السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
حياتى فى قدرتى على الكتابة والقراءة!

عندمــا تكلـم العقـــــاد

حياتى فى قدرتى على الكتابة والقراءة!

اعترف أننى وجدت صعوبة شديدة فى قراءة كتب الأستاذ الكبير «عباس محمود العقاد»، لكننى وجدت كل المتعة فى كتابيه «أنا» و«حياة قلم»، وهما معًا يشكلان ملامح من سيرته الذاتية الرائعة.



وأدهشنى أن الكتابين صدرا بعد وفاة الأستاذ العقاد بشهور قليلة!

فقد توفى العقاد فى مارس سنة 1964، وصدر كتاب «أنا» فى يوليو من العام نفسه، وصدر «حياة قلم» فى ديسمبر 1964 والكتابان صدرا عن سلسلة كتاب الهلال الشهرية.

وتزداد الدهشة حين تعرف أن صاحب الفضل الأول فى صدور الكتابين هو الصحفى والأديب الكبير الأستاذ «أحمد الطاهر الطناحى» أحد نجوم دار الهلال والذى تولى أرفع مناصب حتى أصبح رئيسًا لتحرير «الهلال».

كان طاهر الطناحى صديقًا مقربًا لغالبية نجوم الأدب والصحافة منذ اشتغاله بدار الهلال عام 1927، وكان فى مقدمة هؤلاء الأستاذ «العقاد»، الذى كان دائم الاتصال به، بل يقترح عليه كتابة موضوعات بعينها فى مناسبات مختلفة التى قام بجمعها وإعدادها فى هذين الكتابين.

فى مقدمة كتاب «أنا» كتب الأستاذ طاهر الطناحى صفحات مهمة ورائعة كشف فيها جوانب خفية عن العقاد فكتب يقول:

لما أصدر الفقيد الكبير «عباس محمود العقاد» ديوانه «وحى الأربعين»، وكان وقتئذ فى الرابعة والأربعين من عمره، اقترحت عليه مجلة الهلال أن يكتب فصلاً نثريًا فى هذا الموضوع، فكتب لها فصلاً بعنوان «بعد الأربعين» وصف فيه حياته النفسية، وحالته الفكرية فى هذه السن، وتحدث عن فلسفته بين الشباب والكهولة، وعن تجاربه الشخصية بين العشرين والأربعين، وقد نشرته الهلال فى أول يونية سنة 1932.

وكان هذا المقال هو أول مقال كتبه عن نفسه بأسلوبه العلمى التحليلى.

ويسترسل الأستاذ طاهر الطناحى فى مقدمته قائلاً:

«وبعد عشر سنوات - وقد توليت تحرير هذه المجلة - اقترحت عليه أن يكتب مقالاً بعنوان «وحى الخمسين» فكتب هذا المقال ونشرته الهلال فى أول مايو سنة 1943 وقد جعله موضوعيًا كما جعله شخصيًا، فتناول حياته وحياة أمثاله ممن بلغوا هذه السن، وما يعتور أصحابها من حالات نفسية ونظرات جديدة إلى الحياة تختلف عن نظرات أبناء العشرين أو الثلاثين أو الأربعين وقد وصفها بأنها سن اغتناء لا سن افتقار».

وقد رأيت من هذين المقالين أن كتابته عن نفسه وترجمته لحياته تختلف عما كتبه الكثيرون من رجال الفكر والأدب والاجتماع عن حياتهم، فبعض هؤلاء العلماء والأدباء والساسة ترجم لحياته فى أسلوب تأريخى، وبعضهم فى صيغة مذكرات أو ذكريات، وآخرون صوروا حياتهم فيما يشبه الاعترافات، مع الاكتفاء بالأهم والمهم من الأحداث وأدوارهم فيها.

أما كتابة العقاد عن نفسه فهى كتابة لها طابع جديد فى كتابة التراجم، كتابة ليست شخصية بحتة، ولا سردًا لأحداث مرت به، أو عاش فيها وكان له دور من أدوارها فحسب، بل هى كتابة باحث عالم، وفنان نابغ تعود النظر فى مسائل العلم وقضايا الفن والفكر، وجال فى شئون الفلسفة وعلم والنفس والأدب والتربية والاجتماع، وتمرس بتجارب الحياة، ومارس حلوها ومرها، وخرج منها بخبرة العالم وعبرة المفكر وحكمة الفيلسوف، فإذا كتب عن نفسه تناول ألوانًا من المعرفة، وعالج أنواعًا من التفكير، وتعقب كل حادث أو شأن من الشئون بالتعقيب العلمى، أو التعليل النفسى أو التأمل الفلسفى!

وفى نحو السابعة والخمسين من عمره - وكان ذلك فى سنة 1946- اقترحت عليه أن يكتب كتابًا عن حياته!

فأجابنى: سأكتب هذا الكتاب وسيكون عنوانه «عنى» وسيتناول حياتى من جانبين!

الأول: حياتى الشخصية بما فيها من صفاتى وخصائصى ونشأتى وتربيتى البيتية والفكرية، وآمالی وأهدافى، وما تأثرت به من بيئة وأساتذة وأصدقاء، وما طبع أو انطبع فى نفسى من إيمان وعقيدة ومبادئ، أو بعبارة أخرى «عباس العقاد الإنسان» الذى أعرفه أنا وحدى، لا «عباس العقاد» كما يعرفه الناس ولا عباس العقاد كما خلقه الله!

والجانب الثانى: حياتى الأدبية والسياسية والاجتماعية المتصلة بمن حولى من الناس، أو بالأحداث التى مرت بى، وعشت فيها أو عشت معها، وخضت بسببها عدة معارك قلمية، وكانت صناعة القلم أبرز ما فيها، أو بعبارة أخرى «حياة قلمى» الذى عاش معى وعشت معه منذ بدأت أكتب فى الصحف السياسية والأدبية وأنا فى السادسة عشرة حتى الآن «سنة 1946».

وهذا الكتاب يحتاج منى إلى التفرغ مدة طويلة، وبخاصة الجانب الثانى لأنه يحتاج إلى دراسة تاريخية ومراجعة للأحداث وتحقيق دقيق للأسباب والمسببات، وجمع للوثائق السياسية والأدبية.

ولعلى أبدأ بالجانب الأول الذى هو «أنا» لأنه أقرب إلى الكتابة وبخاصة وأنا فى نهاية الحلقة السادسة من عمرى، فسواء عشت إلى السبعين أم الثمانين أم المائة فإن عدد الشهور والأعوام لا يغير منه شيئًا».

ويمضى الأستاذ «طاهر الطناحى» فيروى حكايته مع كتاب «أنا» فيقول: «كان هذا الحديث فى أواخر سنة 1946، وقد كتب بمجلة الهلال قبل ذلك المقالين السالفين «بعد الأربعين»، و«وحى الخمسين»، فرأيت أن هذين الفصلين هما من فصول الجانب الأول، فاعتزمت أن أستكتبه فى الهلال سائر فصول هذا الجانب إلى نهايته، ثم أجمعه له فى كتاب منفرد كما فعلت فى كتاب «رجال عرفتهم» الذى نشرته سلسلة كتاب الهلال. وعرضت عليه هذه الفكرة فوافق عليها، وكان أول ما كتبه بعد هذا الاتفاق، مقال «إيمانى» الذى نشرته الهلال فى يناير 1917، ثم مقال «أبى» إلى آخر ما كتبه من الفصول التى أربت على الثلاثين فصلاً فى الهلال.

وقبل وفاته بشهر كان يزورنى بمكتبى، فحادثته فى جمع هذه الفصول وما نشر فى موضوعها فى بعض المجلات الأخرى ليتألف منها كتاب نختار له عنوانًا مناسبًا فأجاب: لا بأس وسنجعل عنوان الجانب الثانى بعد تأليفه «حياة قلم»!

فأخذت فى جمع هذه الفصول، وما كدت أنتهى من جمعها حتى مرض وعاجلته المنية فرأيت من الوفاء لنابغتنا الكبير ولتاريخ الأدب أن أنشر هذا الكتاب واخترت له عنوان «أنا»، وأنى أرى ويرى القراء معى أن هذا العنوان أصدق عنوان على فصول هذا الكتاب التى تتناول الجانب الشخصى والنفسى من حياته، ولو كان «العقاد» حيًا لما رفض هذا العنوان، فقد كان رحمه الله يترك لى عنوان بعض مقالاته التى ينشرها فى مجلة الهلال، وأسماء بعض كتبه التى نشرتها سلسلة كتاب الهلال ثقة منه بأنى أختار الاسم المناسب.

وحياة العقاد حياة ضخمة لا يجمعها كتاب واحد، فإذا كنت أقدم للقراء فى كتاب «أنا» حياته النفسية والشخصية، أو العقاد الإنسان فسيبقى بعد ذلك أمام المؤلفين والباحثين: العقاد الكاتب، والعقاد الشاعر، والعقاد السياسى، والعقاد اللغوى، والعقاد الصحفى، والعقاد الفنان، والعقاد المؤرخ، والعقاد المؤلف، والعقاد العالم، والعقاد الفيلسوف، فقد كان بحرًا فى اطلاعه وإنتاجه وكان فذًا فى مواهبه وعبقريته!

ولما قلت له يوما: إن بناء جسمك وما أراه من قوة صحتك ومثابرتك على العمل فى الشيخوخة يبشر بأنك ستصل إلى سن المائة أو تزيد فماذا يكون شعورك وقتئذ؟ وما هو الكتاب الذى تؤلفه؟

فأجاب: إننى لا أتمنى أن أصل إلى سن المائة كما يتمناه غيرى، وإنما أتمنى أن تنتهى حياتى عندما تنتهى قدرتى على الكتابة والقراءة، ولو كان ذلك غدًا.. أما شعورى لو بلغت المائة إذا كنت بصحة جيدة، فهو نفس شعورى الآن، ولكن إذا ضعفت صحتى واضمحلت قوتى فإن شعورى يومئذ سيكون كشعور كل إنسان بالضعف والتعب وهو شعور مؤلم غير مريح.

وإذا توافرت لى الصحة ولم تضمحل القوة وبلغت سن المائة فإنى أؤلف كتابًا أسميه «تجارب مائة عام» أو «قرن يتكلم» وأعهد بنشره إليك».

كان هذا بعض ما كتبه الأستاذ «طاهر الطناحى»، لكن هناك الكثير من الحكايات والاعترافات المهمة فى مقدمته عن الأستاذ العقاد!

وللحكاية بقية.