السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
هيكل والحكيم وأزمة تربية الأبناء!

حكايات صحفية

هيكل والحكيم وأزمة تربية الأبناء!

ما أكثر الحوارات الإنسانية - ولا أقول السياسية - التى جرت على مدى سنوات بين الأستاذين الكبيرين «توفيق الحكيم ومحمد حسنين هيكل»، بل حرص الأستاذ «هيكل» على نشر بعضها فى باب.. يوميات أخبار اليوم «سنة 1956» إلى جانب منصبه كرئيس تحرير مجلة آخر ساعة!



 

«عن الأبوة» ومعناها ودلالتها وكيف يتصرف كل منهما مع ابنه المولود حديثا، وفى مقاله الإنسانى الممتع مع الأستاذ «الحكيم» كتب هيكل يقول:

جلست اليوم مع توفيق الحكيم نتحدث عن «الأبوة» التى جاءتنا نحن الاثنين على آخر الزمان!

وسألنى توفيق الحكيم: ماذا تصنع مع ابنك؟

قلت: قد يدهشك أن هذا «الشيء»: الذى لايزيد عمره على شهرين اثنين يرهبنى ويثير الذعر فى قلبي! مرة واحدة تجرأت فيها واقتربت من فراشه وإذا هو يصرخ ويرفس بيديه ورجليه فى الهواء ثم يهبش خديه بأظفاره وتتحول حمرة وجهه إلى زرقة، ويرتعش لسانه داخل فمه المفتوح للصراخ!

وأحسست أمامه بعجز يائس! ماذا أصنع له؟ كيف أرضيه؟ ما سبيل إلى إقناعه بالسكوت!

ولم أجد فى قدرتى طاقة على شيء من هذا كله، فهربت من غرفته حائرًا مستسلمًا، وأنا أكتفى اليوم بأن ألقى عليه نظرة من بعيد، ولا أحاول أن أقترب منه أبدًا.!

إنه فى خيالى مخلوق غريب غامض، هبط عليّ من أحد الكواكب البعيدة خلف الفضاء، واقتحم دنياى مزودًا بأسلحة لا قبل لى بمقاومتها، وليس عليّ إلا أن أستسلم وألا أركع على ركبتى أنتظر أوامر مخلوق الفضاء الغريب ورغباته، والذنب ذنبى، إذا لم أفهم لغة الصراخ الآمرة المتحكمة والتى لا يستعمل غيرها!

 

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل

 

وقال توفيق الحكيم وهو يثبت عصاه الشهيرة على الأرض ويصنع لها من سبابته وإبهامه حلقة يدفعها إلى الدوران فيها، بينما رأسه يهتز على عادته عندما يتحفز للكلام!

- تلك مشكلة بسيطة.. أن مخلوق الفضاء الذى تتخيله فى طفلك الوليد شيء سهل إذا ما قورن بما سوف تلقاه منه عندما يحبو مع الأيام ويصبح طفلا فى السادسة أو فى السابعة!

وزادت سرعة دوران العصا داخل الحلقة المصنوعة من إصبعى «توفيق الحكيم» وكذلك زادت سرعة اهتزازات رأسه، وقال راهب الفكر الشهير:

لقد أصبحت أومن أن الجيل القادم شيء لم يخطر بخيالنا قط!! إن العلم الحديث ومظاهر المدنية المحيطة بنا - وأبرزها - الراديو والسينما - تعطى لأولادنا من وسائل التفكير ما لم يكن متيسرًا لجيلنا!

واستطرد «توفيق الحكيم»: تصور جلست مع ابنتى منذ أيام، وإذا هى تطلب منى أن أقول لها «فوازير» وتذكرت الفوازير الساذجة التى كنا نسمعها من أمهاتنا وجداتنا، واستنجدت بأول «فزورة» عثرت عليها فى ذاكرتى وقلتها لابنتي!

قلت لها: عدى البحر ولا اتبلش؟ قالت على الفور: الطيارة!

قلت وفى ذهنى الإجابة القديمة التاريخية على الفزورة: لا.. العجل فى بطن أمه!

قالت فى إصرار: لا. الطيارة!

وتنبهت إلى حقيقة خطيرة أن إجابتها إجابة علمية صحيحة دقيقة، أما الإجابة المتخلفة فى ذاكرتى من أيام طفولتى فإجابة ساذجة بلهاء لا تستطيع أن تواصل الحياة سنة 1956.

وخبطت ابنتى الأرض بقدمها طالبة «فزورة ثانية» وحاولت أن أشاغلها لكى أهرب، لست كفؤا لهذه الشيطانة الصغيرة، بنت السنوات الخمس!

ومضى «توفيق الحكيم»:

- وجاءنى ابنى «إسماعيل» الذى لايزيد عمره على سبع سنوات، جاءنى خلال الصيف ونحن فى الإسكندرية يقول لى إنه يريد أن يصطاد السمك من البحر!

ودهشت وأنا أسمعه، فإن مجرد الاقتراب من الشاطئ مغامرة خطيرة فى تقديرى الخاص، واقنعت نفسى على أى حال أن الدنيا تغيرت!

وذهبت فاشتريت لإسماعيل عصا من الغاب وسنارة مدلاة منها، وذهبت أصور لخيالى فرحته عندما أسلمه أدوات الصيد التى جئته بها!

وأمسك ابنى قطعة الغاب والسنارة ثم ألقاهما على الأرض باحتقار، ونظر إلى قائلًا: إيه ده؟!

قلت له فى دهشة: إيه سنارة صيد سمك!

قال: إخص!!

قلت: على إيه؟

 

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم

 

قال: هذه لا تصلح لشيء.. أنا أريد كمامة أضعها على وجهى وأغطس بها تحت الماء! وأريد حربة أطارد بها السمك فى القاع، وأريد زعانف من المطاط أركبها فى قدمى لكى تساعدنى على الغوص!

قلت فى ذهول: يانهار أسود!!

قال ببساطة: هذا هو الصيد أما السنارة فلعب عيال!

وسكت «توفيق الحكيم» ثم استطرد بعد قليل:

- جيل عجيب، إنه يواجهنا بأسلحة لا تخطر على بالنا.. إنه يواجهنا بالاندفاع وبالعلم وبالمنطق..

ومضى توفيق الحكيم: أقول لك قصة أخرى وقعت أمس، عدت إلى البيت أرتجف من البرد والمطر، وإذا إسماعيل يقول لى أنه يريد أن يذهب إلى السينما!

وقلت له على الفور: سينما إيه.. الدنيا برد ومطر!

ولم يغضب، ولم يبك، ولم يضرب الأرض بقدميه كما كنا نفعل بخيبتنا أيام زمان.. أبدًا.. وإنما سألنى: إذا ذهبت إلى السينما فكيف أذهب؟

قلت: السيارة!!

قال: عال.. والسينما التى سأذهب إليها هل هى سينما شتوى مقفولة أم سينما صيفى مفتوحة؟!

قلت: شتوى مقفولة!

قال: عال.. ماذا إذن إن كان هناك برد ومطر، وسوف أركب فى سيارة مغلقة وستكون السينما شتوى مقفولة!

قلت له وأنا أضع يدى على خدى: مضبوط!

قال بكبرياء المنتصر وثقته، مضبوط إيه.. هل أذهب إلى السينما؟!

قلت باستسلام المهزوم: تفضل!

وسكت توفيق الحكيم وإن ظلت عصاه تدور كالنحلة، وسكت أنا أيضا!

ويمضى الأستاذ «هيكل» ليحكى ما جرى بعد ذلك قائلا:

هل تعلمون ماذا فعلت بعدها؟ تركت توفيق الحكيم وأسرعت إلى أقرب مكتبة أبحث عن كتاب أستعين به على مواجهة مخلوق الفضاء الغريب الذى هبط على دنياى.. والذى سيبدأ غدًا يواجهنى بأفكار عصر متقدم متحرك يسبق الجيل الذى أنتمى إليه بمسافات شاسعة!

اخترت كتابًا اسمه «حقوق الطفل» كتبته السيدة «زكية عزيز» التى تخرجت فى كلية «بدفور» للمعلمات فى إنجلترا.

ماذا أفعل؟! إننى أستعد لليوم الذى يستعمل فيه مخلوق الفضاء الغريب عقله ليواجهنى بدلا من حنجرته!

إننى احتمل أن أعجز عن فهمه وهو يصرخ فى وجهي! ولكنى لا أحتمل أن أعجز عن فهمه وهو يناقشنى فكرة بفكرة».

ومضت سنوات طويلة على نشر مقال الأستاذ «هيكل» لكن الأستاذ توفيق الحكيم ظل مشغولًا بقضية الشباب وذلك بعد أن كبر ابنه إسماعيل ويكتب سلسلة من المقالات المهمة جمعها فى كتابه «ثورة الشباب» والذى طالب فيه بأن «نترك للشباب حرية فى اختيار الشكل الداخلى والخارجى لحياته كما يفرضها عليه زمنه الجديد ولا نطالبه إلا بشيء واحد: هو الإحاطة المتعمقة بحصيلة هذه الحضارة التى أوجدته ورضع من لبنها، ليحافظ وينمى ويضيف إلى خير ما فيها، ويطرح ويغير ويمحو ما فيها من شر وزيف، لأن مستقبل هذه الحضارة فى يده هو وحده».