الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«واقعــة» قصــر النيـــل

تحكى سارة، راودنى مساء أمس حلم غريب، لكن الأغرب أنى مازلت أذكر تفاصيله - على غير العادة - حيث كنا معًا، رفيقاتى، وقد عدنا فى ريعان الصبا نلهو ونلعب، نطير كفراشات من مرتفع إلى آخر دون خجل أو قيد، ثم أخذتكم فى جولة جنونية بالسيارة نسابق الزمن دون توقف حتى جاء المساء وتناولنا جميعًا العَشاء ثم نمنا متلهفات إلى لقاء غد.



خرجنا فى اليوم التالى معًا، وكان يوم تخرُّجنا فى الجامعة، وكنا أكثر إشراقًا من اليوم السابق، تكللنا السعادة وحماسنا للحياة، كنا نسعى فى الدنيا بانطلاقة وحب كمَن يقطف من كل زهرة بستان، لكن لم تمض بنا سفينة السعادة بعيدًا؛ حيث هبّت ريح عاتية اقتلعتنا جميعًا بعد أن اقترحت إحدانا أن نقوم بجلسة تصوير على كوبرى قصر النيل للذكرَى ونحن نرتدى زى الستينيات؛ حيث الأناقة وأنثوية المَظهركفنانات الزمن الجميل قبل أن نغرق الآن فى دوامات الفكر الحائر بين الانغلاق والانفتاح وما يجوز ولا يجوز، وقد لاقت الفكرة قبولاً وترحيبًا كبيرًا لدى الجميع.. وقد فعلناها.

ولم نكتفِ، فقد دفعنا غرور الإطلالة الجذابة بالعودة هكذا إلى بيوتنا بإحدى المناطق الشعبية - وهو ما يُعد غير مألوف أو مقبول لدى عائلة كلٍّ منّا - وما أن دخلنا شارعنا ونحن لم نزل فى سُكرة السعادة والنشوَى حتى قامت الدنيا أمام أعيننا وتحولت السماء الزرقاء إلى لون أسود يملؤه غضب وجوه كل من حولنا وصراخهم الذى أخرس كل مُغرد ومُزقزق.

جريمة أخلاقية.. الكل يشير بأصابعه نحونا، فتفرّقنا كشياه تخشى الذبح، نجرى فى خوف ونرتعد من تلك الوجوه الشاخصة التى ما لبثت أن طاردتنا كفئران لأول مرّة أظنها غير جانية، رغم فعلها الجرىء؛ فإنها كانت تعتقد أن ينهروها جرّاء فعلتها، لكن لا أن يسن الجميع سكاكين انتقامه منها بلا رحمة أو تفكير أو إصدار عقاب مخفف بعض الشىء.. إنه القتل ولا شىء غير القتل.

شهقت صديقاتى من الخوف فتوقفت عن سرد بقية الحلم، ثم استأذنتنى إحداهن فى المتابعة مع وعد بعدم المقاطعة، فأكملت: «وكان آخر ما أبصرته مشهدكن وأنتن تهرولن متفرقات فى فزع ورعب شديد، كل يبحث عبثًا عن شىء يحتمى به.

أمّا أنا فدخلت مسرعة لبيت مهجور - لطالما كنت أخشى المرور بجانبه لا الاختباء به - كان أقرب ما وقعت عليه عيناى وأسرعت بإغلاق الباب خلفى، ولكن لم أستطع المقاومة من قوة الدفع عليه، الجميع يطلب القصاص من روحى وقد نجحوا فى قهرى والدخول، لكن فى تلك اللحظة التى عبروا فيها الباب كانت لحظة أشبه بعبورهم داخلى، ولم أشعر بشىء سوى صراخى المستمر وأنا ممسكة بمقبض الباب بيد مرتعشة وقلب يحتضر، وظللت أصرخ حتى تجمدت.

نعم تجمد كل شىء بداخلى ولا أعرف كيف؟ أصبحت كقالب ثلج، تجمدت أطرافى جميعها وفقدت الإحساس بكل ما حولى حتى لسانى عجز عن النطق، بينما ظلت عيناى تدوران فى مقلتيها مستنكرتان سجنهما بهذا الجسد الميت.

تحوّل خوفى العظيم إلى سكون تام مفاجئ وتحولت ثورة غضبهن إلى تردد ومحاولة لاستيعاب ما حدث يشوبه بعض الحسرة.

أفواه حولى تتحدث، يبدو على بعضها الشفقة والأخرى تبحث عن تفسير وتحولت منصة الإعدام إلى همهمات غير مفهومة، فقد انقطع كل اتصال بينى وبين العالم الخارجى لا أسمع لا أفهم لا أشعر لا شىء سوى مقلتين تتحركان فى عجز. 

أنا حقّا لا أعرف ما أصابنى لكنّ المقربين لى حاولوا إفاقتى وكأنى فى غيبوبة بطرُق شتى، لكن لا شىء بى يستجيب، سوى عينَىّ الحائرتين، الصارختين أحيانًا مصحوبة ببعض الكلمات الثقيلة غير المفهومة عندما كنت أرى بعض الأشخاص تحديدًا، لا أعرف لِمَ كانت تصفهم عيناى بالجناة؟! 

ظلت روحى السجينة تتألم بهذا الجسد الحجرى حتى ملّ من حولها منها وتحولت الشفقة إلى قسوة والرحمة إلى يأس، ولم يعد أحد يتحمل تلك البلادة البشرية أكثر من ذلك، وعندما ظهر زوجى للمرّة الأولى بعد غياب لا أعرف سببه تحوّلت عيناى شاكيتين تبكيان له هذا العجز وتلك القسوة من كل من حولهما حتى كشفت نظراته عن يأسه هو الآخر منها، بل والتهكم عليها، فهى زوجة ميتة بلا فائدة. 

كان هذا هو السهم الأخير ليقتل ما كان لم يزل حيّا بى على ضآلته، وقبل أن أعلن الاستسلام والسقوط الأخير دبّ فى قلب الزوج فجأة نبض من الرحمة وألقى بجسده نحوى حاضنًا يحمينى، ولكن وقتها كان قد غادرنى الأمان والخوف معًا وتغيّر بى شىء. 

سكتت سارة قليلا وهى تعتدل فى جلستها وتنظر بالمارين حولها على كوبرى قصر النيل فى مسائه الساهر، ثم قالت لصديقاتها فى ابتسامة خبيثة «إيه رأيكم فى رحلة حقيقية للستينيات».

اقتحمتنا فجأة دائرة خشبية محاطة بلمبات إضاءة قوية يمسكها شاب يرسم ابتسامة مُريحة على شفتيه وخلفه شاب يبدو مساعدًا له يحمل عددًا من الباروكات الملونة قائلاً: «القعدة الحلوة دى محتاجة جلسة تصوير».