السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
مناكفات ومشاحنات وصداقة عمر!

يوسف السباعى ويوسف إدريس:

مناكفات ومشاحنات وصداقة عمر!

كان د.يوسف إدريس من عشاق المناكفات والمشاكسات الفكرية والأدبية، حتى لو لم تكن هناك مناسبة أو حدث يستدعى هذه المناكفة أو المشاكسة، فهى متعة أخرى مارسها بحب وجرأة لا حدود لها.



وكان الأديب الكبير «يوسف السباعى» صاحب عشرات المناصب الأدبية والفكرية - بجانب رواياته أيضا - هدفًا لمناكفات د.يوسف إدريس.

 

المدهش والممتع أن د.يوسف إدريس كان حريصًا على رسم ملامح هذه المناكفات فى مقالاته الممتعة عندما كان يعمل بجريدة الجمهورية فى ستينيات القرن الماضى تحت عنوان: «ولك منى أطيب التمنيات» كتب د.يوسف إدريس يقول:

«أعترف أنى فى حيرة بالغة من أمر صديقنا وزميلنا الأستاذ يوسف السباعى فهو كشخص من أظرف وأطيب وأنبل خلق الله إلى درجة تخجل معها حتما أن تقول له كلمة تغضبه حتى لو كانت كلمة حق.. وهذه ليست المشكلة!

المشكلة أن هذا الفنان الطيب الظريف الخفيف الدم يشغل عدة وظائف بالغة الخطورة، إحداها سكرتير المجلس الأعلى للفنون والآداب، والمجلس جهاز ضخم متعدد اللجان والمهام متنوع الأدوار، ومن غير المعقول بالمرة ألا يخطئ المجلس أو تخطئ إحدى لجانه أخطاء تصيب بعض الناس بالضرر، ضرر لابد أن يتحركوا معه ويرفعوا أصواتهم بالاحتجاج أو الشكوى.

والكارثة أنه ما من مرة حدث هذا إلا وأخذ الأستاذ «يوسف السباعى» أى صوت احتجاج أو شكوى على أنه إهانة وجهت لشخصه وثار وغضب.

وهكذا فى كل مرة كنت أرى ويرى غيرى، أن فى أعمال المجلس أو قراراته أو حتى فى وضع جمعية الأدباء أو نادى القصة ما يوجب الكتابة ولفت النظر، كنت فى العادة أكظم غيظى وأسكت، فلا شيء يؤلمنى قدر إغضاب صديق، خاصة إذا كان له مثل أدب يوسف السباعى ونقائه وبراءته!

والمشكلة الثانية أن طريقة «يوسف السباعى» هذه تنسحب أيضًا على علاقاته الخاصة فهو يعطى لنفسه حرية أن يتصرف كما يحلو له، ويغضب إن أنت عاملته بالمثل!

كتبت له مرة خطابًا فى مناسبة خاصة، فنشر الخطاب على صفحات الجمهورية ولم يكتب بهذا بل كتب مقدمة قص فيها - من وجهة نظرى - قصة لقائى به، وعلاقتنا وكيف زجرنى أحيانا وقسى عليّ!

أشياء ليست أعمدة الجرائد مكانها، ولا المناسبة مناسبتها، ولو كان أحد قد فعل نفس الشيء معه لهاج وماج واحتقن وجهه بالغضب!

وفى الأسبوع الماضى كتبت أنقد بعض أعضاء لجنة التحكيم فى جائزة الدولة، وآثر يوسف السباعى أن يرد هو فكتب مقالا فى «روزاليوسف» استحل لنفسه فيه أن يصف ما فعلته بأنه حركة مسرحية متشنجة!!

وزعم أنى فقدت صوابى، وأن على شخص ما أن يرد إليّ صوابي!

ومن سوء حظ صداقتنا أن يكون عليه هو أن يفعل ذلك، وسطور المقال محشوة بالغمز واللمز ونهايته أعجب إذ يقول: يا يوسف اعقل!!

وعند هذا الحد كان صبر د.يوسف إدريس قد نفد وبدأ فى الرد عليه:

فبالله عليكم كيف أرد على يوسف السباعى هل أنتهز الفرصة وأدخل معه فى مهاترات شخصية وأعامله بلا كلفة وكأننا جالسان على قهوة وأقول له: عيب يا أبو حجاج.. الحقيقة لا أستطيع أن أفعل! لأنى أولا لا أحب هذه الطريقة ولأنى ثانيًا لست حرًا فى رفع الكلفة مع «يوسف السباعى» على صفحات الجرائد أو فى لومه كشخص وتأنيبه!

لأن يوسف السباعى له صفة أخرى هى التى يخاطبها الناس حين يكتبون عنه فى الجرائد، وهى وحدها التى تعنينا هنا إذ هى صفة الموظف المسئول!

أما «يوسف السباعى» كشخص وصديق فلا يمكن أن أفكر أبدًا فى عتابه  أو التحدث إليه أو الهزل معه أمام جماهير القراء وعلى حساب وقتهم ونقودهم ومشاكلهم!

لهذا فأرجوك يا أستاذ يوسف لنتفق أولًا على أن تفصل فصلًا تامًا بين «يوسف السباعى» الكاتب ويوسف السباعى الشخص، ويوسف السباعى الموظف المسئول، هذا اليوسف الأخير هو الذى أخاطبه، وهو يوسف لايليق به أن يتحدث فى أمور شخصية ولايليق بى حتى لو تحدث، أن أعنفه أو أؤنبه أو أقسو عليه!

إذا اتفقنا فيمكننا أن ندخل فى الموضوع وأرجو أن تعذرنى إذا قلت لك أننى بعد كل هذه المقدمة الطويلة لا أجد مبررًا للدخول فى الموضوع بالمرة.. فقد كنا نتناقش حول صلاحية بعض أعضاء لجنة التحكيم لجائزة القصة القصيرة، وكنا نحن فى هذا، ولجنة التحكيم كانت تتخذ قرارًا - أغرب وأعجب قرار اتخذته لجنة تحكيم قامت فى أى بلد من بلاد العالم - قرارًا باستبعاد جميع الكتب التى قدمت والتى كُتب حوار بعض قصصها بالعامية! وعلى هذا استبعدت اللجنة كتب جميع المتقدمين ماعدا ثلاثة.. ولا أعرف إن كنت وأنت تكتب ردك كنت عالمًا بالقرار أم لم تكن تعلمه!.. ولكنى أذكر ثناءك عليّ فى ردك وقولك!! ولست أظن أن فوزه بالجائزة أو حرمانه منها يمكن أن يضيف أو ينقص من قدره، لأنه بلا جدال لم يعد فى حاجة إلى أن يقوم قدره بجائزة ما.. لأنه أثبت قدمًا وأكثر قدرًا من أن تنقصه أو تزيده جائزة!!».

كنت أنت سكرتير المجلس تقول هذا مشكورًا وكانت اللجنة التى اخترتها بنفسك تحكم على إنتاجى وعلى إنتاج جميع من يكتبون القصة القصيرة - باستثناء ثلاثة - بأنه غير جدير بالعرض عليها أصلًا!! فما معنى هذا؟!وعلى أى حق أو نص استندت اللجنة فى اتخاذ القرار؟! وكيف تأخذ موقفًا خطيرًا كهذا بغير علم المجلس وبغير علمك؟!

أو إذا كان بعلمك فكيف تعطى هذه الشهادة فى حق إنتاج كاتب رأته اللجنة التى اخترتها أنه غير جدير بالعرض عليها؟ ولمصلحة من تقف اللجنة هذا الموقف؟ ألمصلحة الأدب والفن؟!

كان عليها إذن أن ترفض «البيان والتبيين» للجاحظ كما يقول عميد الأدب العربى. وكان عليها أن تلغى «عودة الروح» و«قنديل أم هاشم» و«قصص المازنى» و«طاهر لاشين» و«محمود تيمور» نفسه، أجمل وأروع ما فى تراثنا من أدب وفن!

بل كان عليها أن ترفض إنتاجك أنت نفسك!! فمازلت أذكر مقدمة كتابك «وراء الستار» التى أشبعت فيها وزارة المعارف آنذاك سخرية لأنها رفضت تقرير بعض إنتاجك على التلاميذ لأن الحوار فيه يدور باللغة العامية!!

ويواصل د.يوسف إدريس تساؤلاته ودهشته قائلًا:

وهل اتخاذ قرار كهذا بشأن كتب طبعت فعلًا وقرأت ونفدت من السوق هو الذى سيحمى اللغة العربية ويرفع شأنها؟ وهل رفع شأن اللغة العربية يكون بمصادرة إنتاج جيل بأكمله من الكتاب لأن فى بعض صفحاته حوارًا بالعامية؟

هل الوقوف موقف البطش والإرهاب والرفض من جانب اللجنة هو الذى سيخيف الكُتاب ويجعلهم «يحرمون» كتابة الحوار بالعامية؟ أم نسمع ما يقال من أن المقصود ليس مصلحة اللغة ولا الأدب وإنما هو لغلق دائرة الجائزة على هذا الكاتب أو ذاك، كاتب كل مؤهلاته أنه يكتب الحوار بالفصحى!!

دبرنا يا أستاذ «يوسف» وأشر علينا بما تفعله.. المجلس الذى أنشئ وتنفق عليه الدولة مئات الألوف من الجنيهات وربما ملايينها من أجل إنعاش الحركة الأدبية ورعاية الكتاب والفنانين! المجلس الذى كان من واجبه أن ينشط ويدفع ويجعل من القاهرة وكُتابها مركز الإشعاع الثقافى والفكرى والفنى لآسيا وأفريقيا، هذا المجلس بدلًا من أن يحتضن الكتاب والفنانين ويشجعهم ويرسلهم فى بعثات للدراسة وللتبادل الثقافى ويرغّب لهم الفن والأدب ها هو ذا يتحول إلى جهاز كل مهمته أن يرفض ويزجر ويطرد الكتاب والفنانين من جنات الرعاية.

الشعراء ترفضهم لجنة الشعر وتسخر من إنتاجهم وتحيل دواوينهم - زيادة فى السخرية - إلى لجنة «النثر» باعتبار أنها ليست شعرًا، وكُتاب القصة يرفض إنتاجهم جملة وتفصيلًا وبأوهى حجة، وفى المسرح ها هى لجنته فى الطريق إلى قطع الطريق على إنتاج الكتاب الشبان وبحجة العامية والفصحى أيضا!!

والطريف فى الأمر أنك بإنتاجك يا أستاذ «يوسف» مع المطرودين الممنوعين، إذا لو كان إنتاجك قد عرض لرفض بنفس الطريقة! أليس فى هذا ما يدعو للضحك؟ وهل المشكلة أن ترفض وتقول ممنوع؟ لو كان الأمر كذلك لكان من المستحسن أن نوفر على الدولة مئات الألوف من الجنيهات، ونلغى لجان المجلس ومكافآت أعضائه ونكتفى بساع معه ختم بكلمة ممنوع يبصم به على كل إنتاج جديد!

حسن جدًا!! لقد أديتم مهمتكم بنجاح ورفضتم جميع الإنتاج المعاصر فى القصة والشعر والمسرحية! أهذا كل شيء؟ أهذه هى كل الرعاية؟ أهذا هو الهدف؟

ماذا إذن عن التأليف؟ لماذا مادمتم غيورين إلى هذه الدرجة لا تتخذون قرارًا بأن تؤلفوا أنتم؟ لابد لكم من اتخاذ قرار كهذا، فإن أحدًا لن يؤلف حسب مواصفاتكم أبدًا! وباستطاعتكم أن تفخروا بأنكم رعيتم الحركة الأدبية إلى حد الخنق والازدراء والقتل، سلمت أيديكم وشكر الله سعيكم!

تريد الصراحة يا أستاذ «يوسف» الجيل المعاصر من الكُتاب والشعراء والفنانين فى حالة يأس كامل، وكل ما نطلبه هو الرحمة من هذه «الرعاية» وأن يقدر لنا أن يمد فى أعمارنا إلى أن نرى لجانًا أخرى غيورة على الأدب والفن حقًا! بعقليات أخرى بفهم آخر للحياة ولأجمل ما فى الحياة، قدرة الإنسان على الخلق والابتكار!

وإلى أن يحدث هذا لك منى ومن المطرودين والمنبوذين والمحرومين من نعيم اللجان وقراراتها أطيب التمنيات، ولننتقل إلى موضوع يفيد الناس».

وما أكثر المناكفات الأدبية فى حياتنا!!

وللحكاية بقية.