الأحد 25 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
 رشدى أبو الحسن وذكريات 13 سنة فى آخر ساعة!

حكايات صحفية

رشدى أبو الحسن وذكريات 13 سنة فى آخر ساعة!

 أخيرا استجاب الكاتب والصحفى الكبير الأستاذ «رشدى أبوالحسن» لرغبة أحبائه وزملائه وأصدقائه وكتب ذكرياته أو مذكراته البديعة التى جعل عنوانها 55 سنة صحافة..  سنوات كثيرة وحصاد قليل فى 512 صفحة «دار ميريت».



 والأستاذ  «رشدى» بالنسبة لى  منذ جئت «صباح الخير» صيف عام 1967 كان أستاذا ومعلما ومثلا أعلى وقدوة فى سلوكه الإنسانى المهنى. 

 كان أول من تدربنا على يديه أنا وزميلى وأخى  «عزت الشامي» وكثيرون غيرنا نالوا شرف «التلمذة» على  يديه وكان وقتها سكرتيرًا لتحرير صباح الخير وقت رئاسة الأستاذ والفنان «حسين فؤاد» لمجلة صباح الخير. 

 وشاءت الأقدار عندما أصبح المحاور والكاتب الكبير الأستاذ «مفيد فوزي» أصبح رئيسا للتحرير أن يختارنى  «مديرا للتحرير» مع الأستاذ رشدى وكان ثالثنا الصديق والزميل محمد الرفاعى رحمه الله.

ثم شاءت الصدفة أن أتولى رئاسة التحرير صيف عام 2003 ويظل الأستاذ رشدى بالنسبة لى هو الأستاذ والمعلم وصاحب الفضل ولم أكن أجرؤ أن أظل جالسا على مقعدى وهو يدخل عليّ ليسلمنى مقاله، فكنت أترك المقعد لأجلس إلى أقرب مقعد بجواره.. وكم تمنيت بل ألححت عليه فى نشر ذكرياته الصحفية لكنه كان يعتذر بلباقة. 

 وليس هنا مجال رواية حكايات وذكريات معه، وخاصة فى تلك الأمسيات التى كان يستضيفنا  فيها الأستاذ الكبير «لويس جريس» فى منزله ويحضر فيها الناقد الفنى الكبير المستشار «مصطفى درويش» وآخرون.. لكنى سأتصفح معكم بعض ما جاء فى ذكرياته وهو درس شديد الأهمية يقدمه لنا كاتب شديد الصدق مع نفسه ومع الآخرين، متواضع إلى أبعد الحدود، ضمير مهنى حاضر دومًا، ولم يكتب إلا ما كان يراه صادقًا ومحترمًا.

ببساطة شديدة وتواضع كبير يقول : «خمسة وخمسون عاما وحدها عمر كامل، نهاية رحلة، إشارة إلى إسدال  الستار، ما هو حصاد هذا العمر فى المجال الذى انقطعت له وهو الصحافة، ما الذى قدمته طوال هذه العقود يمكن أن يغمرنى بالرضا وأستطيع أن أضعه فى ميزان المنجزات ؟!

 بدت لى الإجابة سلبية، فليس لدى ما لدى غيرى من خبطات صحفية،  وحملات تشغل الرأى العام، وكتب أو كتاب- فى مكتبة الأسرة، وأحاديث مع النجوم ونجوم النجوم، وتذكرت العنوان الذى اختاره العظيم «إبراهيم المازني» لأحد كتبه «حصاد الهشيم» ولا أتذكر منه اليوم إلا ما جاء فى تأملاته فى المقدمة أنه يرى  أن كل ما كتبه ليس إلا حصاد الهشيم!

 

 

 

 لا يا أستاذنا الكبير لم يكن حصاد هشيم بل حصاد عمر وتجربة رائعة!

 كانت بداية الأستاذ رشدى أبوالحسن عام 1962وكان وقتها  طالبا فى السنة النهائية بقسم الصحافة آداب القاهرة وهو فى التاسعة عشر عاما وبضعة شهور  عندما اقترح د. أحمد حسين الصاوى الأستاذ بالكلية على طلبته الالتحاق  بمجلة آخر ساعة للمشاركة فى تأسيس قلم للأبحاث تزمع المجلة إنشاءه!

 ويذهب رشدى مع ثلاثة من زملائه لمقابلة نائب رئيس تحرير آخر ساعة محمد وجدى قنديل.. لدقائق قليلة لكنه لم يكن مهتما أو مشغولا بالفكرة «ولم يسأل حتى عن أسمائنا وتصوراتنا أو أى شيء يدور حول خطة التنفيذ!

 ويتذكر الأستاذ رشدى تلك الأيام البعيدة بقوله : 

 جعلت من عضويتى بقسم الأبحاث المزعوم جواز مرور للتواجد بالمجلة يوميا ربما لإحساس غامض أننى أمام فرصة وعليّ أن أتشبث بها والفرص ليست دائما ملقاة على قارعة الطريق أو تلوح كل يوم وأطبقت عليها وتشبثت بتلابيب المكان !

اخترت سكرتارية التحرير مكانا للتواجد حيث أحضر مبكرا وأجيب عن أى تساؤل عن هويتى - أننى من قسم الأبحاث الذى يشرف عليه نائب رئيس  التحرير وهو الذى وجهنى لهذا المكان ! ولكنى لم أظل عاطلا واضعا رجلا على رجل وقتا طويلا، وشيئا فشيئا كنت أساعد فى بعض الأعمال دون مزاحمة أحد وبرغبة بريئة فى المساعدة، أستكمل عملاً، أسد فراغاً، أنوب عن غائب، الترحيب  بمشاركتى فى مراحل التنفيذ واضح، وفى وقت قصير أصبحت أقوم بجزء من مهام سكرتير التحرير والتى لم يكن يتشبث بها بشدة !

 كنت أحضر وأساهم حتى فى الأيام التى يتعين عليّ فيها أداء الامتحانات وبنهاية  المرحلة الجامعية  وتفرغى الكامل للمجلة أصبحت بالأمر الواقع أحد التروس فى دولاب العمل وفى بعض جوانب لا غنى عنى ! كل هذا وليس لى أى وضع رسمى أو شبه رسمى ولم يرد اسمى فى أى كشف باستثناء تحت بعض المواد التحريرية القليلة، واختفت تماما فكرة قسم الأبحاث، واصبحت المظلة التى أتحرك تحتها هى مجرد تحت التمرين أو متدرب، ووجدت فى هذا الوضع نقلة كبرى تتطلب منى جهدا أكبر ومثابرة أقوى لتثبيت هذا الوضع وضمان الاعتراف، ولم يكن يشغلنى البحث عن أى مقابل من أى نوع.

 

 

 

 كنت أحاول القيام  بما يملأ فراغا أو يتجنبه الآخرون أو يستلزم مشقة !

 أسر فى أذنى زميل قديم فاضل ربما لأنه لاحظ توجهى وقال لى : آخر ساعة مجلة نجوم، ركز على النجوم فى أى  مجال«شكرته فى سرى على هذه الملاحظة المخلصة  التى لفت نظرى إليها ولكن يبدو أننى لم أقتنع بها».

 وعن أول عمل صحفى له عندما سافر إلى أسوان حيث العمل فى مشروع السد العالى «لمشاهدة هذه اللحظة التاريخية وربما فى تحقيق عمل صحفي» ودون أن يحيط المسئولين فى المجلة علما بسفره!

 «كانت تجربة مؤلمة حيث نزل مع العمال إلى قاع  نهر النيل وإحساسه بالرعب والخوف والضياع وبعد ذلك يقول : 

 اختار المسئول عن التحرير مما عدت به  فقرة حول زوجات الخبراء الروس واللائى نجحت فى تدبير التقاط صورة لهن وهن جالسات على عتبات بيوتهن يتبادلن الأحاديث وأجبن عن أسئلتى فى سعادة عن طريق المترجم، نشر اسمى تحت هذه الفقرة عوضنى عما بذلته من تعب ومخاطرة».

 أين تصرف الأستاذ«رشدي» فى هذا الموقف من أى محرر فى هذه الأيام وكان سيقيم الدنيا ويقعدها احتجاجا  على تشويه روائعه !!

ويمضى الأستاذ «رشدي» فى سرد ذكرياته المهمة والممتعة فيقول : 

 كانت قد مضت على بضعة شهور نجحت خلالها أن أصل إلى درجة محرر تحت التمرين، وفى نفس الوقت أمارس مهام محددة فى السكرتارية، بل أستغل أحد المكاتب وحصلت على جزء من دولاب بمفتاح أضع فيه المواد والصور وتجرأت على اختصار السطور المطلوبة إذا تأخر نائب رئيس التحرير ! وهذا كله دون أى رباط رسمى !

وكنت قد تسللت أثناء هذه الشهور إلى الاجتماع الأسبوعى الذى كان يعقده الأٍستاذ «مصطفى أمين» كل جمعة، وكان مفتوحا أمام كل محررى الدار، والصحفى الكبير يعد لهذا الاجتماع ويهتم به، وأمامه ورقة سجل فيها النقاط التى سوف يتحدث فيها. 

لا أنسى تعليقه يوما على عنوان غامض، جاء فى إحدى مطبوعات المؤسسة وانتهز الفرصة لحديث شيق ومفيد عن العنوان وأصول صياغته وختم ملاحظته يقول لأحد أساتذة الصحافة الأجانب : إن العنوان الناجح يشبه دقة الطبلة الأخيرة !

 مواظبتى على هذا الاجتماع أضافت لى ما يساوى سنة دراسية فى قسم الصحافة.. 

 كان مصطفى أمين هو رئيس مجلس الإدارة – بعد قرار تنظيم الصحافة فى مايو 1960 الذى وضع الصحافة عمليا تحت سيطرة الدولة، وصدر قرار باختيار «أحمد بهاء الدين» رئيسا لتحرير آخر ساعة بالإضافة لعمله كرئيس فعلى لأخبار اليوم أوسع الصحف المصرية  انتشارا آنذاك، ورئيس تحرير الأخبار الذى كان يكتب لها يوميات أسبوعية إلى جانب الكبار آنذاك : العقاد وسلامة موسي، وزكى عبدالقادر وآخرين !

 ولقد لمست قيادة المؤسسة نوعا من الركود والكساد يسرى فى أوصال المجلة ووقع الاختيار على «أحمد بهاء الدين» ثقة فى قدراته على بث موجات من الحيوية والتجديد وإشعال بعض النار فى الرماد !

 وبتدرج محسوب  نجح «بهاء الدين» فى تحقيق المأمول منه، وقد تفاءلت بمجرد توليه المنصب وتوقعت منه المساندة رغم أننى لم ألتق به أو أتعامل بشكل مباشر معه، ولكن تفاؤلى جاء من مجرد تولى رجل كبير لا تصدر قراراته عن هوى، وعموما  لم يخب أملى رغم أنه لم يستمر مدة طويلة ربما بضعة شهور وعصف به تغيير حيث ترك العمل فى أخبار اليوم واختير رئيسا لمؤسسة «دار الهلال». 

وهذا ملمح من طبيعة المرحلة، سرعة التغييرات وعشوائيتها، فلم يكن هناك أى منطق فى هذا الانتقال وعبر هو – بهاء – بالفعل عن سخطه !

 وفى تقدير الأستاذ رشدى عن  الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين قوله : واحد من ثلاثة أو أربعة يتقاسمون زعامة الصحافة والصحفيين، وهو يتميز بقدرته البارزة على تحديد المهمة أو المهمات ذات الأولوية للحظة المعينة، وانتباهه فى الصغيرة والكبيرة إلى ما هو أكثر أهمية من سواه، وهو فى جميع الحالات  لا يستند إلا على موهبته وانضباطه  الذاتى العميق». 

 وأخيرا يقول الأستاذ رشدى : خلال فترة عملى فى آخر ساعة التى استمرت ثلاث عشرة سنة، عملت مع رؤساء التحرير : أحمد الصاوى محمد، أحمد بهاء الدين، سعد التايه صلاح حافظ، يوسف السباعي، أنيس منصور، ومعنى هذا أن متوسط مدة استمرار كل منهم أقل من عامين» 

 وللذكريات بقية !