الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

شهــادة ســـبيلبرج عـــن «فيتنـــــام»

توم هانكس وميريل ستريب
توم هانكس وميريل ستريب

لقد تردد صدى تلك الصيحة فى آذاننا، وعبر الشيء الذى لا يمكن عبوره. دانييل إلسبرج (ماثيو ريس)، محلل عسكرى أمريكى يكشف مستنقعا جديدا من أكاذيب حكومة بلاده الولايات المتحدة عن حرب فيتنام، ويشعر بأن من واجبه أخذ خطوة فى أى اتجاه فالصمت خيانة؛ فينسخ وثائق فائقة السرية والخطورة من أوراق البنتاجون. إنه الآن يحتفظ بأفعى سامة فى صندوق ذهبى أنيق. سوف ترى كاى جراهام (ميريل ستريب)، مالكة واشنطن بوست التى تحاول أن تفهم أين تضع قدميها بعدما استلمت أعمال زوجها الراحل عندما يكتشف المحرر بن برادلى (توم هانكس) السبق الصحفى الذى تنوى نيويورك تايمز الاستحواذ عليه. لكن (بوست) تعثر على دانييل والأوراق الملغومة. وعلى كاى أن تقرر: التزام السكوت والأمان أو الدفاع عن حرية الصحافة وتحدى السلطة الفيدرالية بكشف هذه المستندات على الملأ! 



سبيلبرج، كعادة أى مخرج عملاق يصل إلى عمره وخبرته، يُقرِّر أن يسند كتابة أفلامه إلى أقلام غير لامعة أو محترفة بما يناسب الموقف، من ناحية يرون أنها فرصة لتجديد الدماء، ومن جهة أخرى يطلقون العنان لرؤيتهم الإخراجية التى تعنى أحيانا أنه من المستحسن تجاهل الحوار المنطلق! 

كتب فيلم (بوست) جوش سينجر (الذى يعشق الكتابة عن أهمية الصحافة) وليز هانا، وكلاهما بلا تاريخ قوى (هذا هو أول سيناريو مُنتَج لهانا وتم اختياره من موقع على الإنترنت!). المخرج هنا يتبع النهج الاقتصادى الجديد فى السينما: حوار مكثف موجز والتعبير بالصورة عن مقاصد الفيلم. ستلاحظ هذا المنهج فى أفلام معروضة الآن مثل (three billboards outside ebbing Missouri) و(shape of water). سبيلبيرج هنا يناقش حرية الصحافة فى السبعينيات، كملخص لقضية أكبر الآن هى (ما هى سلطة الإعلام بالضبط؟ هل هو صوت الشعب أم بوق الحكومة؟) وبما أن الأمر مطروح على شاشة السينما ضد سياسة الدولة فالدائرة تتسع لجدال: هل اختفاء الرقابة أطلق للحريات العنان أم سلَّمها لقيود «التصحيح السياسى»؟ والفيلم يهديه إلى نورا إفرون التى ساهمت فى كشف فضيحة واترجيت عام 1972 فى جريدة واشنطن بوست التى يحمل الفيلم اسمها؛ وأثناء تصويره اقترح المخرج أن يصدر للجمهور تحت عنوان (الأوراق) قبل أن يعود إلى عنوانه الأصلى (بوست). وفى نهاية الفيلم ستشاهد ظهور فضيحة واترجيت على صفحات بوست, أما الأوراق التى ظهرت فى الفيلم، والتى سقط بعضها على أرضية برادلى هى وثائق وزارة الدفاع الحقيقية التى عثر عليها سبيلبرج فعلا. تتبع أفلام سبيلبرج النظرية الشكلية التى تعتبر السينما وسيطا للمعالجة الفنية، يتجاوز فيها المخرج فوضى الواقع وضبابيته المشوشة لتحويل مادته الفيلمية إلى شكل سينمائى نقى لكى يستطيع إظهار الحقيقة. وإن بالغ فى زيادة التوتر باستخدام لقطات مقربة عديدة للوجوه وحركات الأصابع لإضافة مسحة درامية على الأحداث التى قد تسقط بسهولة فى فخ ملل الأفلام الوثائقية. المخرج حكَّاء من الدرجة الأولى لديه صبر وموهبة تدبير المونتاج الزماني/ المكانى والابتعاد عن القطع القافز واللقطات العكسية، وهو ملتزم بمدرسته الواضحة منذ البداية جونز: مشهد تأسيسى بعده مشاهد متوسطة ثم لقطات أقرب لتتابع سردى منطقى ولم يخرج عن هذا الخط إلا نادرا.

 

بوستر الفيلم
بوستر الفيلم

 

فى أول فيلم لها مع سبيلبرج، «العصا السحرية» هنا هى ميريل ستريب فى دور امرأة حقيقية (كاى جراهام) مرة أخرى، بعد تاتشر وليندى شامبرلين وجوليا شايلدز، هذه المرة هى سيدة بلا خطة أو هدف تجد نفسها فجأة مركز الاهتمام وهيئة عملاقة تنتظر رأيها النهائى فى قرارات مصيرية؛ قالت لنفسها إنها تحتاج إلى الهدوء والصفاء، لكن رائحة الحقيقة نتنة، فبدأت الألسنة تتحدث بالسوء وبدأت الأكاذيب تنهال، وها هى تكافح حتى تعثر على صوتها الخاص ويصبح كل شيء فى مكانه الصحيح بالنسبة لها، أو تعرف على الأقل أن عليها المحاولة فى هذا الطريق. إن ملكيتها لجريدة واشنطن بوست تجبرها أن تكون سيدة قوية بمعونة محرر صالح هو بن برادلى فى حوزتهما تسريبات مرعبة تخص الحرب. أمانتهما المهنية على المحك، وسلامتهما الشخصية بالتالى حيال حكومة ماكرة إما تعتقلك بتهمة ملفقة أو تحيطك بحلقة اضطهاد على طريقة «اتركه فى ركن ودعه يفنى نفسه من الداخل»! يلعب دور بن، الفنان الكبير توم هانكس فى خامس تعاون له مع سبيلبرج وكان هانكس على علاقة فعلية بالشخصيتين الأساسيتين فى الفيلم على أرض الواقع (كاى وبن) ومنح شخصية برادلى بعده الإنسانى مقارنة بجيسون روباردس الذى قدم الشخصية نفسها من قبل فى فيلم (كل رجال الرئيس) 1976. وكان هذا هو أول ظهور لهانكس مع ميريل ستريب، وقد أنتج لها من قبل فيلمها (ماما ميا!).

 

ميريل ستريب فى الفيلم
ميريل ستريب فى الفيلم

 

الفيلم لا يقدم إجابات حازمة جازمة، بل إنه يؤكد على أننا فى هذا العصر فى حاجة ماسة إلى التخفيف من الحدة والصراحة لأن لعبة هيمنة الحكومات على وسائل الإعلام صارت مكشوفة ويجب التعامل مع هذه الحقيقة بمفردات واقعية أكثر، وإن القراءة الأولى للنصوص والمشاهد كثيراً ما تجعل المتلقى يقع فى فخ الانطباعات الأولى، ومحاولته البحث عن أخطاء وخصومات، ومن ثم عدم القدرة على استيعاب علاقات ومبادئ كثيرة وفهم الخبر والموقف وأنفسنا. وإذا كانت الانطباعات الأولى غير واعية وعاجزة، فإن من واجب التأويل والتحليل أن يدفع الغرض بغرض آخر، أن يتشكك فيما يثير فى نفسه، ثم يطرح تساؤلات عديدة متلاحقة بغرض الوصول إلى الحقيقة الثابتة الشاملة وذلك لغرض أهم وهو خدمة الشخصية القومية ودور الإنسان وخدمة التطور ومسيرة الحياة. صد يمنع طغيان جهة ضد الأخرى، إذا رفعت الكعبة من مركز الدائرة، فإن سجود المؤمن سيوجَّه إلى أى شخص يصادف أن يكون واقفا قبالته!