السبت 29 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حواديت العتبة الزرقا

عندما تتخيل المنظر الجَمالى الذى كانت عليه حديقة الأزبكية القديمة فى القاهرة، يتبادر إلى ذهنك الشكل النمطى للحدائق الكبيرة فى عصرنا الحديث.



ولكنْ تاريخ تأسيس حديقة الأزبكية كان مختلفًا بعض الشىء. وربما يشير إلى اهتمام المصريين قديمًا، بأهمية الحدائق والمتنزهات وتطلُّع العيون للاستمتاع بكل ما هو أخضر تدُب به الحياة.

يعود تاريخ حديقة الأزبكية إلى قرون عديدة، وتحديدا لأوائل الحقبة الإسلامية، حيث كانت الأرض التى أُسست عليها حديقة الأزبكية أرضًا زراعية تغمرها المياه بسبب فيضان النيل، فتكوّن بِركة مليئة بالمياه طوال أيام السنة، وكان يحيط بتلك البِركة أشجار وبساتين وثمار من صُنع الطبيعة.

لم تحظَ المنطقة بالاهتمام الذى تستحقه وطالها الإهمال خلال عهد الناصر محمد بن قلاوون، وخلال فترة حُكم السُّلطان قايتباى، أراد السُّلطان أن يكافئ قائد الجيش المصرى آنذاك الأمير سيف الدين أزبك فى أواخر القرن الرابع عشر، فأهداه قطعة الأرض تلك ليُعمرها.

 

 

 

قصر الأزبكى

أزال الأمير سيف الدين أزبك التلال المتراكمة بها وتمهيدها وحفر بِركة ضخمة بها. وشيّد قصرًا له على الجهة الأخرى للبِركة عُرف باسم قصر الأزبكى وأقام متنزهًا حولها.

كما شيد مسجدًا بها إلى جانب بعض الحمّامات القديمة، ووصلت تكلفة إنشاء حديقة الأزبكية كاملة إلى ما يقرب من مئتى ألف دينار.

ووصلت مساحة حديقة الأزبكية إلى نحو 60 فدانًا. وظل الأمير سيف الدين أزبك قاطنًا فى قصره بحديقة الأزبكية التى سُميت وفقًا لاسمه، حتى وافته المنية.

تباعًا قام المصريون بتعمير المنطقة المحيطة بالحديقة، فتم بناء الكثير من القصور والمنازل السكنية. وظلت منطقة الأزبكية خلال تلك الفترة هى المكان الذى تحيا به الطبقة الأرستقراطية فى المجتمع المصرى، وكبار التجار والمشايخ.

ولكن مع الحملة الفرنسية، تهدّمت حديقة الأزبكية وطالها الخراب. وترك سكانها القصور والمنازل بشكلٍ قسرى وسكنها جنود الاحتلال.

وعندما تولى محمد على باشا شئون البلاد، أوكل مهمة ترميم وتجديد حديقة الأزبكية إلى برهان بك رئيس الأشغال العامة.

وبالفعل قام برهان بك، وهو أحد تلامذة البعثة المصرية الأولى إلى باريس، بتجديدها وإصلاح ما تهدّم منها وحوّلها لبُستان عام وقام بإنشاء سور يحيط بها من الحديد والحجر وأحاطها بسَدٍ يحميها من خطر فيضان النيل.

وفى عهد العثمانيين والأسرة العَلوية، بنى عبدالرحمن كتخدا الجلفى دارًا على الحافة الشرقية لبِركة حديقة الأزبكية، اشتهرت باسم العتبة الزرقاء، ثم آلت إلى طاهر باشا، ناظر الجمارك فى عهد محمد على، ثم إلى الوالى عباس حلمى الأول حين تولى حُكم مصر، فهدمها وأعاد بناءها لأنه كان يتشاءم من اللون الأزرق وسُميت بالعتبة الخضراء.

ومع تولّى الخديو إسماعيل، خامس حاكم من الأسرة العَلوية، الحُكم فى مصر، وبعد رجوعه من زيارته إلى فرنسا، تأثر الخديو إسماعيل بالحضارة المعمارية الحديثة فى شوارع باريس وقرر أن يعيد هيكلة شوارع القاهرة ومبانيها لكى تكون على أحدث طراز، ليضاهى بها شوارع وقصور فرنسا.

ولذلك، يُعتبر الخديو إسماعيل هو المؤسس الحديث لحديقة الأزبكية، حيث كانت الحديقة مغلقة وبحالة سيئة نتيجة رشح المياه فى مساحات كبيرة منها بسبب انخفاض أرض المنطقة عن مستوى سطح مياه نهر النيل ما أدى إلى ردم جزء كبير منها.

عندما جاء الدور على حديقة الأزبكية لإعادة تأسيسها وفقًا للطراز الأوروبى، قام الخديو إسماعيل بتعيين المهندس الفرنسى «باريل ديشان بك» ليقوم بمهمة تطوير حديقة الأزبكية. وهو الذى أنشأ غابة بولونيا الشهيرة بالعاصمة الفرنسية باريس، حيث أنشأها بمساحة 20 فدانًا، على نفس نمط الغابة الفرنسية.

مسرح ونافورة

هدم باريل البِركة التى تتوسط حديقة الأزبكية عام 1864، أى بعد أربعة قرون من قيام الأمير سيف الدين أزبك بحفرها.

بالإضافة إلى أنه تم زرع النباتات النادرة والأشجار بها، التى أتى بها الخديو إسماعيل من الخارج إلى مصر. وأنشأ بالحديقة أيضًا بِرَك مياه صغيرة ومسرح الأزبكية الكوميدى على غرار الحضارة المعمارية فى باريس. 

نظرًا لاهتمام الخديو إسماعيل بتطوير الأزبكية وفقًا للطراز الفرنسى، قرر أن ينقل إحدى نوافير قصوره لتزيينها لتزداد جمالًا وحداثة. وعُرفت النافورة باسم «نافورة الأزبكية» حتى يومنا هذا.

ونافورة الأزبكية مبنى مستطيل بواجهة رخامية من ثلاثة اتجاهات، فيما عدا الواجهة الرئيسية فى الناحية الشمالية فتنقسم إلى خمس مناطق طولية، ويظهر بها براعة المهندس المعمارى فى عمل الزخارف النباتية البارزة على الرخام وظهور التأثيرات العثمانية فى زخارفها، وتم تأسيس «قبة التاج» بالحديقة الأزبكية.

وبعد الانتهاء من تشجير حديقة الأزبكية بالأشجار والنباتات النادرة وتزيينها وإنارتها عَيَّن الخديو مسيو «باريليه» الفرنسى ناظرًا لها.

بعد عقود من الزمن، تم اقتطاع مساحات من الحديقة لشق طرُق وشوارع جديدة محيطة بها وأحياء أخرى مجاورة لحى الأزبكية، مثل شوارع الجمهورية، نجيب الريحانى، الموسكى، محمد على، و26 يوليو (شارع فؤاد).

 وخلال القرن العشرين، تم تأسيس كشك الموسيقى فى حديقة الأزبكية، وكانت أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش يقيمون حفلاتهم بها. وقبلهم كان عبده الحامولى وصالح عبدالحى. وأُطلق على المسرح حينئذٍ اسم «تياترو حديقة الأزبكية».

أصبحت حديقة الأزبكية مكانًا يرتاده محبو الطرب الأصيل، ومن أشهر الاحتفالات التى أقيمت فى حديقة الأزبكية، فى يونيو عام 1887 حين تم الاحتفال بعيد الملكة فيكتوريا من قِبَل الجالية الإنجليزية فى مصر.

وخلال عام 2018، بدأ الجهاز القومى للتنسيق الحضارى فى تنفيذ مشروع لتطوير حديقة الأزبكية. بهدف إعادة إحياء طابعها التاريخى، وإعادة صياغة ثوابت الحديقة وتخطيطها لاستعادة بعض المساحات التى فقدتها، حيث تقلصت مساحة الحديقة من 20 فدانًا إلى 5 أفدنة خلال سنوات من الإهمال.

وتمكّن علماء النباتات من توثيق 50 نوعًا من النباتات النادرة الموجودة بحديقة الأزبكية، بينما لا يزالون يعكفون على دراسة 25 نوعًا آخر لم يتم توثيقها بعد.

ويتضمن مخطط تطوير الأزبكية، إعادة استزراع الأشجار والنباتات النادرة، وإحياء نافورة الأزبكية الشهيرة المصنوعة من الرخام والتى يبلغ طولها 10 أمتار وعرضها 3 أمتار، ونقل جراج الأوبرا الشهير الذى بُنى على أرض الحديقة القديمة. 

وستظل الأزبكية دليلًا وأثرًا لمن شيّدوها ومروا فى تاريخها لتكون شاهدًا على جزء من تاريخ مصر.