تصوّرها مبدعوها؛ ثمّ فجأة قرّرت فى نفسى أنّ هذه الظروف تمثّل ملاذا مناسبا للجمال الفاتن، وكذلك رحت أبحث عنها فى قاعات الانتظار الأخرى هائما تائها ولهانا وغير آبه بما قد أسبّبه من لفت أنظار الجمهور إليّ.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان معظم المنتظرين أشخاصا من الحياة الواقعية، يقرءون صحفا مطبوعة بالإنجليزية، بينما كانت زوجاتهم يفكرن وهن يتأمّلن بشرود من خلال زجاج النوافذ الطائرات الجامدة فى الثلج وإلى المصانع الخامدة المتبلِّدة والحقول الواسعة التى حطّمها ضرغام جائع.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;حلّ منتصف النهار فشغلت كل أماكن الجلوس وارتفعت درجة حرارة القاعة، وصارت غير محتملة إلى درجة أنّنى غادرت لأستنشق جرعة من الهواء المنعش وبالخارج شاهدت منظرا غير عادي؛ لقد تجمهر كل أصناف البشر داخل صالات الانتظار، ومنهم من قبع فى الأبهاء والأروقة وعلى المدرّجات شحيحة التهوية، ومنهم من ألقى بنفسه على الأرض رفقة الحيوانات الأليفة والأمتعة والأطفال. وانقطعت الاتصالات مع المدينة وبات القصر البلاستيكى الشفاف أشبه بسفينة فضائية ضخمة تركوها قابعة على الأرض فى عين العاصفة. ولم يفارق ذهنى التفكير فى أن الجمال الفاتن يقبع فى مكان ما وسط هذا الحشد المدجّن الأليف المروّض البليد، وألهمنى ذلك شجاعة وسلوانا لأظلّ منتظرا ظهور السحر الخلَّاب.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;آن أوان الغداء وحينها أدركنا أنّ حالنا أضحى شبيها بمن تحطّمت سفينتهم على صخرة فى البحر، ولاحت الطوابير غير منتهيّة خارج مطاعم المطار السبعة، تمتد إلى الأبد خارج المقاهى والحانات؛ وفى أقلّ من ثلاث ساعات أوصدت أبوابها لأنّه لم يبق بها شىء قابل للاستهلاك الآدمى بعد &amp;nbsp;ما أتوا على كل شىء. وحتى الأطفال، الذين ظهروا فى لحظة ما فجأة وكأنّهم كل أطفال العالم قد اجتمعوا هنا، شرعوا فى البكاء دفعة واحدة معًا. ثمّ ما لبثت أن انبعثت رائحة القطيع من الجمهور الغفير؛ لقد كان نداء الطبيعة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وفى تلك الزحمة، لم أستطع الحصول سوى على كأسين من مُثلّجات الفانيليا من محلّ بيع للأطفال. لقد كان النادلون يضعون الكراسى على الطاولات عندما غادر أصحاب المحل، فى حين كنت أتناول وجبتى ببطء عند الكاونتر وأنا أتأمّل نفسى فى المرآة المقابلة مع آخر كأس وآخر ملعقة صغيرة، ولكن التفكير لم ينقطع لحظة فى الجمال المُذهل.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;جاءت الثامنة ليلاّ، وغادرت رحلة نيويورك المبرمجة أصلاّ على الساعة الحادية عشرة صباحاّ. وما أن امتطيت الطائرة حتى كان مسافرو الدرجة الأولى قد أخذوا أماكنهم؛ واصطحبتنى المضيفة إلى مقعدي؛ وفجأة كاد قلبى يتوقّف عن النبض. يا لمحاسن الصدف! رأيت الفتنة السماوية جالسة على المقعد المجاور أمام النافذة. لقد كانت مستغرقة فى ترتيب مجالها الحيوى بأستاذية المسافر الخبير؛ والسائح الأريب. وقلت فى نفسي: &amp;laquo;آه، لو قدّر لى أن أكتب هذا فى قصة، فلن يصدّقنى أحد&amp;raquo;. ثمّ نجحت فى إلقاء تحية متردّدة بعد تلعثم. كنت من الحرج فى غاية؛ فلم تسمعها ولم تنتبه لها.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لقد شغلت مقعدها كما لو كانت تنوى أن تُعمّر هنالك لألف سنة؛ وضعت كلّ شىء فى مكانه المناسب وفى متناول يدها حتى أنّ محيط مقعدها أصبح مصفّفا كالبيت المثالى على يد مهندس ديكور. وفى أثناء ذلك، أحضر لنا المضيف شمبانيا الضيافة. أخذت كأسا لأناولها إياه، لكنّنى تريَّثت قليلا وفكّرت فى ذلك ثمّ عدلت عن رأيى فى اللحظة الأخيرة وفى الوقت المناسب. لم تكن تريد سوى كأس ماء، ثمّ أوعزت إلى المضيف، أوّل الأمر بلغة فرنسية غير مفهومة ثمّ بلغة إنجليزية لم تكن أوضح من سابقتها إلاّ بالنذر اليسير، بأن لا يوقظها خلال الرحلة، ولأيّ سبب كان. لقد كان يشوب صوتها الدافئ النعسان بعض الحزن الشرقى الحالم الدفين.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;وعندما أحضر المضيف الماء، كانت تضع فى حجرها محفظة تجميل ذات زوايا نحاسيّة مزخرفة؛ أخذت قرصين ذهبيين من علبة تحتوى على أقراص أخرى ذات ألوان مختلفة. كانت تفعل كلّ شىء بطريقة منهجيّة وبثقة أصلية أصيلة وكأن لا شىء غير متوقع قد حدث لها منذ ولادتها. وما إن انتهت حتى أسدلت الستار على النافذة، سحبت مقعدها إلى الخلف فى اتجاه عمودى ومدّدته إلى أقصى ما يمكن، غطّت جسمها ببطانية إلى الخصر دون أن تنزع حذاءها، وضعت قناع النوم على رأسها، استدارت وولّتنى ظهرها ثمّ سرعان ما غرقت فى بحر النوم العميق. لم تصدر عنها تنهيدة واحدة، ولا أدنى همسة أو أقل حركة طيلة الساعات الثمانى الأبدية ودقائقها الاثنتى عشرة الإضافية، زمن الرحلة إلى نيويورك.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لقد كانت الرحلة خارقة وغير مسبوقة بالنسبة إليّ. لقد كان يقينى الثابت دائما؛ ومازلت أؤمن بأن لا شىء فى الوجود أبدع من امرأة جميلة؛ لقد احتلنى ذلك الكائن الفاتن الذى ينام بجوارى وكان يستحيل عليّ أن أهرب للحظة واحدة من أسر هذا المخلوق الجميل النبيل، هذا السحر الذى كثيرا ما تردّده الحكايات والحواديت.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ما إن أقلعت الطائرة حتى اختفى المضيف وخلفته مضيفة شابة، حاولت أن توقظ الملاك النائم لتناولها محفظة النظافة وسماعات الموسيقى. ردّدت عليها التعليمات التى أملاها الملاك الناعس على زميلها، غير أنها أصرّت على السماع منه شخصيا ممّا اضطر المضيف أن يؤكد أوامرها مع أنّه ألقى ببعض اللوم عليّ لأنّ الملاك لم يعلّق بطاقة تشير إلى: &amp;laquo;أرجو عدم الإزعاج&amp;raquo; حول عنقه كالياقة.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;تناولت وجبة العشاء وحيدا، أتكلَّم مع نفسى فى سكون أقول كلّ ما كنت أبتغى قوله لها لو شاركتنى عشائي. كان نومها هادئا منتظما إلى درجة أنّ نفسى حدّثتنى فى جزع مُشفق بأنّ الأقراص المنوّمة التى تناولتها لم تكن للنوم بل كانت للانتحار. ومع كلّ جرعة كنت أرفع كأسى لأشرب نخب صحّتها.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;خفتت الأضواء ليعرضوا على الشاشة فيلم لم يكن لينتبـه إليه أحد، وكنّا ولا أحد شريكنا فى ظلمة هذا العالم. لقد ولّت عاصفة القرن وكان ليل الأطلسى صافيا خرافيا، وكانت الطائرة تبدو جاثمة كجثة محنّطة بين النجوم. انتهزت الفرصة كى أتأمّلها بتمعّن لعدّة ساعات، وأدقّق ولم أكن ألاحظ أية إشارة تدلّ على الحياة سوى ظلال الأحلام التى كانت تعبر من خلال جبهتها عبور ندف السحاب فوق جدول رائق. كانت تضع حول رقبتها سلسلة رقيقة تكاد لا تُرى نظرا فى غياهب لون بشرتها الذهبى. لم تكن أذناها المكتملتان مثقوبتين، وأظافرها الوردية تعكس أمارات صحة لا باس بها. وكان يُزيّن يدها اليسرى خاتم بسيط، ولأنّها لا تبدو أكبر من العشرين عاما، كان عزائى أنّه لا يمثّل خاتم زفاف بل لا يعدو أن يكون علامة خطبة عابرة أو ارتباط آنى لا يعنى الكثير عندها. ورحت على وقع تأثير الشمبانيا أردّد فى سرّى مآثر جيراردو دييجو الخالدة عن المرأة والحب والجمال. خفّضت ظهر مقعدى ليصل إلى نفس مستوى مقعدها.&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;div class="full-width clearfix"&gt;&lt;img src="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/NewsInnerImages/2025/10/08/$Id$/2_20251008100511.jpg"&gt;&lt;div class="caption"&gt;&amp;nbsp;&lt;/div&gt;&lt;/div&gt;&lt;p&gt;&amp;nbsp;&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كانت بشرتها تحرّر عبيرا منعشا، على صورتها ومثالها، لم يكن سوى عطر جمالها الفتَّان. لقد كان شيئا مدهشا حقا.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;لقد قرأت فى الربيع الماضى قصّة بديعة للكاتب ياسونارى كاواباتا عن أثرياء كيوتو القدامى الذين كانوا يدفعون مبالغ ضخمة من المال مقابل قضاء ليلة فى التفرج على أجمل فتيات المدينة وهنّ مخدرات ومستلقيات، يتعذبن من نار الشوق وحرقة الشغف وعذاب الحب بلا طائل.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فى تلك الليلة، وأنا أراقب الجمال النائم، لم أصل فقط إلى إدراك معنى التألُّم الناجم عن الضعف النفسى والحسّى، بل مارسته وجرّبته وتذوّقت مرارته إلى أبعد مدى؛ وقلت فى نفسى وقد ازدادت آلامى واتقدت حواسى بفعل الشمبانيا: &amp;laquo;ما فكّرت يوما فى أن أصبح من قدماء اليابانيين عند هذا العمر المتأخّر&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;أعتقد أنّنى نمت لعدة ساعات تحت تأثير الشمبانيا وتفجيرات الفيلم الصامتة؛ وعندما استيقظت كان رأسى يؤلمنى بشدّة. ذهبت إلى الحمّام، وألفيت المرأة المسنّة مستلقيّة على مقعدها تماما كالجثّة الهامدة فى ساحة المعركة. كانت نظاراتها متساقطة على الأرض فى وسط الرواق، وللحظة، انتابنى شعور عدوانى ممتع ألا التقطها. ما إن تخلّصت من الشمبانيا الزائدة فى دمى، حتى رحت أتأمّل نفسى فى المرآة، فوجدتنى قبيح المنظر كالشيطان وتعجّبت كيف يحطّم الحب صاحبه إلى هذه الدرجة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;فقدت الطائرة علوّها من دون سابق إنذار، ثمّ عادت واستوت وواصلت تسابق الأجواء بكامل سرعتها إلى الأمام.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;ظهرت فجأة إشارة: &amp;laquo;التزموا أماكنكم&amp;raquo;، فأسرعت إلى مقعدى على أمل أن أجد الجمال النائم قد استيقظ بفعل الاضطراب، لعلّه يلجأ إلى حضنى ليحتمى به ويدفن فيه هلعه وارتعابه. وأثناء حركتى الخاطفة، كدت أن أدوس على نظارات المرأة الهولندية وكنت سأسعد لو أنّنى فعلت فى الواقع؛ بيد أنّنى غيَّرت موضع قدمى فى آخر لحظة، ثمّ التقطتها ووضعتها فى حجرها شكرا لها وامتنانا لعدم اختيارها للمقعد ذى الرقم أربعة.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;كان نوم الملاك الجميل أعمق من أن تعكر صفوه حركة الطائرة. وعندما استوت الطائرة فى مسارها من جديد، كان عليّ أن أقاوم رغبتى الكاسحة فى إيقاظها بافتعال أى عذر من أى نوع، لأنّ كل ما كنت أرغب فيه خلال آخر ساعة من الرحلة هو فقط رؤيتها يقظة، حتى ولو كانت غاضبة حانقة، لأستردّ حريّتى المسلوبة وربما لأستعيد شبابى كذلك؛ غير أنّنى لم أجد فى نفسى الشجاعة الكافية لذلك، وقلت فى باطنى باحتقار شديد: &amp;laquo;اذهب إلى الجحيم! لماذا لم أولد خروفا؟&amp;raquo;.&lt;/p&gt;&lt;p&gt;استفاقت من نومها، ومن تلقاء نفسها، عند اللحظة التى اشتعلت فيها أضواء الهبوط. كانت جميلة ناعمة مرتاحة كما لو أنها نامت فى حديقة للورود؛ وحينها أدركت أنّ الأشخاص الذين يتجاورون فى مقاعد الطائرة لا يبادرون بتحية الصباح تماما كما هو شأن الأزواج لسنوات طويلة؛ كذلك هى لم تفعل. فقط خلعت قناعها، فتحت عيناها المُشعّتين، أرجعت ظهر المقعد إلى وضعيته العاديّة، وضعت البطانية جانبا، حرّكت شعرها ليعود إلى نسقه بفعل وزنه، وضعت محفظة التجميل على ركبتيها، عالجت وجهها ببعض المساحيق غير الضرورية لتستهلك وقتا كافيا يعفيها من النظر إليّ ريثما تفتح أبواب الطائرة، ثمّ لبست سترتها ذات الفراء. تخطّتنـى مع عبارة عفو تقليدية بلغة إسبانية لاتينوأمريكية خالصة، وغادرت من غير كلمة وداع واحدة، أو على الأقل كلمة شكر على ما بذلته من أجل أن أجعل ليلتنا سعيدة، ثمّ سرعان ما اختفت فى شمس يومنا الجديد فى غابة نيويورك الأمازونية. &amp;nbsp;&lt;/p&gt;</a10:content><enclosure type="image/jpeg" url="https://sabah.rosaelyoussef.com/UserFiles/News/2025/10/08/63007.jpg"></enclosure></item></channel></rss>