السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
يوسف إدريس ومولد الكتابة الكروية!

يوسف إدريس ومولد الكتابة الكروية!

من وقت لآخر كان د.يوسف إدريس يتوقف تمامًا عن الكتابة سواء مقاله الأسبوعى فى الأهرام تحت عنوان «من مفكرة د.يوسف إدريس» أو كتابة قصة قصيرة أو البدء فى التفكير فى كتابة عمل روائى أو مسرحى!!



كان يتوقف عن الكتابة بإرادته، لكنه كان يتابع ويقرأ كل ما ينشر فى الصحف والمجلات من مقالات وتحقيقات وحوارات.. وكانت له ملاحظات ذكية احتفظ بها لنفسه، وكما توقف عن الكتابة فجأة عاد إليها بمقال نارى صادم كان حديث الناس الذين قرأوه صباح يوم 24 يناير سنة 1983 فى الأهرام.. المقال أسعد من قرأه، لكنه أغضب من يكتبون آراء ومقالات يملأون بها الصفحات.

 

آه لو عاش د.يوسف إدريس حتى يشاهد ويقرأ «مولد الكتابة الكروية» الذى تعيشه مصر منذ ظهور الفضائيات العامة والرياضية خاصة، ومئات المواقع الكروية التى تنصب «المولد الكروى» طوال اليوم عمال على بطال!

وآه لو شاهد د.يوسف إدريس هذه الاستديوهات التحليلية التى تمتد بالساعات لمناقشة ضربة جزاء أو فاول أو تسلل وغير ذلك من أعاجيب الكورة وسنينها!

إن د.يوسف إدريس نفسه كان متابعًا ومشاهدًا غير عادى للكرة وله مقال شهير نشره فى كتابه «جبرتى الستينيات» يقول فيه:

«لم أكن من هواة الكرة، ولكن ماذا أفعل والتليفزيون قد حببّ إلىّ مشاهدتها ومتابعة مبارياتها «ولقد ظللت طويلًا وأنا أرى الناس من حولى إما أهلاوية أو زملكاوية حائرًا أتردد أيهما اختار؟ وكانت النتيجة أنى لم أختر ناديًا بعينه، كل ما فى الأمر أنى أتحمس للمغلوب، ويصبح كل همى أن يخرج من المباراة وهو فائز أو على الأقل متعادل!

ويبدو أنى وحدى الذى أقف هذا الموقف، فطوال يومين بأكملهم وأنا أرى المظاهرات تمر من تحت بيتنا فى الدقى تشمت فى الزمالك وتسب - بروح غير رياضية أبدًا - لاعبيه!!

المهم أن حكاية الزمالك والأهلى هذه تستولى عليّ كلما فكرت فيها، لا للكرة ولاعبيها وإنما لفكرة الصراع نفسها.. فلولا هذا الاختلاف الشديد فى الرأى، ولولا التحزب مع هذا النادى أو ضده لما وجد هذا التعلق الساحق باللعبة وكأن من شيم الطبيعة الإنسانية ألا تحب إلا إذا كان لها الحق أن تكره!!

وألا تلتقى على الحب أو الكره إلا إذا كان لها الحق أن تختلف!

ترى لو لم يكن هناك أهلى وزمالك أكانت تحظى الكرة كلعبة بكل هذا التعلق والاهتمام؟!

انتهى ما كتبه «د.يوسف إدريس» وكان ذلك فى ستينيات القرن الماضى!

وأعود إلى مقاله «مولد الكتابة فى مصر» (الأهرام 24 يناير سنة 1983) حيث كان د.يوسف إدريس قد توقف عدة أشهر عن الكتابة لكنه - وكما يقول - لم يتوقف عن التأمل وإعمال الفكر، مولد كتابة لشهور عشته، لم أعشه أقرأ! بل أتفرج على أصوات، النصب والدجل وإثبات الذات بإعلاء الصراخ والزئير، أتفرج وأسمع!! وصحف ومجلات القاهرة فى شهور مايو ويونيو ويوليو موجودة وارجعوا لها، مولد كتابة!

وتحت عنوان فرص فى قلب مقاله «الرياضة لها مولد» كتب يقول:

أما المولد الحيانى حقًا فهو مولد الرياضة، بإحصائية بسيطة تنشر صحافتنا حوالى مائة صفحة كاملة للرياضة كل أسبوع، أى بمعدل حوالى (1200 صفحة وأكثر كل شهر، 1200 صفحة منها لا أقل (1100 صفحة) لكرة القدم وحدها حتى إن بعض الصفحات الرياضية لا تكتفى بوصف واحد تفصيلى لمباراة كرة القدم الواحدة وإنما هى تقدم أحيانًا وصفًا يقوم به مسئول الباب، ووصفين آخرين لمحررين! ناهيك عن التعليق والمفارقات التى يتولاها محرر ثالث، وحديث مفصل لكل حركة قدمها هذا اللاعب أو ذاك بحيث إن الجمهور يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أحدث لاعب فى أى ناد، إذا «شاط» شوطة جيدة أصبحت الشوطة مانشيت وحديث المدينة، وأى «أوف سايد» ممكن أن يتحول إلى صراع حول مشروعيته، أو ربما أقيمت قضية أمام المحكمة الدستورية العليا للنظر فيه!

 

كرة القدم تستحوذ على القدر الأكبر من التغطية الصحفية
كرة القدم تستحوذ على القدر الأكبر من التغطية الصحفية

 

صراع قد يستمر أسبوعًا وربما موسمًا بأكمله، والمضحك أن هذه الكتابات كلها ليست عن أشياء مجهولة من القراء، وإنما عن أشياء كل الناس رأتها ولاحظتها ولا جديد فيها عن مباراة (لعبة) وليست عن اجتماع لهيئة كبار العلماء!

والنتيجة أننا نحيا فى مولد كلام عن الكورة، بينما اللعب نفسه ومعظم المباريات أكاد أقسم بالمقارنة إلى المباريات الأجنبية أو حتى معلوماتى العامة جدًا عن لعب الكرة أنها لا تستحق حتى مجرد التنويه!

مولد لا يناقش فيه أحد خطة الفريق وأداءه، وإنما هى كلها مناقشات لأداء كل فرد فى الفريق بحيث هدم هذا المولد الكتابى جماعية اللعبة تمامًا! وأصبح هم كل لاعب أن ينفرد بلفت الأنظار لمهارته الخاصة!

مولد منصوب من سنوات لو كان له أى فاعلية لحول الكرة فى مصر إلى علم لايجارينا فيه أحد! إنه لجنون مطبق!

فى مجلة مصورة مصرية محترمة أحصيت مرة عشر صفحات بأكملها تتحدث عن مباراة واحدة لم أستطع شخصيًا ولفرط ضحالة مستواها أن أكمل التفرج عليها».

ولم تكن تلك هى المرة الأولى التى يتحمس فيها د.يوسف إدريس لتناول الشأن الكروى، بل كان يتوقف كثيرًا عند مشاركة المنتخبات المصرية فى المسابقات الدولية الرياضية، وخاصة الدورات الأوليمبية.

وفى كتابه الممتع «شاهد عصره» مقال عنوانه «الظاهرة الغريبة» يقول فيه:

«أليس غريبًا ألا نفوز بأى ميدالية ذهبية أو فضية أو برونزية أو حجرية حتى فى الدورة الأوليمبية، بينما تفوز أكثر من (سبع) وثلاثين دولة من بينها «ترينداد» و«نيجيريا» و«أورجواى» التى لا يتعدى سكانها المليون بميداليات؟

فيم إذن كل هذا الاهتمام الكبير بالرياضة فى بلادنا والنفقات والاعتمادات والألفاظ الرنانة الكبيرة التى نسمعها من المذيعين والمعلقين عن البطل فلان والبطل علان؟!

فيم كان اشتراكنا فى الدورة الأوليمبية نفسها؟ وأين جهود المجلس الأعلى لرعاية الشباب الذى له عشر سنوات وهو يعمل، وكان من الواجب أن تظهر نتيجة جهوده خلال هذه السنوات.. فعشر سنوات مدة كافية جدًا لخلق جيل جديد كامل!

وفيم كان تتويج هذا الاهتمام كله بوزارة خاصة للشباب والرياضة؟ إنه ليس فقط شيئا مخجلًا ولكنه حقيقة يدعو للتأمل والتفكير!

وأنا لست رياضيًا ولا علاقة لى بالرياضة من قريب أو بعيد ولكن الظاهرة نفسها استرعت انتباهى، فليس من المعقول أن يكون ترتيبنا فى المجال الرياضى الدولة الأخيرة فى الدورة فى حين أنى متأكد أننا ننفق على الرياضة ونهتم بها أضعاف أضعاف ما تنفقه دولة كأيرلندا مثلًا أو «الدانمارك» التى فازت بميداليتين ذهبيتين وميداليتين برونزيتين!

 

 

د.يوسف إدريس
د.يوسف إدريس

 

وهو أيضا أمر لا يدفع فقط للتفكير بل لابد أن يدفعنا لمراجعة الأسس نفسها التى نبنى عليها برامجنا للرياضة ولصحة الشباب، فلابد أن هناك خطأ أساسيًا فى الطريقة نفسها، أو لابد أننا - مثلنا فى مسائل كثيرة - لانزال نتبع أسلوب الحداقة والفهلوة ولا نريد أن نعترف بالعلم!

وينهى د.يوسف إدريس مقاله قائلًا:

إن الموضوع كله فى حاجة إلى مراجعة شاملة ونظرة علمية جديدة يقوم على أساسها التخطيط، وإلى أن يحدث هذا أعتقد أن العقل يدفعنا لتوفير النقود الكثيرة التى ندفعها لنشترك فى مباريات دولية، وننفق هذه النقود على إقامة دعائم بيتنا الرياضى أولًا، ووضع أسس لحياة رياضية سليمة توسع من قاعدة اختيار اللاعبين وترتفع بمستوى شبابنا كله».

انتهى مقال وتشخيص د.يوسف إدريس الذى يعود توقيت كتابته إلى ستينيات القرن الماضى عندما كان يكتب فى جريدة الجمهورية.. وأعود إلى مقاله مولد الكتابة فى مصر والذى ختمه بهذه الكلمات:

«الكتابة كمولد ومولد الكتابة وفوضى الإرسال والاستقبال أضاع منا- صحافة وإعلامًا- دور العقل ولهذا فى حلنا لمشاكلنا نتحرك كعضلات وردود أفعال». إيقاف مولد الكتابة وإحالة الصحافة إلى وسيلة تفكير عظيم منظم وليس حائط مبكى أو سوق عكاظ. مولد صاخب تاهت فيه القيم والحقائق وكثرت الأبواب واشتدت سواعد وحناجر القائمين عليها، وفى الازدحام لايلحظ أحد تبادل المنافع وشيلنى وشيلك».

يا دكتور يوسف مازال مولد الكرة منصوب و«شغال على ودنه» مكتوبًا ومسموعًا ومرئيًا أيضًا!!